راديو الاهرام

د. حاتم عبدالمنعم يكتب: الصِدِّيق في عيون العقاد (4 - 4)

17-10-2021 | 11:35

قال أبوبكر الصديق "رضي الله عنه وأرضاه" في أول خطبة له: "الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه" كان ينظر للحق ويعمل لمصلحة الضعفاء، وهم عادة الأغلبية التي لا تملك مالًا أو نفوذًا، وهذا هو مضمون الديمقراطية والحكم والحاكم الصالح؛ بل هذا هو المقياس الصادق للحكم على سلوك أي إنسان من خلال معاملته للضعيف؛ لأنه من الطبيعي أن يحترم الجميع القوي ويهابونه، ولكن المعيار الحقيقي هو معاملة الضعفاء؛ لأنه خال من الرياء والمصالح أو المجاملة أو الخوف، والوقوف مع الضعفاء ليس له سوى معنى واحد؛ أن هذا إنسان قوي لا يخشى إلا الله، هذا الحاكم كان يذهب يوميًا إلى السوق ليعمل، وذات يوم قابله الفاروق فسأله إلى أين؟ فقال الصديق إلى السوق لكي أطعم عيالي، فأشار عليه أن يذهبا معًا إلى أبي عبيدة أمين بيت المال ليفرض له قوته، ففرض له ستة آلاف درهم في السنة، وكان الصديق دائمًا في مساعدة الضعفاء فتعود أن يحلب الغنم للضعفاء رفقا بهم ولمساعدتهم، فانشغل عنهم بعد الخلافة إلى أن سمع يومًا جارية تقول: اليوم لا يوجد من يحلب لنا فتأثر بشدة قائلًا: "بلى لعمري لأحلبنها لكم"، واستمر وهو خليفة في خدمة الضعفاء قولًا وعملًا طوال حياته، ثم مع تكاثر وتزايد أعمال الحكومة انتقل الصديق إلى المدينة، وكان يزاول بعض أعمال التجارة حينما كانت ظروفه تسمح، وقبل وفاته أمر أن يحصي ما أخذه من مال من بيت المال ليرده.

هذا هو الصديق الإنسان والحاكم يميل إلى الرفق والتواضع مع الضعفاء، شديد البأس والقوة في حروب الردة؛ لأخذ الحق من الأقوياء لقد كان الإنسان والحاكم معًا في حياته الخاصة وفي حكمه للدولة، وكان دائمًا يتقصى أخبار الولاة ويسأل عن الرعية هل من شكوى أو غضب، فإذا وجد مظلومًا أنصفه؛ حيث جرى حكمه كله بالرفق والصدق والحزم واليقظة والفطنة تاريخه العظيم والمشرف لهذا الإنسان، وكان الصديق بارًا بوالديه طوال عمره ولم يرتح حتى أسلما؛ حيث طلب من الرسول الدعاء لهما، وقد تزوج الصديق مرتين قبل الإسلام ومرتين بعده، منهن أم رومان وهي أم ولديه عبدالرحمن وعائشة رضي الله عنهما، ومن زوجاته حبيبة بنت خارجة التي مات عنها وهي حامل بأم كلثوم، ومن أبنائه أسماء التي أسلمت مع أبيها، وكانت تخاطر بنفسها لتزويد أبيها والرسول عليه الصلاة والسلام بالطعام في أثناء الهجرة، وكان الصديق طابعه اللين والشدة مع الأبناء، شديد في الحق لدرجة استعداده لقتال ابنه عندما كان ابنه في الجاهلية، ولدرجة أنه همّ واقفًا ليصفع السيدة عائشة بنته في بيتها؛ عندما ردت على رسول الله عليه الصلاة والسلام، لولا تدخل الرسول عليه الصلاة السلام فمنعه عن ذلك، كما حكم على الفاروق صديق عمره عند خلافه مع زوجته المطلقة، وأخذ ابنه عاصمًا فقضى الصديق بعودة الابن لأمه، على الرغم من أن الصديق كان دائمًا يقول: (والله إن عمر لا أحب الناس إليّ)!

وهذا ينقلنا لعلاقة الصديق بالفاروق وعلي، فبعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام كان عمر أول من بايع الصديق، وحث الناس على بيعته، وقال للصديق أنت أفضل مني، ورد الصديق وأنت أقوى مني، فعاد عمر فقال وإن قوتي لك مع فضلك، وكان موقف عمر حاسمًا في تولي الصديق الخلافة، كما يقول عمر ما سبقت أبا بكر إلى خير قط إلا سبقني إليه، وفي نفس المعنى يقول علي: أبوبكر هو السباق والذي نفسه بيده ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقنا إليه أبوبكر، وقال علي بعد وفاة الصديق (كنت كالجبل الذي لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف، كنت كما قال رسولنا عليه الصلاة والسلام ضعيفًا في بدنك قويًا في أمر الله، متواضعًا في نفسك عظيمًا عند الله، جليلًا في الأرض كبيرًا عند المؤمنين، لم يكن لأحد فيك مغمز، ولا لأحد مطمع؛ ولا لمخلوق عندك هوادة؛ الضعيف الذليل عندك قوي عزيز، حتى تأخذ له بحقه؛ والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل، حتى تأخذ منه الحق؛ القريب والبعيد عندك سواء؛ أقرب الناس إليك أطوعهم لله، فلا حرمنا الله أجرك ولا أضلنا بعدك).

ولذلك نجد أن الصديق كان دائمًا أول المقتدين، وعمر ثاني المجتهدين، وبذلك يتكافآن، وكان الاقتداء ضرورة قصوى بعد غياب صاحب الرسالة، ثم كان الاجتهاد ضرورة مع توسع الدولة ودورها، وكلاهما ضروري كل في زمانه ومتغيراته، ويتضح ذلك في عدة مواقف؛ مثل حروب الردة، ومسألة خالد بن الوليد، ومسألة المؤلفة قلوبهم، ففي حروب الردة جنح الصديق إلى الصرامة، وجنح عمر إلى الهوادة، وكانت شدة الصديق اقتداء برسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان رأي عمر تصرفًا، ثم رجع عمر وقبل رأس الصديق اعترافًا بأهمية حروب الردة، وفي مسألة المؤلفة قلوبهم كان الصديق متبعًا لرسوله، وكان عمر متصرفًا مع تغير الظروف وعدم الحاجة إليهم، وبالنسبة لخالد بن الوليد أبى الصديق أن يعزل قائدًا عينه رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورأى عمر أهمية عقاب خالد وضرورته.

والآن نذكر وصف رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام لكليهما؛ حيث يقول عليه الصلاة والسلام (إن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم، ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الكريم، وإن مثلك يا عمر مثل نوح قال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا، ومثلك مثل موسى قال ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم).

وليس للرجلين شهادة أو فخر بعد شهادة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وذكر عن الرسول عليه الصلاة والسلام في أكثر من حديث أن الصديق أحب الناس إلى قلبه، وفي حديث آخر ما أحد أعظم عندي يدًا من أبي بكر؛ واساني بنفسه وماله وأنكحني ابنته، ويقول عمر: أبوبكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام.

هذا هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه وتبقي قضية أخيرة؛ وهي قضية ولاية عمر بن الخطاب؛ حيث ترك الصديق أمرها للمسلمين ليختاروا من يخلفه؛ لكنهم لم يتفقوا كما جاء في رواية الحسن البصري، ورجعوا للصديق يسألونه الرأي فاستقر على خلافة عمر، بعد مشاورة عثمان وعبدالرحمن بن عوف وسعيد بن زيد وأسيد بن الحضير، وسأل علي فقال عمر عند حسن ظنك، ثم كانت البيعة التي أجمع عليها المسلمون.

والآن نعرض مجموعة من أقوال الصديق الشائعة التي أوردها العقاد في نهاية كتبه ومنها الآتي:
- إذا وعظت فأوجز؛ فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضًا 
- أقل من الكلام فإنما لك ما وعي عنك   
- احرص على الموت توهب لك الحياة    
- أصدق الصدق الأمانة وأكذب الكذب الخيانة   
- الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله   

وفي ختام هذه السيرة العطرة - التي بها أو كلها دروس مفيدة للجميع - أعرب عن خالص شكري وتقديري لـ"بوابة الأهرام" والمسئولين بها على إتاحة هذه الفرصة لي، وأود أن أذكر إن كانت هناك فائدة أو خير مما سبق عرضه فى الحلقات الأربعـ فالفضل يرجع للكاتب الكبير "عباس محمود العقاد" رحمة الله عليه؛ لأنه من وجهة نظري أضاف الكثير للثقافة الإسلامية في كتبه، خاصة "العبقريات"، وإذا كان هناك قصور أو جوانب غير واضحة فهذه مسئوليتي؛ حيث حاولت قدر الاستطاعة تلخيص هذا العمل الكبير في صفحات محدودة ومبسطة؛ لكي تناسب العصر وكل الفئات؛ مما استلزم اختصار الكثير، وعدم الإشارة لبعض الموضوعات الأقل أهمية من وجهة نظري؛ مما استلزم أن أضيف بعض الأشياء أو إعطاء كثير من الضوء عليها مثل حديث أبي بكر الصديق عندما تولى الخلافة: "الضعيف فيكم قوي عندي"، وموضوعات أخرى، وعلى من يُرد التفاصيل يرجع للكتاب الأصلي.

وللحديث بقية عن عبقرية الفاروق إن شاء الله، وأكرر شكري لـ"بوابة الأهرام" والقائمين عليها والله الموفق.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة