آراء

محمد الشاذلي يكتب: "..وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ"

10-10-2021 | 11:10

كم كان قرارا متشنجا وعصبيا بتجميد مقعد سوريا في مجلس جامعة الدول العربية، بينما استمرت سوريا تشغل مقعدها في الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة. 

والعصبية في القرار الذي اتخذ في ظل السيولة السياسية في العالم العربي إثر موجات الربيع التي لم تعرف كيف وأين تضرب، أنه جاء بعد تهديد بقبول "مبادرة" عربية تفضي إلى تنحي الرئيس بشار الأسد مسايرة لموجات التنحي السائدة، وأن يكون ذلك في غضون ثلاثة أشهر، أو تجميد العضوية. 

كان ذلك القرار العربي في منتصف نوفمبر 2011، وتبعه قيام دول عربية بقطع العلاقات الدبلوماسية وكافة أشكال العلاقات الأخرى مع دمشق، للضغط على "النظام" السوري، ومن بينها القاهرة، التي لم تبق أبدًا على أي قرار للرئيس المعزول محمد مرسي، سوى هذا القرار المعيب، والذي لم تستشر فيه وزارة الخارجية. وأتذكر الكاميرا على وجه الوزير محمد كامل عمرو في ذلك الصيف البعيد من عام 2013، وهو يستمع مثلنا لقرار قطع العلاقات..  

لكن القاهرة لم تذهب بعيدا في عداء دمشق، وجمعت المعارضة السورية من الداخل والخارج واستمعت للجميع، كما أن السوريين في مصر يعاملون كمواطنين في بلدهم، وهذه حقيقة نلمسها جميعا. كل ما طلبته القاهرة هو عدم انغماس السوريين في الشأن السياسي المصري. ومن رأي منهم أنه لا يستطيع تنفيذ هذه الرغبة لإدخاره أشواق وشواغل إخوانية، أو يتشاطر خطط مع دول لزعزعة الاستقرار في مصر، غادر آمنا إلى الخارج. 

ونرى مقاربة مصرية جديدة مع الملف السوري ولا يمكن، في هذا الإطار، إغفال لقاء وزير الخارجية المصري سامح شكري مع نظيره السوري فيصل المقداد قبل أسبوعين في مقر البعثة المصرية في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. 

وكان الحوار صريحا كما كشف شكري في موسكو أخيرا، وأكد فيه أن مصر راغبة في أن تكون "فاعلة في معاونة سورية على الخروج من هذه الأزمة واستعادة موقعها ومكانتها في إطار الأمن القومي العربي".

ولقاء الوزيرين الأول من نوعه منذ عشر سنوات ليس هينا أو مجاملة دبلوماسية في غير موضعها، وهو بتعبير شكري "جولة أولى" وبالتالي نتوقع جولة ثانية حاسمة تعيد العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة ودمشق، بعد أن أعادت دول عربية مثل الإمارات والبحرين وسلطنة عمان فتح سفاراتها في عاصمة الأمويين.

كما ترتفع المؤشرات بشأن موقف الأردن التي استضافت قبل أيام اجتماع وزراء الطاقة في مصر ولبنان وسوريا لبحث إمداد لبنان بالطاقة الكهربائية عبر سوريا. 

وفي شهر يوليو الماضي وعقب لقاء مع الرئيس الأمريكي بايدن في البيت الأبيض قال الملك الأردني عبد الله الثاني لشبكة CNN : "علينا أن نكون ناضجين.. بشار الأسد باقٍ ويجب التفكير في طريقة الحوار معه.. هل نريد تغييراً في النظام أم تغييراً في السلوك؟ لكن الإبقاء على الوضع القائم... يدفع ثمنه الشعب السوري".

هنا لابد أن تكون مصر حاضرة لا لتلحق بركب العودة إلى دمشق ولكن لتقود التحركات من أجل عودة سوريا إلى حاضنتها العربية، فبعد سنوات من العداء مع حكام دمشق فإن الأمر في حاجة إلى توافق واضح، وإلى اتفاق على أهمية عودة سوريا وحجم الفرص والمكتسبات التي يمكن لهذه العودة أن توفره للشعب السوري نفسه، إذ لم يوفر تغييب سوريا عن المشهد العربي سوى مزيد من المعاناة وصم الآذان عن سماع وجهة نظر دمشق ومناقشتها والتخلي مع سبق الإصرار والترصد عن الدور العربي في سوريا. 

أما المعارضة السورية في الخارج فتعارض خطوات التقارب مع "نظام" الأسد، وتسميها إعادة "تطبيع العلاقات" بكل ما تحمله كلمة "تطبيع" من انعكاسات بغيضة ومخلفات تاريخية مع اسرائيل. ولا تظن المعارضة أن أحدا سوف يستفيد من هذه العودة سوى الأسد نفسه. وهذه وجهة نظر لها اعتبارها، لأن هناك وجهة نظر مضادة ترى في العودة فائدة للشعب السوري الذي يعاني الأزمات أضعاف مضاعفة، وأنه ربما يفتح النقاش مع "نظام" الأسد الأجواء ويحسن المناخ العام في البلاد.. فالقطيعة وقد كانت كاملة والحصار وقد كان شاملا لم يحققا أي شيء لا للشعب ولا للمعارضة. 

وكانت المحصلة عدم احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها وبدء خطط تقسيمها، ولم يتحقق سوى معاناة الشعب السوري، وتحول قطاعات واسعة إلى طوابير لاجئين، وإلى ملف ساخن على مائدة الاتجار بالبشر، وإلى أوراق ضغط في إيدي دول وإمبراطوريات، وما نتج عنها من سيطرة جماعات إرهابية على بعض المناطق بسوريا، ومعاناة النازحين في ظل صعوبة الوضع الاقتصادي، وتجنيد عواصم في الجوار لسوريين كمرتزقة تدور بهم في مناطق النزاعات داخل وخارج سوريا. كل ذلك يدمي القلب، حتى لنحتاج ما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي "ودمعٌ لا يكفكف يا دمشق" احتجاجا علي القصف الفرنسي لدمشق عام 1926.

ربما يكون الوقت في صالح عودة سوريا إذا ارادت الدول العربية البدء في سياسة خفض التوتر في المنطقة، وأرى أنها بدأت فعليا منذ قمة العلا في السعودية، والتي تبعها المصالحة مع قطر، ثم جاءت جلسات الحوار المصري التركي، والتوازن المصري بين الأطراف المتصارعة في ليبيا، وفي الخلفية من كل ذلك غروب شمس الإخوان في تونس.

وفك تجميد عضوية سوريا في الجامعة أمر ليس صعبا والقمة العربية المقبلة في الجزائر من اليسير عليها اتخاذ القرار الذي سيعطي أملا للشعب السوري.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
محمد الشاذلي يكتب: قضية المياه العربية

تتعقد قضية المياه في الدول العربية بشكل يدعو إلى القلق، والتعقيدات التي تغذيها دول الجوار العربي هائلة من تركيا مع كل من العراق وسوريا، وإسرائيل مع الأردن،

محمد الشاذلي يكتب: عمان .. نحو الحداثة والمواجهة

تحتفل سلطنة عمان هذه الأيام بعيدها الوطني الـ 51، وهي تواجه تحديًا كبيرًا نحو الحداثة وفي مواجهة تحديات داخلية وخارجية، في الوقت الذي تحاول فيه الحفاظ

محمد الشاذلي يكتب: نهر الكونغو .. أين المعضلة؟

يرى كثير من المصريين من خبراء المياه ومن أوساط الرأي العام أن حل أزمة المياه في مصر يكمن في زيادة ورفع كفاءة الموارد المائية، ومن بين الأفكار والمشروعات

محمد الشاذلي يكتب: ما الذي يعطل قناة جونجلي الآن؟

قال الملك في قصة : أليس في بلاد العجائب للكاتب الإنجليزي لويس كارول: ابدأ من البداية، واستمر حتى تصل إلى النهاية، وعندئذ توقف .

محمد الشاذلي يكتب: زيارة إلى بورسعيد

خرجت من زيارة بورسعيد أخيرًا بانطباعات متنوعة، تبدأ بالارتياح إلى المدينة وأهلها وسلوكياتهم الهادئة، خصوصًا أنني من أبناء القاهرة، وعاصمة المعز أحد أكثر

محمد الشاذلي يكتب: نجيب محفوظ والصحافة (4 - 4)

وقَّعَ الأستاذ نجيب محفوظ في شهر فبراير 1973 في مكتب الأستاذ توفيق الحكيم في الأهرام على بيان الكتاب والمثقفين الذي يطالب بإنهاء حالة اللاحرب واللاسلم،

محمد الشاذلي يكتب: نجيب محفوظ والصحافة (3 - 4)

احتفل الأهرام بعيد الميلاد الخمسين للأستاذ نجيب محفوظ، وكان صاحب الفكرة أحد أفراد شلة الحرافيش وهو الرسام والشاعر صلاح جاهين، لمعرفته بولع الأستاذ محمد

محمد الشاذلي يكتب: نجيب محفوظ والصحافة (2 - 4)

أعادتني دراسة الدكتور محمد حسام الدين إسماعيل الصحفي في أدب نجيب محفوظ (العربي للنشر 2021) إلى الأجزاء الأربعة من كتاب الناقد والمبدع مصطفى بيومي معجم

محمد الشاذلي يكتب: نجيب محفوظ والصحافة (1 - 4)

اقترب الأستاذ نجيب محفوظ والذي تحل ذكرى رحيله الخامسة عشرة اليوم الإثنين من الصحافة كثيرًا، وذلك من خلال كتاباته الأولى، واللقاءات والحوارات التي أجرتها

محمد الشاذلي يكتب: حادث فجر الثلاثاء على طريق دهشور

حولت الحكومة طريق دهشور المهترئ إلى طريق جميل بكل المقاييس بعد أن كان السير فيه مخاطرة كبرى، وزادت إضاءته ونظافته وجودة الأسفلت، ثم المحال التجارية من

محمد الشاذلي يكتب: انتصار للحياة..

بدا جليًا مدى الانتصار لإرادة الحياة في أولمبياد طوكيو 2020 خصوصًا مع الأيام الأخيرة في الدورة والتي تجلت فيها ألعاب القوى والسباحة والجري بمسافاته المتنوعة، وآخرها سباق الماراثون بطول 42 كم.

متحف عم مكرم لفن السينما

يملك هذا الرجل متحفًا فريدًا للسينما المصرية، يقع ويستحوذ على كل شقته في سيدي بشر بالإسكندرية، وبعد أن ضاق بمن لا يحفل به، أو يسعى لحفظه، وهو في سن الشيوخ

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة