آراء

نجلاء محفوظ تكتب: فريد الأطرش .. حكاية الوجع والفرح

16-10-2021 | 07:16

"في لحظة خُيل لي أن الحياة انتهت، في لحظة ثانية بدت وكأنها تشرق من جديد؛ هل هي ابتسامة الأم وما تفعله في نفس وليدها؟

هذا ما قاله فريد الأطرش وهو يحكي عن أمه الأميرة علياء التي هربت به ليلًا وبشقيقه فؤاد وشقيقته أسمهان هربًا من مطاردة الفرنسيين لهم لتصدي والده الأمير فهد الأطرش للاحتلال الفرنسي.

ولد فريد في 17 أكتوبر 1910 ورحل 26 ديسمبر 1974، وما بينهما كانت حياته كأمواج البحر أحيانا هادئة وناعمة كبدايات طفولته كأمير ينعم بحياة الرفاهية والأمان، ومرات عاصفة بشدة تكاد تغرقه كمعاناته وأسرته من الفقر الشديد وهو في التاسعة من العمر بعد هروبهم لمصر. 
اضطرت والدته بعد نفاد مجوهراتها للعمل بالتطريز، وقام فريد ببيع مشغولاتها اليدوية بأثمان قليلة ليتدبروا نفقات المعيشة، ثم بدأت بالعزف والغناء لدى الأسر الثرية ثم بالمسارح، وكانت موهوبة قال عنها فريد: منذ استمعت لغناء وعزف أمي وأنا أسبح في هذا البحر الكبير كقطرة!

أحب فريد الغناء منذ صغره ودرس الموسيقى وهو يعمل بنفس الوقت؛ عمل ببيع القماش وتوزيع الإعلانات على البيوت والمحلات، وتعلم العزف على العود وأتقنه وأصبح أفضل عازف له واستحق لقب ملك العود.

حقق ما قاله: الوقت هو أثمن ما في الحياة وأغلى من كنوز الأرض؛ فقد عرف مبكرا مواهبه في الغناء والعزف والتلحين وعمل على تنميتها والإخلاص لفنه، ولم يدخل في معارك تصرفه عن عمله الذي كان يراه سببا للحياة وأنه سيبقى بعد رحيله، واعتبره علاجه الوحيد من أوجاع الحياة، وقال عن اضطراره للعمل وهو صغير إنه كان سعيدا بإعالة أسرته وكان ذلك يمنحه بعضا من الرضا، وشعوره بأنه يتعلم الموسيقى كان يمده بالموسيقى.

أثبت أننا كما نفكر نكون؛ وإن من يرفض سجن نفسه بالشعور بالضحية وبالرثاء للذات يستطيع تحدي الواقع المر وصنع أفضل ما يمكنه والعكس صحيح.

فوجئ بأول حفلة له قبل رفع الستار بدقائق بكسر العود، ولم يكن معه مال ليستقل سيارة أجرة؛ فاستقل الترام وتشاجر مع ركاب وتوقف وتكرر ذلك في رحلة العودة وتأخر، وصدم عندما وجد الناس انصرفوا؛ فبكى.

وبعد سنوات تعمد البعض كسر العود وسارع بشراء غيره، وفي إحدى الحفلات صُدم بانسحاب الفرقة الموسيقية قبل الحفل؛ فقال للجمهور لا أملك إلا عودي وبإمكانكم الانصراف واسترداد أموالكم فبقوا وغنى وهو يعزف على العود. 

حاول إبعاد شقيقته أسمهان عن الفن كثيرا وتعرض لصدمة عنيفة بعد وفاتها إثر حادث مريب، وأصيب بذبحة صدرية وكان شابًا عندئذ وتعاقبت أزماته القلبية وظل الألم النفسي لفقدانها يصاحبه طيلة عمره لشدة ارتباطهما. 

انتصر على سنوات الحرمان؛ ولم يصبح عبدا للمال واشتهر بالكرم الزائد مع الجميع حتى أثناء فقره؛ فاستدان ليدفع إيجار بيت الفنان عبد السلام النابلسي الذي كان مهددا بالطرد؛ كما صرح الأخير في لقاء تليفزيوني.

بلغ كرمه أنه كان يعطي من يتعامل معه ضعف الأجر الذي يستحقه، وكان طيب القلب ويتعامل بتواضع وبتلقائية وبلا أي تكلف ويفتح بيته للجميع، ويساوي بينهم ويعاملهم بنفس المعاملة ولا يفرق بين أصحاب المناصب العليا والبسطاء؛ فيمنحهم نفس الاحترام والاهتمام والتقدير.
 

وروت فنانة أنها دعت فريد لمنزلها ورأته وهو يغادر السيارة من نافذتها ثم تأخر كثيرا قبل الصعود للبيت؛ وكان السبب أن حارس العمارة قال له إنه يحب سماع صوته ولكنه لا يملك المال للذهاب لحفلاته، فما كان منه إلا أن سأله عن الأغنية التي يريد سماعها وما أن عرفها حتى بدأ يغنيها له في الشارع، وتجمع حراس العمارات المجاورة وراح يغني لهم ما يحبون وبرر ذلك أن هذا حق لجمهوره.

قال إنه يخشى الموت قبل أن تسمع الناس ألحانه، وعندما تعرض لأزمة صحية قاسية فكر بإنشاء معهد عربي لتعليم العزف على العود، وأعلن أن الغناء يجهده صحيًا ولكنه يستطيع التلحين لغيره حتى لا تموت ألحانه وهو على قيد الحياة، وكان يرى الواقع كما هو وليس كما يتمنى ليقلل الوجع ويصنع الفرح بالإنجاز.

عرف فريد مبكرا أن المال وسيلة وليس غاية؛ وقال إن المال ليس سببا للسعادة بل الرضا والقناعة، ولكنه مهم للمساعدة في الحياة، فعند المرض كيف سأنفق إن لم يكن معي مال، واقترض لينتج أول أفلامه عام 1947 ونجح فنيًا وماديًا. 

اعتز بمقاومة أسرته للاحتلال الفرنسي رغم فداحة ما تعرضوا له، وكان مهتمًا بالسياسة وداعيًا للوحدة العربية وغنى كثيرا من الأوبريتات التي تغنى للشعوب العربية وغنى لفلسطين وكان داعما بقوة لفلسطين.

لم ينغلق على فنه واهتم بمحيطه العربي، واحترم خصوصية فنه ولم ينزلق لتقليد الغرب وكان يجدد في الألحان بجرأة وقام بتلحين أغان تعد من التراث الموسيقي العربي الحديث، واختيرت بعض مؤلفاته الموسيقية للعزف بالعديد من بلدان العالم وعزفتها أشهر الأوركسترات العالمية ووصل إليها بموسيقاه الشرقية الخالصة، وأثبت أن بإمكان كل إنسان "تجاوز" الوجع وصنع الفرح لنفسه وللآخرين.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
نجلاء محفوظ تكتب: الحب والانتحار

انتحر اليوتيوبر العراقي حمودي المولى (18عاما) لعدم زواجه بمن أحبها؛ شنق نفسه ونشر قبل انتحاره جزءًا من عمل درامي يتحدث عن الموت بسبب الانفصال عن المحبوب وصورة لمقبرة مكتوبًا عليها: نهاية المطاف

نجلاء محفوظ تكتب: دوستويفسكي .. حدوتة التحدي والنجاح

يمثل دوستويفسكي نموذجًا رائعًا لتحدي معوقات النجاح والانتصار عليها؛ ويختزله البعض في رائعته الأخوة كرامازوف أو روايته المبهرة الجريمة والعقاب ، والمؤكد

نجلاء محفوظ تكتب: المطلقة بين "معلش" والانهيار

كتبت مطلقة شابة على منتدى نسائي شهير على الإنترنت تشكو بمرارة مؤلمة أن لا أحد يقول لها معلش بعد طلاقها، وحكت عن معاناتها وكيف تنهار أحيانا أمام طفلتها..

نجلاء محفوظ تكتب: وسائل التواصل "والرغي"

يهرب الكثيرون من الجنسين وبكل الأعمار ومن مختلف أنحاء العالم لوسائل التواصل الاجتماعي للتخلص مما يضايقهم، ولتفريغ العقول مما يجهدها وللفوز بأوقات جيدة

نجلاء محفوظ تكتب: فريد الأطرش .. حكاية الوجع والفرح

في لحظة خُيل لي أن الحياة انتهت، في لحظة ثانية بدت وكأنها تشرق من جديد؛ هل هي ابتسامة الأم وما تفعله في نفس وليدها؟

نجلاء محفوظ تكتب: البنات والطموح المادي

نؤكد احترامنا التام وتقديرنا المتنامي لكل من يحتضن الطموح بثواني عمره وسنواته -من الجنسين- ويزداد التقدير لطموح بنات حواء من كل الأعمار؛ لأنها ستكون

نجلاء محفوظ تكتب: كيف تغير شريك حياتك؟

كانت تصرخ بشدة لغضبها من تصرفات وتفكير خطيبها؛ بذلت جهدا لتفادي امتصاص انفعالاتها الحادة، ولم أفلح.. تماسكت وقلت لها: أخبريني عن مزاياه كما تكلمت -بوضوح

نجلاء محفوظ تكتب: فرويد .. الإنسان والأسطورة

الأسطورة هي ما يتعدى كل تحديات الواقع ويجاوزها وينتصر عليها؛ ويطلق البعض على الناجحين من مشاهير العلماء بأنهم أسطورة لن تتكرر.. لا نقلل أبدا من تميز

نجلاء محفوظ تكتب: تربية الأطفال ونط الحبل

أجبرت أم طفلتها البالغة ثلاثة عشر عامًا على نط الحبل ثلاثة آلاف مرة يوميًا.. أصيبت الطفلة بأضرار صحية فادحة بالمفاصل والنخاع الشوكي، المؤلم أن الأم اختارت

نجلاء محفوظ تكتب: الشباب والبنات وزواج الصالونات

عاد زواج الصالونات أو الزواج التقليدي ليحتل الوسيلة الأكثر قبولا وانتشارا للزواج؛ وتختلف مساحات القبول الحقيقي له من الجنسين وخاصة البنات؛ فتراه نسبة

نجلاء محفوظ تكتب: علامات قرب انهيار الزواج

يفاجأ الكثيرون عند طلاق زوجين بعد زواج لسنوات طوال وقد يتبادلان التشهير والخصومة العنيفة أيضا بعده؛ ولا ينهار مبنى فجأة، فيسبق الانهيار شروخ وتشققات وعلامات

نجلاء محفوظ تكتب: حواء بعد الطلاق

يسارع من يتعرض لأي جرح بتنظيفه وتطهيره وعلاجه حتى لا يزيد ويسبب ألمًا أشد ويترك ندوبًا أو يتحول لمشكلة مزمنة.. هذا ما يغيب عن معظم المطلقات؛ فبدلًا

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة