الرأى

قصة العبور

7-10-2021 | 15:54
قصة العبورقصة العبور

دكتور / جميل جورجى

  [email protected]

هناك العديد من المسميات التى أطلقت على حرب السادس من أكتوبر منها حرب رمضان وحرب يوم الغفران كما يطلق عليها الإسرائيلون، ومنها حرب العبور بالنظر إلى عبور القوات المصرية للمانع المائى لقناة السويس واختراق خط بارليف.. ويعد مسمى العبور هو الأكثر دلالة وتعبيراً حيث عبرت فيه مصر من اليأس والهزيمة إلى  الأمل والإنتصار عبرت من الموت إلى الحياه ومن ظلمة ظلمة الكسرة إلى أنوار النصرة ورحاب العزة والمنعة .. لقد كانت واحدة من المعارك التى تستعصى على التفسير  ومنطق التحليل المعتاد إلا أن متحصلاتها ونتائجها قد حدثت بالفعل على أرض الواقع  على الرغم  إنها مازالت حتى اليوم  محلاً للدراسة فى محاولة لسبغ أغوارها.. من هذه المعارك التى تندرج تحتها معركة العبور  هى معركة حطين التى انتصر فيها صلاح الدين الأيوبى على الجيوش الأوروبية وأوقف زحفها و معركة عين جالوت التى إنتصر فيها قطز على التتار وكيف قطع دابرهم فى هذه الرقعة الصغيرة من الأرض وانتهى ذكرهم إلى الأبد.. ومن المنظور العسكرى من حيت الأسلحة والعتاد المستخدمة كماً  وأساليب القتال فهى تعد من الحروب الكبيرة والتى موضعاً للكثير من الكتابات العسكرية والتى يعد أشهرها مؤلف  "سيمون دانستان" الذى حمل عنوان حرب يوم الغفران.. لقد ركز "دانستان" على النواحى العسكرية المتعلقة بهذه الحرب والخبرات القتالية لدى القادة والجنود على أرض المعركة  وكذلك النواحى الإستراتيجية والخطط التى جعلنه من المراجع المهمة فى المكتبات العسكرية .. وتأتى أهمية إطلاق مسمى حرب العبور بالنسبة إلى ذلك المانع  المائى المسمى "بخط بارليف " والذى قيل عنه أقوى مانع فى العالم والذى تمترست وتمنعت خلفه إسرائيل آمنة ومطمئنة.. فى الوقت نفسه لم تكن تملك مصر سوى بعض أنواع العتاد والأسلحة الدفاعية والتى لم تكن بالحداثة والتطور التى كانت عليه الأسلحة التى يملكها الجانب الإسرائيلى وفى ظل ظروف نفسية غاية فى الصعوبة نتيجة النكسة.. لقد قال "سفران" عن معركة أكتوبر فى  مقال له  "بالفورين أفيرز"  فى يناير 74  " كانت مصر قادرة على فرض جو المعركة ورسم خطوطها وقد وجدت إسرائيل نفسها أمام حرب سريعة الحركة والتطور إذ أجبرت على خوض حرب معدة ومرتب لها من قبل نتيجة شجاعة العرب التى لايرقى إليها الشك وتفوقهم فى العدد والعتاد.. قال عنها "الرئيس السادات" إنها تعتبر أول انتصار  عربى منذ 50 عاماً وقد كان لهذا النجاح أثر كبير أدى إلى تلاحم القوى العربية بشكل لم نعهده من قبل.. أما بالنسبة للجانب الإسرائيلى فهى لم تكن فقط  مجرد تحطم لإسطورة الجيش الذى لايقهر  وإنهيار خط بارليف ولكن أيضاً فقدان أحد المزايا التى أسفرت عنها حرب الأيام الستة وهى العمق الجغرافى الإستراتيجى الذى حصلت عليه إسرائيل بإحتلال سيناء والجولان والضفة الشرقية.. وعلى الرغم من أن القيادة الإسرائيلية كان لديها علم بأن كلا من مصر وسوريا سوف يقومان بشن هجوم  فى الليل كما أبلغ رئيس الأركان "ديفيد إليعازار" قائد القوات الجوية بذلك الهجوم وقد أكد أنه مستعد له، وقد طلب "أليعازار من موشى ديان" توجيه ضربة استباقية من جانب القوات الجوية لمصر على غرار ماحدث فى 1967 ولكنه رفض معللاً أن الحالة الوحيدة التى يسمح بها بهذه الضربة هو تلقيه معلومات عن شروع مصر بالقيام بشن هجوم على تل أبيب.. بينما رأت "جولد مائير" أنه إذا مابادرت إسرائيل بالهجوم فإنها لن تلقى تأييدا ومساعدة أي من الدول ولذلك فهى لن تقوم بأي ضربة استباقية لاسيما بعد ما أكدت لها وكالة المخابرات الإمريكية بأنه ليس هناك أي خطر من شن حرب على إسرائيل.. وعلى الرغم من أهمية ومحورية هذه النتائج التى أسفرت عنها حرب السادس من أكتويبر من الناحية الإستراتيجية والعسكرية وكيف أنها قد تخطت وتجاوزت كل القواعد المتعارف عليها إلا أنها قد كان لها نتيجة أخرى أكثر عمقاً بكثير  إذ إنها تتعلق بالفكر العقائدى الصهيونى والعقلية الإسرائيلية.. من المعروف أن حرب الأيام الستة التى نعتت بالخاطفة والتى دفعت الإسرائيلين ولاسيما من اليمين المتطرف إلى اعتبارها إحدى العلامات الكبرى على بداية تحقق نبوءة أرض الميعاد وما وموعد إقتراب عودة المسيا "المسيح".. ومعنى ذلك هو أن عليهم أن يبدأوا  فى القيام بالحفر  أسفل المسجد الأقصى وما حوله للتأكد من الموضع الذى يجب يتم عليه بناء الهيكل الذى يعد شرطاً ضرورياً " لعودة المسيح كما يعتقدون.. لقد شنت حرب العبور فى فى يوم الغفران وهو اليوم التاسع من الشهر الأول من السنة والذى يمتنع فيه اليهود عن القيام بأي أعمال سوى الصوم والتعبد وعدم تناول الطعام  والشراب أو الاغتسال إذ هو يوم مخصص فقط للعبادة والاستغفار.. كل ذلك يؤكد على دقة التخطيط والخداع الإستراتيجى المصرى والإعداد والاستعداد الجيدين وبسالة وشجاعة الجندى المصرى الذى صنع المعجزة وأذهل العالم وحطم إسطورة الجيش الذى لايقهر.. لقد أوجز الرئيس السادات فى خطابه الذى ألقاه  أمام مجلس الشعب فى 16 أكتوبر 1973 ما حققته هذه الحرب من نتائج قائلاً " أقول باختصار أن هذا الوطن يستطيع أن يطمئن ويأمن بعد خوف إنه قد أصبح له درع وسيف.

 

تابعونا على
اقرأ أيضًا:
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة