راديو الاهرام

د. خالد قنديل يكتب: بعيدًا عن الافتراض .. عودة إلى دفء العائلة

11-10-2021 | 10:40

شهد العالم بمنتصف الأسبوع الماضي تعطلًا بشكل مفاجئ في خدمات تطبيق التراسل الإلكترونية مثل "واتساب" ومنصة التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، ومنصة مشاركة الصور الشهيرة إنستجرام، حتى بدا الأمرُ بالنسبة لملايين على ظهر هذا الكون وأغلبهم من فئة الشباب، كأن الأرض ابتُليت بزلزالٍ قوّض أركانها، أو نالت منها سيول جارفة أتت على الأخضر واليابس، أو أن بركانًا لم تتوقف حممه إلا بعودة تلك الوسائل بعد انقطاع دام لمدة ست ساعات تقريباً، فما الذي حدث خلال الساعات الست تلك؟! وكيف كان حالُ هؤلاء الذين أدمنوا تلقي الإشعارات والرسائل وتعليقات الإعجاب، الذين لم يشعروا أنهم صاروا محاصرين داخل عالم افتراضي أبعدهم عن الآدمين الذين من لحمٍ ودم، وأبعدهم عن واقعهم الفعلي الذي يعيشون جغرافيته ويتنفسون هواءه؟

لعلها كانت فرصةً عظيمة أدرك من خلالها هؤلاء العاشقون للتواصل الافتراضي حجم الفجوة التي لحقت بحياتهم، وحجم هذا الافتراض الذي انتقص من أعمارهم بالانتقاص من أوقاتهم بل من أهم مرحلةٍ من هذا الوقت الذي كان لابد أن يمتلئ بالعلم والتعلم والعمل والقراءة والموسيقى واكتساب الخبرات الحياتية اجتماعيًا وعمليًا، ولعلهم أدركوا هذا التأثير السلبي الذي ينعكس في عزل الناس عن بعضهم البعض، وكيف أن الإفراط في استخدام هذه الوسائل يرتبط باحتمالات الإصابة بالاكتئاب والإدمان، وصولًا إلى انتشار خطابات الكراهية والأخبار المزيفة والمراقبة الدقيقة، وفقدان الخصوصية.

لماذا إذًا لا نخوض تجربة الغلق ونجرب الابتعاد من تلقاء أنفسنا، أو إحداث نوعٍ من التوازن لإنقاذ الوقت ولحظات العمر التي تتسرب من بين أيدينا ونحن جالسون نتصفح مواقع التواصل الاجتماعي بلا هدف أو وجهة محددة، وهناك بالفعل من أقدم على تجربة الاستغناء عن مواقع التواصل، وأكدوا أن هذا الغلق مكنهم من تحقيق إنجازات كبيرة في حياتهم لأنه وفر الكثير من الوقت، ربما يمر الوقت في اليوم الأول بطيئا، وتشعر أنك منعزل عن العالم، وتعاني أعراض الانسحاب لافتقادك تواصلًا افتراضيا، تشعر معه أنك غادرت أواصر الحياة، أو ينتابك شعور غريب، لأنك سوف تبتسم بملامح وجهك الحقيقي، وليس برموز إلكترونية ترسلها ووجهك جامد الملامح، قد تراودك أفكار بترك هذا التحدي والعود مرة أخرى لتصفح المواقع، لكن لا تلتفت، وامضِ قدمًا بإصرار وعزم في تحديك، لتحصد بعدها نتائج مذهلةً بالاستيقاظ الباكر في الصباح التالي لأنك نمت مبكرا، ستتناول إفطارك مع شروق الشمس وصوت الطيور البديع، قطعا سيكون صباحًا مختلفا، تفكر فيه عن بديل للتواصل الافتراضي مع الأهل والأصدقاء، ستعودُ إلى حضن أمك ودفء حكاياتها ودعائها النوراني الذي يمثل وقود حياتك، ستشعر بسلام الأيام القادمة، ستكتشف من جديد حب زوجتك ودفء لمسة يديها وابتسامة أبنائك، ولمة العائلة مع إخوتك فيما يستعيد ذكريات الطفولة الجميلة التي تنسينا مشاكل الحياة ووتيرتها السريعة التي خلقتها الفرقة والابتعاد عن كل هذا الدفء وهذا الجمال الاجتماعي. 

هناك بالفعل من اختار أن يخوض تجربة الاستغناء عن استخدام مواقع التواصل الافتراضي، لفترات طويلة، وهناك من أغلقوا حساباتهم مؤقتًا أو للأبد، فوجدوا أن حافظوا على صحتهم النفسية والعقلية، وسافروا داخل أرواحهم وتأملوا الكون الذي اقتربوا منه بعد فرقة وجفاء،  نظروا إلى ماضيهم وقيموه، فكروا في أحلامهم وأهدافهم المستقبلية بشكل أفضل.

 عليك وأنت تطالعُ هذه السطور أن تفكر مجددًا، بالبدء في تأمل واقعة الانقطاع التي حدثت لوسائل التواصل، فماذا لو تكررت أو انقطعت تلك الوسائل نهائيا، لمَ لا تكون صاحب الخطوة، مقداما في الابتعاد والتوازن، لكي تدرك أن العلاقات الإنسانية الحقيقة هي تلك التي تتفاعل فيها، وتتمكن من تحديد أهدافك، وتقيم نجاحاتك وإخفاقاتك، وتقترب من نفسك أكثر لتعرفها من جديد بعد إتاحة الفرصة للتأمل والسفر داخلها، وتمارس الرياضة والقراءة وتذهب للسينما وتمارس هواياتك القديمة التي طالما أجلتها لأنك لم تجد الوقت الكافي لممارستها، والأهم أن تقترب من عائلتك وتشعر معها بالدفء الروحي، وأنت تتناول معهم وجبة طعام دون أن تلصق وجهك في شاشة هاتفك المحمول، بعيدا عن أجواء الافتراض الجامدة والباردة، لتعرف من جديد قيمة العلاقات الإنسانية وتكتشف روحك التي كانت بعيدة عنك.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة