ذاكرة التاريخ

أسس أول دولة علوية فى المغرب الأقصي.. كيف نجي إدريس الأول من سيوف العباسيين فى معركة فخ؟ | صور

9-10-2021 | 14:56
أسس أول دولة علوية فى المغرب الأقصي كيف نجي إدريس الأول من سيوف العباسيين فى معركة فخ؟ | صورجامعة القرويين أحد أهممعالم مدينة فاس حاضرة دولة الأدارسة
Advertisements
محمود الدسوقى

ينتشر الأدارسة فى عدد من الدول العربية من بينها مصر فى عصرنا الحالى، وقد تناولت كتب التاريخ سيرة جد الأدارسة، إدريس بن عبدالله الملقب بإدريس الأول، الذى استطاع الهروب للمغرب وتكوين دولة بأنه كان الناجى من معركة "فخ" بالقرب من مكة المكرمة، تلك المذبحة التى أحدثها العباسيون بآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهى المعركة التى أوقعت الكثير من الضحايا من ذرية آل بيت رسول الله صلى اله عليه وسلم .

وصدر عن منشورات الفنار كتاب "النسب الإدريسي في كتابات قدماء علماء الإسلام ونقاشات حول تراث دولة الأدارسة" لمؤلفيه الكاتب المصري الدكتور عمر محمد الشريف، والكاتب المغربي الدكتور مولاي الحسن الأزهري. وتناول الكتاب الذى تنشر "بوابة الأهرام" مقتطفات منه تراث دولة الأدراسة وتاريخهم، وكذلك الحفريات الأثرية التى أظهرت الكثير من حضارتهم القديمة فى بلاد المغرب، بالإضافة لنسبهم الشريف، ومرويات المؤرخين عنهم.

كان لاستبداد العباسيين بالحكم دون العلويين دور في اشتعال عدد من الثورات سعت لتقديم الحسنيين، "ذرية الحسن بن على" ، لا سيما من ذرية عبد الله الكامل بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، بالخلافة، حيث اعتبرهم فريق من العلماء وكثير من عوام المسلمين أحق بها من حلفائهم فيما مضى- آل العباس- باعتبار درجة قرابة العلويين لرسول الله (صلى الله علي وسلم) واتصاف بني عبد الله الكامل بشروط الإمامة و الأهلية للحكم والخلافة من العباسيين أنفسهم، الذين كانوا يمدون لهم بصلة قربى أيضا .

وكان من نتائج تلك الثورات أن قُتل محمد بن عبد الله الكامل (الملقب بالنفس الزكية) سنة 145هـ قرب المدينة، من قبل جيش عيسى بن موسى العباسي أمير جيش أبي جعفر المنصور، وقُتل شقيقه إبراهيم بعد خروجه بالبصرة، ثم كان قتل آل عبد الله المحض في سجنهم في مشهد أليم، فما كان للعلويين أن ينسوا ما تعرضوا إليه من ظلم و تنكيل، وظلوا يتحينون الفرصة لمعاودة الخروج على حكم بني العباس والمطالبة بحقهم في الحكم رافعين راية الإصلاح لأمة جدهم صلى الله عليه و سلم، وما هي إلا عقدان ونيف حتى قامت موقعة أخرى في فخ بين العلويين بزعامة الحسين بن علي بن الحسن المثلث الحسني من جهة، وجيش موسى الهادي العباسي من جهة أخرى.

لم تختلف نتيجة هذه الثورة عما سبقها، حيث قُتل أمير العلويين الحسين بن علي بن الحسن المثلث الحسني مع عدد كبير من كبراء آل البيت، منهم سليمان بن عبد الله الكامل.

أما إدريس ويحيى ابنا عبد الله الكامل فنجيا من القتل، وتوجه كل منهما صوب طرف من أطراف دولة الخلافة، فأما يحيى فقصد بلاد الديلم ودعا لنفسه بالخلافة وكثر أتباعه ثم انتهى عن ذلك وعاد للطاعة بعد أمان من الرشيد الذي استجلبه إلى بغداد وأكرمه ثم ما لبث أن أخلف أمانه وحبسه.

وأما إدريس فقصد مصر ثم توجه صوب المغرب الأقصى وأسس دولة الادارسة، وتعتبر سلالة الأشراف الأدارسة أحد أهم مكونات المجتمع المغربي عبر العصور. ومنذ أن لجأ إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب إلى المغرب إثر انهزام العلويين في معركة فخ امتزجت سلالته بمكونات المجتمع المغربي، ووجدت في أهل المغرب من الأمازيغ العدد والعُدة ومقوم النصرة التي منعتها من مكائد العباسيين والأغالبة ومن سار على دربهم من أعداء العلويين.

وقد اهتم الكثير من المؤرخين عبر العصور بسرد جوانب من تاريخهم والتصنيف في أنسابهم وذكر مآثرهم. إلا أن الروايات التاريخية كانت في كثير من الأحيان مختصرة لم توفي بعض الأحداث حقها من التدويين، فظلت كتابات المؤرخين قاصرة عن تفسير تلك الأحداث في ظل نقص الروايات التاريخية.

وفي عصرنا الحالي، مكن التطور المعلوماتي و الرقمي من الوصول إلى مصادر قديمة تم تجميعها والتعامل مع نصوصها ومقارنتها بالاكتشافات الأركيولوجية. والموجود في التراث المادي للأشراف الأدارسة ، وفي كتاب "النسب الإدريسي"، تم الاعتماد على التراث المادي بالموازنات مع النص التاريخي لتوضح ما خفي في الروايات وتصحح الأخطاء الشائعة عند الباحثين. واستطاع المؤلفان استنباط العديد من النتائج التي من شأنها أن تثري البحث التاريخي الخاص بالأدارسة.

على سبيل المثال، تقول أغلب المصادر المكتوبة أن الأمير عيسى بن إدريس بن المولى إدريس الأول، نفي عن أعماله بعد انهزامه أمام أخيه عمر بن إدريس، بأمر من أخيه الأمير محمد بن إدريس حاكم فاس، خلال معركة وقعت في بداية حكم هذا الأخير.

وبالرجوع للمسكوكات المتوفرة يتبين أن هذه الرواية تناقض الأدلة المادية الصريحة، التي تفيد استمرار حكم الأمير عيسى بن إدريس لما يزيد عن ثلاثة عقود، حيث تلقب بالمنتصر بالله، دلالة على استقلاله عن حاكم فاس، وأما الأمير محمد بن إدريس الملقب بالمنتصر بالله فقد وجدت عملات مضروبة باسمه انطلاقا من سنة 216هـ إلى سنة 232هـ، مما يوحي أن السكة ظلت تضرب باسمه حتى بعد وفاته سنة 221هـ كما نصت على ذلك أغلب الروايات التاريخية.

واستنادا إلى ما عثر عليها بمسجد القرويين بفاس أثناء إجراء بحث أركيولوجي خلال القرن الماضي مكتوب عليها أن هذا المسجد تم بناؤه من طرف الأمير داود بن إدريس أمير فاس. ويستنتج من هذا النقش الأثري أن الكتابات التي أرخت للأسرة الإدريسية جاءت برواية مخالفة تقول إن من بنى هذا المسجد هي السيدة فاطمة الفهرية، باستثناء ما جاء به صاحب كتاب مختصر البيان الذي قال بأن مسجد القرويين بناه الأمير إدريس بن إدريس بمساهمة من فاطمة الفهرية، وهذه الرواية تعتبر الأقرب لمدلول النقش المذكور، مع تعرضها لشيء من التحريف، علما أن الأمير داود بن إدريس حكم فاس ومناطق أخرى بالمغرب لما يزيد عن أربعين سنة، وتلقب أيضا بالمنتصر بالله.

وتوجد له مسكوكة مضروبة بـ "واطيل" في العقد الثالث من المائة الثالثة، وقد لعب هذا الأمير أدوارا بارزة في حكم الأسرة الإدريسية. في هذا الكتاب اهتمام بإبراز الجانب العمراني والحضاري للأدارسة، وكان هذا انطلاقاً من عدة محاور تناول أحدها سرد أهم المدن التي أنشأها الأدارسة أو ازدهرت في عهدهم، لا سيما تلك التي ورد ذكرها في مختلف العملات. على رأسهم مدينة فاس العريقة عاصمة الدولة التي أسست في العهد الإدريسي.

وقد تطرق المؤلفان للحفريات والدراسات التي اهتمت بالمدن الإدريسية مع نقل جانب من الرواية الشفوية الخاصة ببعض المدن، مثل ما يتعلق بقبر محمد بن عبد الله في تمدولت.

وانتقل المؤلفان إلى القلاع والمدن التي أنشئت فيما بعد في وقت ضعف الأدارسة، ووضحا أنها إنما أنشئت في أماكن جغرافية يصعب اختراقها، لظروف الجهاد والدفاع عن النفس.

من تلك القلاع ما اندثر ، مثل قلعة حجر النسر ومدينة جوطة، ومنها ما لا زال قائمًا إلى اليوم مثل مدينة عين الفطر- معقل الأشراف، كما نقلا جانبا من الأبحاث الأركيولوجية رابطين نتائجها بالمعلوم من النص التاريخي. ويوضح الكتاب، إن أحد أهم محاور هذا التأليف، هو الذي اعتنى بجمع ما يتعلق بنسب إدريس الثاني وقصة ولادته وكذا استشهاد أبيه، حيث تحروا نشر المصادر التاريخية القديمة -المهتمة برواية هذه الأحداث- لا سيما التي ألفها المعاصرون لإدريس الثاني وبنيه.

وتفيد تلك الروايات، والتي نقل بعضها من حضر تلك الوقائع كمثل العلامة داود بن القاسم الجعفري أن إدريس الثاني ولد بعد مقتل أبيه بما لا يتعدى الأربعة أشهر، إلا أن هناك رواية قديمة شاذة تقول بأن إدريس الأول مات بعد أن عهد لابنه إدريس الثاني بالإمامة.

تناول الكتاب رؤيية المؤرخين القدامى الذين ينتمون إلى مشارب فقهية متعددة وقد اختلفت مواطنهم الجغرافية وتخصصاتهم العلمية، من مؤرخين، وإخباريين، وفقهاء، ومحدثين، وتوجهاتهم العقدية من أهل سنة، ومعتزلة، وشيعة، وقد أجمعوا على علو نسب إدريس بن إدريس في آل البيت، وأنه من أصح الأنساب الشريفة وأوضحها. وسيجد القارئ في هذا التأليف روايات لعلماء من بلاط أعداء الادارسة العباسيين، وروايات لمن شهد مقتل إدريس الأول أو ولادة إدريس الثاني، فقام المؤلفان بمقارنتها والترجيح بينها وخلصوا لنتائج مفيدة للباحث في تاريخ الأدارسة وتراثهم وآثارهم.

وقد فتح المؤلفان أبوابا جديدة للبحث في هذا التراث وانفردوا بروايات تبين مواضع تفرق الأدارسة بعد سقوط عاصمتهم (فاس) ، وكيف ظلت فئات منهم مأثرة في وسطها الجغرافي بحيث انتقلت من مقام الإمارة والحكم إلى الدعوة والتعليم. 


كتاب النسب الإدريسيكتاب النسب الإدريسي
اقرأ أيضًا:
Advertisements
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة