الرأى

حُب لا يموت

7-10-2021 | 15:54
حُب لا يموتحُب لا يموت

 

 

 

عاطفة الحُب الصادق تقوّم السلوكيات المُنحرفة، وتكبح جماح النفس الأمارة بالسوء، وتُعطرها، وكما قال الشاعر الراحل "نزار قباني: "الحب بعض من تخيلنا، لو لم نجده على الأرض لاخترعناه"، ولو توقفنا عند مقولة "نزار قباني" سنُدرك أن الحُب دائمًا هو أهم عُنصر لاستكمال الحياة البشرية، فهو العاطفة النبيلة التي على أساسها تُبنى الحياة، فهو أساس التسامح، وسبب التضحية، ومركز إنكار الذات، وبُؤرة الإيثار، ونبع الحنان، وبحر الإلهام، فهو سر أسرار الحياة، وأنبل ما في تلك العاطفة أنها لا يُمكن أن تُختزل في صورة مُحددة، أو تُختصر في فكرة معينة، فهي عاطفة شاملة كاملة، تعم كل مناحي الحياة، وكل أشكال الحب لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل، ولكننا الآن نمر بذكرى تُؤكد أن هناك صورة من أروع صُور الحُب الفطري، وأيضًا الحُب المُكتسب، فهو حُب لا إرادي، رغم أنه يُشترط في صاحبه الإرادة والعزيمة، هو حُب الوطن، فذلك الحُب هو أنقى وأنبل أنواع الحب، فمن منا يستطيع أن يُنكر أن نصر أكتوبر المجيد كان أهم عنصر فيه هو الحُب، فالحُب هو الذي جعل شباب في مُقتبل أعمارهم يُؤْثرون الشهادة على حياة الترف والسعادة، وهو الذي جعلهم يرون الصحراء برمالها الجافة، وشمسها الحارقة مثل الجنة بأشجارها الوراقة، ويُفضلونها على الجُلوس أمام أجمل شواطئ المصايف، والحُب هو أيضًا الذي جعلهم يجدون الدفء في اقترابهم من بعضهم البعض، رغم حرمانهم من حنان أسرهم وأبنائهم، وهو الذي جعل كل منهم يُحاول افتداء زميله بحياته، رغم أنه لم يكن له صلة به من قبل، أو يربطه به أي تاريخ أو عِشرة سابقة.

فالدفاع عن قضية وطن أساسه هو الحُب، والاستبسال بشجاعة في الحُروب هو حُب، والاستشهاد من أجل حماية وحُرية الوطن أنبل أنواع الحُب، فلو تريثنا سنجد أن الحُب الصادق غيَّرَ مبادئ العديد من البشر، فالحُب يُحيي الضمير النائم ويُوقظه.

فحرب أكتوبر لم تُؤثر فقط في جُنود الجبهة، بل إنها تركت أثرها في المدنيين كذلك، فلقد أيقظت كل المشاعر الساكنة، فمن كان لا يجد سعادته سوى في جمع الأموال وتكنيزها، بدأ يتبرع بأمواله من أجل وطنه وتسليح جيشه، والكاتب الذي كان يبحث عن الشهرة فقط، بات قلمه لا يجد كلمات تُعبر عما بداخله سوى كلمات حُب الوطن، وشحذ همم المصريين، والطبيب الذي كان لا يجد ضالته سوى في التفوق الدراسي والعلمي، أصبح التفوق بالنسبة له هو مُساعدة المُصابين ونجدتهم، وإيقاف نزيف الدماء الذي لا ينتهي. حتى الدراما بعد أن كانت مُكتظة بالأعمال الرومانسية وغيرها، أصبح شغلها الشاغل هو إنتاج أعمال تعبر عن نصر أكتوبر المجيد وحكايات الأبطال والشهداء، وإيقاظ روح الوطنية في قلب كل مصري ومصرية.

فتلك الحرب أيقظت الضمائر، ووسعت الآفاق، وجددت الدماء، وأحيت النفوس، فهي حقًا ساهمت في إنعاش مصر والمصريين في شتى المجالات والميادين، فكل مواطن كان يستشعر أنه يُحارب من أجل قضية الوطن، حتى لو لم يكن على الجبهة، فالكاتب حارب بقلمه الحُر الشريف، والفنان حارب بأعماله الدرامية التي كانت تصل إلى القلب بسرعة البرق، والمُعلم حارب بعلمه الذي ملأ به عُقول النشء الجديد، وشباب المُستقبل، وكل أم مصرية حاربت بابنها الذي ساهمت به ليكون أداة في تلك الحرب المجيدة، وهي على يقين أنها ربما لن تُبصره عيناها مرة أخرى، فتلك الحرب لم تقتصر فقط على جُنود الجبهة، بل إنها امتدت لكل طوائف المجتمع المصري.

والغريب في الأمر، بل والمُبهر كذلك أنه مر ثمانية وأربعون عامًا على ذلك النصر المُدوي، إلا أنه أثره لازال مُمتدًا حتى الآن، رغم أنه قارب على النصف قرن، فهو شكَّل وجدان الجيل الحالي، حتى مَنْ لم يُعاصروه، والحقيقة أن من لهم الفضل في ذلك هم المُؤرخون والمُبدعون الذي زرعوا الوطنية في قُلوب ذلك الجيل من مهده. فهناك من قرأ في كُتب التاريخ، وهناك من شاهد الأعمال الدرامية الوطنية الخالدة، وهناك من استمع للنقاشات والندوات والمُؤتمرات الثقافية. وكل هذا صنع جيلاً لديه إيمان ووعي حقيقي بقضايا وطنه، فهل نُنكر أن تلك الحروب التي انتهت بالنصر لايزال هناك مُحللون سياسيون ومُؤرخون يُدرسونها ويُحللون عناصرها من شدة عظمتها؟! فكم من كاتب لازال يُدون تفاصيلها الدقيقة في كُتبه، وكم من مُبدع يُشرِّح معانيها في عمل درامي وطني.

فدماء شهدائها كانت أكبر دليل على أن حُب الوطن تفوّق على كل حُب، لأن كلا منهم ترك أبويه، وأبناءه، أو حبيبته، أو أحلامه وطُموحاته من أجل أن يفتدي أرض هذا البلد، فهذا النوع من الحُب يصعب تصنيفه على أنه فطري أم مُكتسب، ولكنه حُب حقيقي وعميق وصادق، لا يكتفي بالهتافات والشعارات والأمنيات، بل إنه حُب قوَّم السلوكيات، ونهى النفس عن الهوى وزكّاها، وآثر المعنى على المادة.

وأخيرًا، وفي تلك الذكرى المجيدة لا نملُك سوى أن نقول إن حُبنا لوطننا كان ولايزال وسيظل مُتربعًا على عرش قلوبنا أبد الآبدين، وحُبنا لشهدائنا سيظل تاجًا على رُؤوسنا ما حيينا، لأن هذه النوعية من الحُب ستستمر وتدوم؛ لأنه حُب لا يموت.

                                                                                                 بقلـــم د.داليا مجدي عبد الغني

تابعونا على
اقرأ أيضًا:

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة