آراء

عبدالسلام فاروق يكتب: صراع الباسيفيك .. ما وراء الكواليس

9-10-2021 | 13:07

اتضح أننا لا نعرف إلا أقل القليل؛ فبعد أن ظهرت وثائق "ويكليكس" ومن بعدها منذ أيام وثائق "باندورا" تأكد لنا أن عالم السياسة غارق حتى النخاع في مستنقع أسرار بعيد الغور!

فرنسا نفسها اعترفت أنها جهلت الحقيقة وتعرضت للخديعة من أقرب حلفائها، وأنها لم تتوقع أبدًا أن تقع ضحية طعنة مزدوجة من حليفين كأمريكا وأستراليا، وغريم تاريخي كبريطانيا.

حتى فرنسا،الدولة الأوروبية الكبرى، لم تكن تدري ما يحاك لها في الخفاء من أقرب أصدقائها!
اتضح أن الكثير أمسى يُدبَّر في الظلام وأن القادم أكثر..

إن أزمة الغواصات الفرنسية، ثم التحالفات الأمريكية الناشئة في أعقابها: تحالف "أوكوس" وتحالف "كواد" أشياء فسرتها فرنسا على أنها بداية لحرب باردة طويلة موجهة ضد الصين.

وما إن قيلت الكلمة المحرمة حتى شهدنا حدوث متوالية من الأحداث المدهشة كانتهاء أزمة هواوي، وانفجار أزمة إيفرجراند للعقارات الصينية، ثم الانقطاع المفاجئ لموقع فيسبوك ومعه مواقع أخرى.. فهل بدأت الحرب مبكرًا؟ وماذا يخبئ المستقبل للعالم من مفاجآت؟

حرب باردة أم نووية؟
بإعلانه للتحالف مع أستراليا فإن بايدن لم يفعل أكثر من استكمال مسيرة بدأها من قبله أوباما ثم ترامب من بعده، ما يبدو كأنه مخطط قديم متكامل من تصميم البنتاجون وتنفيذ البيت الأبيض..

البداية كانت في نوفمبر 2011 عندما كتبت هيلاي كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية وقتذاك مقالًا في دورية السياسة الخارجية كان يُعَد كأول إعلان رسمي لتحول سياسة أمريكا نحو آسيا، وهو ما تبلور لاحقًا فيما عُرف بمحور الارتكاز الآسيوي أو إعادة التوازن "Rebalance". وانتهجت أمريكا لتنفيذ تلك السياسة ما أطلقت عليه هيلاري كلينتون اسم ديبلوماسية الانتشار للأمام والتي تعتمد على حصار الصين دبلوماسيًا من خلال مبادرات اقتصادية كاتفاقية شراكة المحيط الهادى (TPP) مع نحو 11 دولة آسيوية واتفاقية التجارة الحرة التي أبرمتها أمريكا مع كوريا الجنوبية في 2012. 

غير أن أهم مكونات ذلك المنهج هو المكون الأمني والعسكري؛ حيث ذكر توم دونيلون مستشار الأمن القومي الأمريكي عام 2013 أن هدف أمريكا هو "أن 60% من أسطول البحرية الأمريكية سيتركز في منطقة المحيط الهادي بحلول عام 2020، وسيعمل البنتاجون على إعطاء الأولوية لقيادة المحيط الهادي بالنسبة لمعظم القدرات العسكرية الأمريكية الحديثة، بما في ذلك الغواصات والمقاتلات من الجيل الخامس، فضلًا عن العمل مع الحلفاء لإحراز تقدم سريع في نشر أنظمة الدفاع الصاروخي والرادار"..وهو ما حدث اليوم فعلًا..

الأمر إذن قديم ومدروس.. وما حدث في عهد ترامب من تدهور حاد في العلاقات الأمريكية - الصينية على إثر الحرب التجارية التي أعلنتها إدارة ترامب ضد الصين كان جزءًا من خطة مدروسة. وما كانت الهجمة السيبرانية الصينية الحادثة في نهايات عهد ترامب ضد أمريكا سوى ردة فعل لحرب باردة غير معلنة..

ثم جاءت المرحلة الثانية للخطة الأمنية الأمريكية.. مرحلة الانسحاب وإعادة التموضع.. لقد بدأت تلك المرحلة بقرار بدا غريبًا وقتها بسحب الجنود الأمريكيين من ألمانيا في عهد ترامب.. ثم إذا ببايدن ينفذ قرارًا عاجلًا بالانسحاب من أفغانستان سبقه تخفيض لأعداد الجنود الأمريكيين بالعراق. وما لبثنا إلا أسابيع قليلة حتى حدثت أزمة الغواصات وأعلنت أمريكا قيام حلفها الثلاثي المصغر"AUKUS" الذي يرمز للحروف الأولي للدول الثلاث.

لقد كان الهدف النهائي أن تترك أمريكا شوكة في خاصرة الصين اسمها أفغانستان، في نفس الوقت الذي تحاصرها فيه بصفقة تسليح نووية تدخل فيه أستراليا كنقطة ارتكاز جديدة للأسطول الأمريكي في منطقة الباسيفيك، غير أن الصين فوتت عليها الفرصة، فاحتوت أفغانستان وأدخلت إيران عضوًا في منظمة شانغهاى. وبدا أن التحالفات المضادة تعمل هي الأخري على قدم وساق..

علاقات تنهار.. وتحالفات تقوم
كان غريبًا علينا أن نرى كيف باعت أمريكا حليفتها فرنسا وألقت بها على طول ذراعها! لماذا؟
ليست فرنسا وحدها بل هناك نيوزيلاندا أيضًا، ولها قصة..

ففي أواخر الأربعينيات وقَّعت أمريكا مع بريطانيا اتفاقية تعد من أهم الاتفاقيات في ذلك الوقت سُميت باتفاقية "يوكوزا" ضمت خمس دول فيما عُرف بتحالف العيون الخمس: (كندا واستراليا ونيوزيلندا) بالإضافة للدولتين الكبيرتين. وباتت تلك الدول الثلاث مرتكزات تستغلها أمريكا لخدمة أنظمة تجسس واسعة النطاق تدار من خلال شبكة أقمار صناعية تحيط بالجهات الأربعة.. إلا أن الرفض النيوزيلندي للانتشار النووي جعلها تسقط من حسابات أمريكا في الحلف الجديد، وربما رأت نيوزيلندا أنها تُستغل من جانب أمريكا دون استفادة حقيقية أو دعم يوازي خدماتها.

ثم إن تحالف "كواد" الذي جمع أمريكا باليابان والهند وكوريا الجنوبية جاء ليمثل استكمالًا لتحالف "أوكوس"، وكلمة السر في هذا التحالف الجديد "أستراليا".. إنها الحصان الأسود الذي تراهن عليه أمريكا في حربها الباردة القادمة ضد الصين.. فإذا كانت أستراليا تعتمد في وارداتها على الصين بشكل أساسي، وإذا كانت فرنسا على علاقة جيدة بالصين، فإن الصفقة الأمريكية تجعل من أستراليا قوة نووية تهدد الصين بشكل مباشر.. فهل ستظل الحرب بين الصين وأمريكا باردة، أم قد تتحول يومًا إلى حرب نووية؟

جبابرة المحيط
أزمة الغواصات الفرنسية التي خسرت فرنسا جراءها نحو 65 مليار يورو لم تكن إلا قمة جبل الثلج التي أشارت للعالم أن سفح جبل الأسرار أعمق بكثير مما كنا نتصور..

الحق أن أمريكا تعمل لهذا اليوم منذ سنوات طويلة، حيث سعت أمريكا للسيطرة على منطقة الباسيفيك لتأمين حركة الملاحة والطريق التجاري في هذا القوس الأكبر الذي يضم المحيطين الهادي والهندي بدءًا من الغرب الأمريكي، وقد بدأ السعي الأمريكي بالسيطرة على جزيرة "غوام" التي طالما نشبت حولها الصراعات لقربها الشديد من كوريا الشمالية، وتمثل أهم قواعد أمريكا في تلك المنطقة الواقعة بين جزر هاواي والفلبين، ثم القاعدة الجوية الأمريكية التي تم إنشاؤها مؤخرًا في جزيرة "تينيان" بعد توقيع عقد إيجار بقيمة 22 مليون دولار لمدة 40 عامًا مع حكومة كومنولث جزر ماريانا الشمالية، حلف أمريكا وأستراليا لم يكن إلا تتويجًا لخطة مستمرة منذ زمن لإعادة التوازن في منطقة الباسيفيك التي يبدو أنها ستغدو مسرحًا لصراع يطول بين التنين الصيني والنسر الأمريكي.

فلماذا تكبدت أمريكا مشقة تلك الرحلة الطويلة منذ أوباما حتى اليوم؟ وما الهدف الحقيقي وراء كل تلك الخطوات؟ هل هو مجرد تعطيل النمو الصيني كما تدعي أمريكا؟ أم تأمين الطرق التجارية كما تقول بريطانيا؟ أم أن الهدف دفاعي ليس إلا..؟!

التسليح النووي في صفقة التحالف الأمريكي الأسترالي لا يشي بحسن النوايا، والحرب الباردة التي بدأت بمناوشات سيبرانية ومعارك تجارية وألاعيب مخابراتية قد تتحول يومًا إلى حرب ساخنة تلتهب في عرض المحيط، فهل سيكون النصر من نصيب أمريكا؟

فوز بطعم الهزيمة
الحق أن الحرب إذا قامت فلا فائز هناك بل خسائر تطال الجميع.. إن العالم لم يحتمل مجرد انقطاع مؤقت لموقع فيسبوك لمدة 6 ساعات، والخسائر الاقتصادية لأزمة بسيطة مثل هذه كانت أشد فداحة مما توقعنا، فما بالنا بحرب سيبرانية واسعة النطاق؟ أو حرب نووية تشل مسار الطرق التجارية عبر المحيطات؟ 

هل العالم اليوم لديه الاستعداد أو القدرة على تحمل تداعيات حرب كبرى، بعد أن رزح طيلة عامين كاملين تحت عبء اقتصادي هائل جراء الوباء؟

إن الفوز الذي تنشده أمريكا على الصين طمعًا في مزيد من النفوذ ليس إلا خسارة فادحة لعالم بات منهكًا من كثرة الأزمات والحروب والكوارث. إنه فوز بعيد المنال.

[email protected]

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
عبدالسلام فاروق يكتب: مواكب مصر الساطعة

شاهدتُ احتفالية طريق الكباش فيمن شاهدها، وانبهرت كما انبهروا، لكنني تساءلت بيني وبين نفسي كغير المصدق: أنحن في مصر حقًا؟ لو كان هذا حقيقيًا فلابد أننا في مصر المستقبل لا مصر الحاضر

عبد السلام فاروق يكتب: "قصر العثمانلي" .. يتحدى زواره!

تأتيني دائمًا أعمال كثيرة لمؤلفيها من الروائيين والمسرحيين والشعراء فلا تستوقفني كثيرًا ربما لأني ذي مزاج خاص في الكتب وقد يستوقفني عنوان أو صورة غلاف،

عبد السلام فاروق يكتب: العرب والغرب والثقافة

العرب هم الأقدم والأكثر عراقة ورسوخًا، تاريخيًا، من الغرب.. سبَقونا نعم، في التكنولوجيا والتقنيات والصناعات والفنون والآداب، لكن اللحاق بالركب ممكن، لا

عبدالسلام فاروق يكتب: تكنولوجيا الاقتصاد الأخضر!!

الابتكار الذي نحن بصدد الحديث عنه اليوم عبارة عن آلة ذات منظومة متعددة المهام تخدم عددًا كبيرًا من الأغراض التي تمس قطاعات كبيرة وحيوية كالري والزراعة

عبدالسلام فاروق يكتب: مستقبل الصحافة!

دعونا نتفق أولاً أن الصحافة الورقية تمر بأزمة كبرى وأن هذه الأزمة عالمية واسعة النطاق، لا ينبغي أن ندفن رؤوسنا في الرمال فندّعي أن الأزمة لا وجود لها، ولا أن نبالغ فنقول: إنها أزمة بلا حلّ

عبد السلام فاروق يكتب: "وزير أبي الهول".. يسرد قصته في ربع قرن

قرأت كتابًا مهمًا أعادني لفترة التسعينيات.. حين كنت أبدأ خطواتي الأولى في مؤسسة الأهرام، الكتاب يمثل سيرة ذاتية لأحد أهم رموز الثقافة المصرية على مدى 25 سنة كاملة

عبدالسلام فاروق يكتب: سر الصنعة

يقال إن السعادة هي مقياس حضاري، وإن الدول المتحضرة دول سعيدة والسبب هو الوفرة والغنى والثروة، أما الناس في دول العالم الثالث فهي تبحث عن رغيف الخبز والكساء

عبدالسلام فاروق يكتب: بين الشهابين

عرف التراث المصري مؤرخًا شهيرًا هو (شهاب الدين أحمد بن عبدالوهاب النويري)، من قرية النويرة ببني سويف، وهو صاحب موسوعة (نهاية الأرب في فنون الأدب) في نحو

عبد السلام فاروق يكتب: أيام المجد والنصر

كم هي رائعة ذكري أيام المجد.. تراودني ذات المشاعر كلما هلت ذكريات البطولة والبسالة والنصر 6 أكتوبر 73، ذلك اليوم الذي اختلط فيه مسك الشهداء بدماء الأعداء،

عبدالسلام فاروق يكتب: الثقافة ألغاز وأحاجي

ينتابني الفضول كثيرًا حول ما يحدث اليوم في أروقة العمل الثقافي في صورته الكبرى والعامة حتى يدفعني الفضول لتساؤل خبيث: ماذا لو أن مؤسسات الثقافة والنخبة

عبدالسلام فاروق يكتب: الماء صديقي

شجرة الأسئلة لم تتوقف يوما عن الإنبات وقد تغطت بغمامة خضراء من علامات الاستفهام منذ أن قيلت العبارة الشهيرة على لسان سياسي أمريكي مخضرم : أن حروب المستقبل هى حروب مياه

عبدالسلام فاروق يكتب: أهلًا بالعاصمة الذكية

هنا العبقرية والجمال والراحة والروائح العطرة والمناظر الخلابة والأبراج الشاهقة والحدائق والأنهار والأنوار كأنها الجنة. إنها مصر جديدة، وعاصمة جديدة كل

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة