Close ad

د. حاتم عبدالمنعم يكتب: الصديق في عيون العقاد (3 – 4)

10-10-2021 | 11:13

ذكرنا فيما سبق أن الصديق أول من أسلم من الرجال وهو الوحيد الذي قبل الدعوة بلا ترد، وهو رفيق الهجرة وثاني اثنين في الغار، وعندما مرض النبي عليه الصلاة والسلام قال للسيدة عائشة  مروا أبا بكر فليصل بالناس، ردت السيدة عائشة رضي الله عنها يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف (رقيق القلب بكاء)، وإنه متى قام بالصلاة قد لا يسمعه الناس، فماذا لو أمرت عمر؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام مرة أخرى مروا أبا بكر فليصل بالناس فعادت عائشه تقول لحفصة نفس الكلام فأعادت حفصة نفس الكلام على النبي عليه الصلاة والسلام، فاستاء النبي من هذه المراجعة قائلا للمرة الثالثة: "مروا أبا بكر فليصل بالناس". 

وهنا يتضح إصرار الرسول عليه الصلاة والسلام على أن ينوب عنه في الصلاة الصديق، وأن اختياره لم يكن مجرد مصادفة، وهذه إشارة واضحة على أحقية الصديق بالخلافة، كما كانت إمارات استخلافه ظاهرة مبكرًا قبل مرض الرسول عليه الصلاة والسلام، فكان الصديق أول أمير للحج سنة تسع من الهجرة وهما بالمدينة فخطب في الحجاج.

ويقول الإمام البخاري إن امرأة سألت النبي عليه الصلاة والسلام في أمر، وقال لها أن ترجع إليه بعد فترة، فقالت وإن لم أجدك رد قائلًا إن لم تجديني فأتي أبا بكر، كما كانت سنه أنسب للخلافة؛ حيث كان عمر بن الخطاب أصغر سنًا من الصديق بنحو عشر سنوات، وكان علي أصغر سنًا بكثير، ويبقى أن اختيار الرسول عليه الصلاة والسلام كان واضحا وحاسما منذ السنوات الأولى للإسلام؛ فالصديق هو الرجل الثاني دائمًا بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام، لذلك كان حق الصديق في الخلافة لا خلاف عليه ومصلحة المسلمين والإسلام في هذه المرحلة كانت في أشد الحاجة إلى شخصية الصديق ليكون امتدادا لعهد النبي وشديد الاقتداء به في كل خطوة؛ ليكون عهده امتدادا للعهد النبوي.

ولذلك اتفق الجميع على أبي بكر الصديق كخليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا نتذكر جميعا موقف وتصرف الصديق عندما علم بوفاة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ حيث خرج إلى المسجد فوجد عمر يخطب في الناس قائلا: إن رسول الله عليه الصلاة والسلام لا يموت حتي يفني الله المنافقين، فتكلم الصديق قائلا: (وَمَا مُحَمَّدٌ ًإِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتُلِ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) آل عمران 144، ثم قال من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ومن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، فقال عمر ما شعرت أنها كانت في كتاب الله، ثم قال عمر يا أيها الناس هذا أبو بكر وهو شيبة المسلمين فبايعوه.

وهنا تبدو حكمة وقوة الصديق عند الحزن والغضب حاضر الذهن سريع البديهة والتصرف؛ رغم جسامة وجلالة الحدث الذي حل به بوفاة صديق عمره وحبيبه ورسول الله عليه الصلاة والسلام والمؤمن القوي من يتحكم في نفسه عند الغضب، وهذا مضمون حديث رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام وهذا موقف تاريخي جلل أنقذ الأمة، فماذا لو كان الصديق غير موجود أو موافق على رأي الفاروق، وفي هذا الموقف التاريخي تظهر قوة وصلابة شخصية الصديق وأحقيته بالخلافة بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام.

ومن هنا بدأ الصديق عهده في الخلافة لاستكمال بناء الدولة الإسلامية، وقال الصديق بوضوح عند بداية ولايته (أنا متبع ولست بمبتدع) يجب الإشارة إلى أن المتبع هنا ليس مجرد حاكم سابق؛ بل هو رسول الله عليه الصلاة والسلام وما ينطق عن الهوى، وهذا بلا شك ضرورة المرحلة الصعبة، لأن الفجوة كبيرة والمهمة ثقيلة أن يخلف رسول هو خاتم الأنبياء، وهذا واضح في كل تصرفات الصديق وأقواله فنجد الصديق يقول في أول خطبة له بعد الخلافة: الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه.. وهذه الجملة تحديدًا لها معانٍ كثيرة وتستحق وقفة لأنها تعني أن هذا رجل لا يخشى إلا الله ولا يخشى نفوذ أو سلطان الأقوياء، ثم هذه المقولة ترجمة لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام (ابغوني الضُّعفاءَ، فإنَّما تُرزَقونَ وتُنصَرونَ بضُعفائِكُم)، وهنا معنى مهم أن الصديق يتكلم ويتحدث بشكل تلقائي بفكر ومضمون الإسلام الذي تلقاه من الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فهو داخل عقل وفكر الصديق، فهو هنا يتحدث بمضمون الحديث دون نصه؛ لأنه أصبح فكره وثقافته بوجه عام، وهذا ما يؤكده أيضًا موقفه عند الوفاة السابق ذكره.

وكان موقفه شديدا في تسيير جيش أسامة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بتسييره، فمن الطبيعي أن يكون الصديق متبعًا لرسول الله، وأيضًا كان شديدًا في حرب الردة؛ لأنه لا يترك عقالا، كان الرسول عليه الصلاة والسلام يأخذه من المرتدين، وهذا واضح حين تهيب الصديق في البداية حين أشار عليه عمر بن الخطاب جمع القرآن الكريم في المصحف فرد الصديق: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم أعاد التفكير واستصوب رأي عمر لما فيه من خير، وهنا نجد أنفسنا مرة أخرى بين المتبع والمتصرف الصديق متبعًا والفاروق متصرفًا، وكل منهما مناسب في مكانه وزمانه؛ حيث بدأ الصديق كخليفة دوره في استكمال بناء الدولة الإسلامية، وبغض النظر عن اختلافات المؤرخين حول بداية تأسيس الدولة الإسلامية كانت في عصر عمر أم الصديق، فالكاتب يرى أن كليهما تأثر بالرسول عليه الصلاة والسلام وبهدي القرآن الكريم، ثم إن شخصية الصديق أو الفاروق وجميع الصحابة تأثرت وتشكلت بصحابة الرسول وكتابه الكريم.

وهنا التأسيس الحقيقي في تشكيل وجدان وشخصية الرجال الذين ترجموا ذلك فيما بعد في أعمالهم؛ حينما تولوا المسئولية ولكل منهم دوره الذي قد يتسع أو يتمدد حسب الظروف، ويبقى كلاهما الصديق والفاروق تلاميذ مدرسة القرآن الكريم، وعلى يد معلم البشرية الأول محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا لا يقلل من دور كل القيادات بداية من الصديق إلى الفاروق وكل من آتي بعدهما؛ حيث كانت حرب الردة ضرورة للحفاظ على الدولة وهيبتها، كما شرع السنة الحسنة في تأمين الدولة من أعدائها بتسيير البعوث وفتح الفتوح، فكان للصديق السبق في هذين العملين الجليلين؛ بل إن دور الصديق يسبق قيامه بالخلافة ويسبق أيضًا هجرته مع رسول الله عليه الصلاة والسلام بأعمال الصديق وخدمته للإسلام، ومن خلاله أسلم الكثير من كبار الصحابة سبق ذكرهم منهم عثمان والزبير وطلحة وغيرهم كثيرون، كما أنه اشترى نفرًا من العبيد المضطهدين بسبب إسلامهم، ومنهم بلال مؤذن الرسول، ولم يبخل بماله كله في سبيل الدعوة، وكل هذه الجهود لبنات مهمة في صرح الدولة الإسلامية.

وبعد الخلافة كانت بعثة أسامة وحروب الردة وبعوث العراق والشام من أهم إنجازاته؛ فبعثة أسامة كانت رساله مهمة وضرورية للجميع وهي الالتزام التام بنهج وطاعة كل ما أمر به رسول الله عليه الصلاة والسلام، فبعثة أسامة كانت العنوان الأول لسياسة عامة في الدولة الإسلامية، فكانت قوامها كلها طاعة ما أمر به رسول الله عليه الصلاة والسلام لمواجهة أي تمرد؛ حيث كان التمرد في هذا الوقت وهذه الظروف أكبر خطر على الإسلام؛ حيث كانت الأمور تشير إلى الاختيار بين طاعة صارمة أو لا شيء بين الاستمرار والتقدم أو التراجع  والسقوط، فلا خطر في هذا الوقت أكبر من خطر الاجتراء على الطاعة، وهنا يقول الصديق (والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله ولو أن الطير تخطفنا لأجهزن جيش أسامة لمواجهة ذلك).

وفعلا أتم الصديق إرسال البعثة وكانت خطوة مهمة لحماية الدولة، وكانت حروب الردة من الإنجازات الكبيرة للصديق أثناء ولايته وفخرًا كبيرًا للصديق ينفرد به عبر التاريخ، حيث غضب الصديق بشدة من ردة المرتدين عن دفع الزكاة وهي فتنة كبيرة وخطيرة إهمالها قد يؤدي إلى تفكك وانهيار الدولة؛ ولذلك كان الحزم والشدة الضرورية لمواجهة الحدث.

وعن حروب الردة نكتفي بقول أبو رجاء البصري (دخلت المدينة فرأيت الناس مجتمعين حول رجلين ورأيت رجلا يقبل رأس رجل آخر ويقول له أنا فداؤك ولولا أنت يا أبا بكر لهلكنا جميعا فسألت من هو فقالوا عمر بن الخطاب يقبل رأس أبا بكر لقتال أهل الردة، إذ منعوا الزكاة فقاتلهم حتى رجعوا صاغرين، وتم النجاح التام في حماية الدولة، وبذلك نجح الصديق بامتياز في تأمين الإسلام والدولة داخل حدوده ودفع خطر الردة أو الفتنة الداخلية، وبعد ذلك سعي الصديق إلى تأمين حدود الدولة وأخذ في تسيير البعوث إلى حدود العراق والشام وهي خطة لتأمين حدود الدولة وليست للهجوم، وظهر ذلك واضحًا في بعثة تبوك وبعثة أسامة بهدف حماية الطريق والتمهيد لنشر الدين بالحسنى والبرهان، وكانت بعثة أسامة لردع القبائل التي تعبث بالطريق بين الحجاز والشام وتهدد  التجار والتجارة، وهكذا قدر للخليفة الأول أن تتوطد على يديه دعائم الدولة الإسلامية الناشئة في سياستها الداخلية وسياستها الخارجية.

والخلاصة أنه يكفي الصديق فخرًا أنه حافظ على الدولة الإسلامية في غياب رسولها عليه الصلاة والسلام، وتقدمت الدولة في عصره ولم تتراجع رغم أن القائد الغائب هو رسول الله عليه الصلاة والسلام وخاتم المرسلين، فيا لها من مهمة تاريخية غاية في الصعوبة اجتازها الصديق بامتياز، رحمة الله عليك أيها الصديق الصادق الأمين.

كلمات البحث
الأكثر قراءة