آراء

ماجي الحكيم تكتب: اللهو الخفي

7-10-2021 | 10:33

في صباح جمعة غائم قرأت رسالة منشورة في "بريد الجمعة" الشهير بـ"جريدة الأهرام"، كانت صاحبة الرسالة تروي لـ"محرر البريد" معاناتها مع مرض الاكتئاب، كادت الرسالة تنطق دمًا ودموعًا، كانت صاحبتها في مرحلة متقدمة تحلق نحو موت بطيء..

رد عليها "محرر البريد" برفق شديد، لكنه نشر في الأسبوع اللاحق رسالة أخرى جاءت من قارئة أخرى ردًا على الرسالة الأولى، صاحبتها مريضة سرطان، وكانت تتعجب من شكوى السيدة المصابة بالاكتئاب، وكيف لها أن تتصور إن معاناتها التي قد تتمثل في بعض الضيق أو الحزن أمر صعب لا يمكن احتماله، بينما مرض السرطان هو الأولى بالشكوى والمعاناة؛ في ظل شراسته التي لا يضمن العلاج الشفاء منه.

كان الرد هذه المرة مختلفًا؛ حيث قال لها "محرر البريد" إن الاكتئاب مرض مثله مثل السرطان، ولا يمكن التقليل منه؛ والقول بأنه مجرد عرض أو دلع أو تبطر على نعم الله، كما يظن البعض؛ بل هو في الحقيقة مرض صعب قد يصل بالإنسان إلى الموت الحقيقي بعدما يكون قد شعر بالموت حيًا.

أثبتت الدراسات العلمية أن المرأة أكثر إصابة بهذا المرض اللعين وأيًا كانت الأسباب، فإنه حين يزور المرأة إحساس القهر أو الحزن أو أيًا كان ما تشعر به كل واحدة منهن، تشعر أنها الوحيدة على وجه الأرض التي أصيبت بهذا الداء القاتل.

نعم إنه قاتل ليس تقليلًا من الأمراض الأخرى القاسية، والتي تودي بحياة الملايين يوميًا، الفارق الوحيد إن تلك الأمراض أهم عامل في نجاح العلاج والشفاء منها بإذن الله يتركز في الأمل والرغبة في الحياة؛ بينما تلك الأمور لا نجد لها أي وجود عند الإصابة بالاكتئاب.
 
تلك هي أهم علامات معاناة الاكتئاب رفض الحياة، ليس رغبة في الموت تحديدًا بما يحمله من مجهول، وإنما الاكتفاء التام من الحياة، تشعر المرأة بأنها لا تود أن تعيش أكثر من ذلك، كل شيء يعد عبئًا وحملًا ثقيلًا يكاد يكون حبلًا يلتف حول رقبتها، تحديدًا كل شيء، الذهاب إلى العمل، شراء أي مستلزمات، الرد على التليفون، مقابلة الآخرين، وغيرها من أصغر التفاصيل؛ كتبديل الملابس ومشاهدة التليفزيون..

بالتالي تكون مغادرة السرير صباحًا الحمل الأكبر؛ حيث تكون مضطرة أن تعود لتلك التفاصيل التي تخنقها أكثر وأكثر، فمجرد محاولة إخفائها عن المحيطين تمثل عبئًا إضافيًا رهيبًا، وبرغم عدم استقرار النوم؛ إلا أنه يكون ملاذها الوحيد من هذا اللهو الذي يحاصرها ليل نهار، فالنوم هو حالة الثبات التي قد تتصور للحظات أنه أشبه بالموت؛ لكنه مطعم بالأحلام والكوابيس والهلاوس أحيانًا.

بالفعل في وطأة هذا المرض لا ترى أحيانًا أن الموت مجهول، وإنما نوم عميق، وكأن القبر مجرد سرير أضيق من المعتاد وظلمته ما هي إلا إغماض للعين فتتصور أنه الخلاص، حتى وإن لم تسع فعليًا إليه، لكن في بعض الأحيان تتمنى في قرارة نفسها أن يأتي هو إليها دون أن تذهب هي إليه.

إنه حقًا اللهو الخفي، ليس كأي مرض آخر يمكن الكشف عنه بأشعة أو تحليل، ليس كأي مرض آخر تشعر بألمه في الرأس، القلب أو الساق، إنه ألم خفي يصيب الروح في مقتل، ليس كأي مرض آخر قد تنجح الأدوية والجراحات في تحقيق الشفاء التام، فمضادات الاكتئاب - برغم أهميتها - لا تشفي منه؛ إنها تساعد على تحجيم أعراضه، وقد تنجح في إخفائها عن السطح، لكن الخروج من تلك الدوامة يحتاج إلى رغبة قوية لدى المرأة، وهو الأمر الصعب جدًا في تلك المرحلة؛ لكنه العامل الأهم بعيدًا عن النظر إلى النعم الكثيرة المحيطة بها كما ينصحها الآخرون، فتلك الحالة ليست قنوطًا ولا رفاهية؛ إنها الروح المذبوحة التي تشبه الأشباح، ترى الدنيا من الخارج وكأنها فيلم سينمائي ليس لها دور فيه، كل ما عليها فعله هو انتظار انتهاء العرض في أي لحظة، أو أن تعد الثواني والسنين كي تمر وترحل عن ساحة العرض.

الخروج من براثن "اللهو الخفي" قد يشبه الشفاء، لكنه جرح غائر يشفى مع الوقت لمن تمتع بحسن الحظ، فيغلق الجرح لكنه أبدًا لا يلتئم تمامًا، يؤلمها من وقت لآخر، أو كلما اصطدم بسطح صلب يعيد ذكرى الألم لأنقاض الروح.

إن هاجمكِ اللهو الخفي ترفقي بنفسك، فليس هناك روشتة شافية إلا بين ضلوعك.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
ماجي الحكيم تكتب: السعي أم الرضا

كلما تعرض شخص لضغط، ابتلاء، فقدان، مصيبة أو حتى كارثة.. أو إن كانت ظروفه العامة غير مستقرة وغير جيدة مثل الفقر، عدم الزواج أو عدم الإنجاب وغيرها من المواقف،

ماجي الحكيم تكتب: أبواب الأوبرا

استضافت الأوبرا المصرية الأسبوع الماضي باليه بحيرة البجع، والذي قدمته - على مدى ثلاثة عروض بالقاهرة وآخر بأوبرا الإسكندرية مسرح سيد درويش فرقة باليه

ماجي الحكيم تكتب: "24 قيراطًا"

يظن كثيرون بل ويؤكد معظمهم أن رزق الإنسان مقسم إلى 24 قيراطًا، قد يأخذهم مقسمين بين مال وصحة وأبناء وغيره، أو يأخذهم كلهم مال أو صحة وهكذا.

ماجي الحكيم تكتب: "شاريك .. ومش بايعني"

وكما يقول المثل قدم السبت تلاقي الحد لا تنتظر ما تأخذه أولًا، وإنما قدم أنت ما تملك من وفاء وعطاء وأمان ومشاعر واهتمام؛ بمعنى آخر لو كنت مهتمًا بالطرف الآخر اشتريه.

ماجي الحكيم تكتب: "ملزومين مني"

تم دعوتى منذ فترة للانضمام إلى صفحة نسائية على الفيس بوك اسمها تجربتى ، تعرض العضوات مشاكلهن أو مشاكل صديقاتهن، طبعا بدون ذكر الاسم.. وتقوم العضوات بالرد عليها بالمشورة والنصيحة في حدود خبرتهن..

ماجي الحكيم تكتب: الرجوع للحق

رمضان الماضي، لم يتثن لي مشاهدة الأعمال الدرامية المتميزة التي عرضت على شاشات التليفزيون بسبب انشغالي ببعض الأمور الشخصية.

ماجي الحكيم تكتب: مصر دنيا تعيشها

عادة أستمع إلى موسيقى كلاسيكية حين أعمل من المنزل وفى بعض الأحيان أترك التليفزيون يعمل ولكن بصوت منخفض لأتابع كل حين وآخر مشهدًا من فيلم أبيض وأسود معاد للمرة الأف ومازلت أستمتع به.

ماجي الحكيم تكتب: رزق جديد

وأما بنعمة ربك فحدث صدق الله العظيم.. ونعم الله لا تعد ولا تحصى ومنها حب البشر، الناس الذين نقابلهم في الحياة نتعلم منهم، يؤثرون فينا ونؤثر فيهم، هم السند والونس والطبطبة.

ماجي الحكيم تكتب: الضمير

يقول توفيق الحكيم إن ما يميز الإنسان عن الحيوان هو الضمير.. فهو حقًا نعمة كبيرة بدونها يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين الخير والشر، الخطأ والصح.

ماجي الحكيم تكتب: الخوف

حالة دائمة منذ الصغر، لم أبح بها قط، لم أتفوه بتلك المشاعر، ولم أواجه حتى نفسي بها.

ماجي الحكيم تكتب: ما بين مصر وألبانيا

في الفترة الأخيرة سافر الكثيرون إلى ألبانيا بعد إن فتحت أبوابها بدون تأشيرة أو تطعيم، فاتجه إليها الآلاف من المصريين والعرب.

من فوق السحاب

طول عمري وأنا أكره المرتفعات، ووصل بي الحال إلى درجة الفوبيا لا أستطيع حتى أن أنظر للأسفل من الدور السابع حيث أسكن، لكن القدر كتب لي تجربة فريدة وصلت فيها

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة