الرأى

أزمة مُتوارثة

14-10-2021 | 16:17
أزمة مُتوارثةأزمة مُتوارثة

هناك أزمة تُواجه بعض الأشخاص الذين يجدون أنفسهم قد وصلوا إلى مرتبة عالية في وظائفهم أو حياتهم المهنية، وأصبحوا أصحاب القرار، وأصحاب الكلمة الأولى والأخيرة، فهنا أول أمر يتراءى تلقائيًا أمام أعينهم، تلك المُعاناة النفسية والمادية الشديدة التي مرت بهم في بداية حياتهم المهنية، بسبب تحكم أصحاب القرار حينئذٍ فيهم، ورغبتهم في القضاء على طُموحاتهم، والوقوف في طريقهم كحجر عثرة أعاقهم كثيرًا في الوصول إلى أهدافهم بسهولة ويُسْر، ومن هنا يبدأ الصراع يتأجج بداخلهم بشدة بين ما كانوا عليه سابقًا وما أصبحوا عليه حاليًا، وأول شيء يُدركونه جيدًا أنهم أصبحوا الآن هم أصحاب القرار الأول والأخير، لذا يُحاولون تقمص شخصية من سبقوهم، وأحيانًا يكون هذا التقمص بصورة أبشع، ويبدأون في استخدام ذات الوسائل مع مَنْ هم أقل منهم، بل إنهم يستمرؤون هذا السلوك ويجدون فيه لذة غير عادية، وكأنهم يُنفسّون عن أنفسهم، فهم يتعاملون بهذا الأسلوب بُغْية الانتقام من أولئك الذين أضروهم ضررًا بالغًا، أو ربما بُغْية الانتقام من الزمن الذي وضعهم تحت أيدي أشخاص مُعقدين، كانوا لا يجدوا أي لذة تُضاهي لذة الاستمتاع بتعذيب أشخاص في بداية طريقهم.

فللأسف، مُتع الحياة عديدة للغاية، ومنها ما هو إيجابي بحت، وما هو سلبي على الإطلاق، والغريب أن تصنيف الإيجابية والسلبية في تلك الحالة لا يخضع دائمًا للمنطق التام، بل أحيانًا يندرج تحت تأويل صاحب المُتعة ذاته، فهو الذي يُحلل مُتعته كيفما يشاء، وتلك النوعية من البشر تعتبر أن تسليط سيوفها على من لا حول ولا قوة له نوع من أنواع المُتعة، فهم يستمتعون بعذاب الآخرين، ويبحثون عن أي سبب حتى لو كان لا يمت للمنطق بصلة، لكي يُوجدوا مُبررات لعرقلة الآخرين عن استكمال مشوارهم، ولا يُدركون أنهم بهذا الأسلوب يخلقون شخصيات غير سوية في المُستقبل بسبب ما زرعوه بداخلهم من قناعات هدامة، وهي فرْض السيطرة، والتحكم في الآخرين، ووضع القُيود غير المنطقية، وحُكم النفس على النفس، وغيرها من الأمُور التي تُحوّل الإنسان من شخص سوى ومُتوازن نفسيًا وفكريًا إلى شخص لديه خلل في سلوكياته ومُعاملاته الإنسانية والاجتماعية.

وللأسف، هذه السلوكيات تُصبح مُتوارثة مع الزمن، وكأن كل شخص يتعرض لها في الماضي يُحاول تطبيقها بحذافيرها في المستقبل، وكأنه يُفرغ شحنة سلبية عنيفة، ظلت دفينة بداخله لسنوات وسنوات، والغريب في الأمر أنها لا تظهر في الغالب الأعم مع مُعاملاته وتصرفاته طيلة حياته، بل إنها تتفشى وبصورة قوية عندما يصل إلى مُبتغاه وأحلامه، فهنا يُقرر أن يُعيد التاريخ مرة أخرى، ولكي يتنصل من مسئولية تلك السلوكيات أمام ضميره وعقله، فيُبرر ذلك بأنه يلتزم الدقة، ولا يقبل بأي تهاون، وأنه يفعل كل ذلك من أجل الصالح العام، ولكن فيما بينه وبين نفسه يقول: "فلان ليس أفضل مني في شي، لماذا لا يتذوق المرار الذي تذوقته مثلما عانيت أنا في الماضي لابد أن يُعاني هو الآن".

فهل نختلف على أن هؤلاء جُناة ومجني عليهم في ذات الوقت، لأنهم ضحية مخزون نفسي عنيف ظل داخل بُؤرة عُقولهم لسنوات طويلة، ومما لا شك فيه أنه رَسَّبَ انفعالات قوية بداخلهم، ويُقررون تفريغه عندما أتيحت لهم الفرصة، ولكن هذا بالطبع ليس مُبررًا شرعيًا لسلوكياتهم، وإنما هو محض تحليل فقط، لأن الإنسان السوي لابد ألا يُفرغ آلامه في أشخاص أبرياء، لا ذنب لهم فيما حدث له في الماضي، بل الأفضل أن يتخذ قرارًا بأن يسير على عكس اتجاه مَنْ سبقوه، لأن مَنْ ذاق مرارة الظلم لابد أن يُجنب غيره تذوقه، وهذا هو الفارق بين من يبحث عن التعايش في السلام النفسي، وبين من لا يجد نفسه إلا داخل دائرة الصراع الفتاك. فمن حق كل إنسان أن يتعلم من تجاربه، وأن يتصرف وفقًا لمخزون خبراته، ولكن عليه ألا ينسى أن من حق الآخرين ألا يدفعوا فاتورة مُعاناته النفسية والإنسانية مع الغير، وإلا سيتحول في لحظات من ضحية إلى جاني.

ومن الأخلاق أن يُحلل الموقف بأن ما توصل إليه كان منحة إلهية تُلزمه بمساعدة الآخرين، وليس الوقوف في طريقهم، فأي موقف أو موضوع يُمكننا أن نراه من أكثر من زاوية، والشخص السوي المُتوازن يراه من الجوانب التي تضعه في المكانة الأفضل، بل إنه ينظر لما وصل إليه على أنه دواء شافي له من كل الآلام التي مرت به في الماضي، وأنه تعويض من المولى عز وجل، ويُقرر أن يكون إيجابيًا مع كل من حوله، أما من يُفكر بشكل سلبي، فهو يُصرّ أن يستكمل أزمته النفسية إلى ما لا نهاية، ويُصرّ كذلك أن يضع غيره في أزمة ربما تستمر معه إلى ما لا نهاية، فلا هو يستمتع بنعم المولى، ولا يجعل غيره يستمتع بها، ومن هنا تبدأ الأزمات المُتوارثة عبْر الأجيال والأزمنة.

                                                                                                 بقلـــم

د./ داليا مجدي عبد الغني

تابعونا على
اقرأ أيضًا:
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة