راديو الاهرام

د. شيرين الملواني تكتب: في (حَانة السِت) .. قَامت "ثومة" من مَرْقدِها!

4-10-2021 | 14:53

نعم؛ نفخ الإبداع الروح في جَسَد (الست أم كلثوم) فأحياها عام 2021 ، فالقلم الإبداعى بخيالهِ قادر على إحياء الموتى من رموز عاشت مُقدَّسة ومؤلَّهة ؛فلم يجرؤ أحد أن يمسْسها بنقدٍ أو سوءٍ،بل سعى الإعلام  إلى تصويرها فى مَصْاف الأنبياء؛ وجاء الكاتب المُبدع (محمد بركة) فى روايته الأخيرة (حانة الست) بعنوان جاذِب دون مُتَاجرة بالمُحتوى -مُقتبسًا من رائعتها (حانة الاقدار) لكلمات طاهر أبوفاشا- ودخل منطقة شائكة للغاية أمام التاريخ وعُشَاق الست؛ فكَشف عن جانب مَخفي تَخيُلى لحياتها كنفس بشرية بخباياها؛ فوجدناها تُخطئ وتُصيب وتحقد وتشمت وتكذب وتتلاعب بالكثيرين؛ بل كانت أول عبارات حكيها استنكارًا لصورتها فى الأعمال الدرامية التي تناولت سيرتها الذاتية بقولها: لقد تَحوَلت إلى تمثال من شمع يُقدسه الجميع!
 
بدأت الرواية بأسلوب جاذب وخادع بنسبة كبيرة وكأنك تقرأ مُذكرات الست ثم سُرعان ما التقط  قلم الكاتب روح ثومة بالحكىّ على لسانها فحجب التَشَتت عن القارئ، متناولًا مِشرَط جراح مُحترِف لتشريح نفسية تلك الريفية التى ولدت وسط رفض أبوي لتصنيفها الچندري حاملة موروث عار الأنثى مما جعل الأفضلية لأخيها -خالد- محدود القدرات-، ووسط فَقر وعَوز وقِلة حيلة وخضوغ الشيخ إبراهيم -والدها- وخنوعه مُتخذًا من فهمه المغلوط للدين أداة كَبتٍ لها  فى الوقت الذى يستبيح فيه استغلال موهبتها من أجل جمع المال.

تسترسل ثومة فى الحكىِّ دون مَهابْة ذِكر عُقدها النفسية وليدة  طفولة قَهر وتَنمُر من المحيطين وحِرمان من التعليم -لولا مساندة والدتها -إلى استعراض ذكائها فى توظيف كل الفرص والشخوص، فى ظل أنوثة ضَحِلة ومُعطيات جسدية أقل من العادية وحنجرة ذهبية؛ شرحت كيف استطاعت خلع الزى الذكورى من جلباب وعُقال وتسربلت بلبس الهوانم واتقنت بعض اللغات بصداقاتها لبنات عليّة القوم؛ فهى المُتحينة لكل الفرص المُستغلة لكل الشخوص، المولعة بالتآمر وصانعة المجد على أكتاف العُشاق.
 
وتدخل بنا الرواية لكواليس الفن في تلك الحقبة فى منطقة حقل ألغام؛ حيث حروب المنافسة واللاشرف؛ فنطلع على  منهجية حياتها التى عوضت بها جروح الريف ؛يتجلى ذلك فى علاقتها بـ(لولو) الشيخ أبو العلا حبيبها الأول والنجريدى "زئر النساء" ويظهر جانب استغلالها لإدمان الرجال التَعبُد فى محرابها من خلال مسيرتها مع القصبجى والسُنباطى وزكريا أحمد، بل تكشف لنا من زاوية تخيلية مُغلفة سردًا بالمصداقية عن علاقتها بمحمد عبدالوهاب وحربه الخفية معها ووقائع تأديبها لابن السهوكة -عبدالحليم حافظ- وحتى استخفافها بسيد مكاوي ولم تُخفِ حقدها على مُطربات عصرها بل كشفت عن غيرة الأنثى وحيل مخالبها فى الدفاع عن عرشها.
 
حكت الست بروح تلك المرأة الشرقية عن زيجاتها بعيدًا عن صورة مريم البَتول التى امتدت فى محياها ومماتها فبدءًا من زيجة صورية إلى أخرى كيدية إلى تلك الأخيرة والتى نقلت لنا واقعيتها بعيدًا عمّا هو شائع، وخَتمَت حَكيها بجُملة ناصر لزوجها الأخير: (ثومة هي مصر ولا أحد يهين مصر!) كل هذا بلغة عذبة وروح ساخرة تجلت فى استخدام الست لألفاظ تنتمي لزماننا وكأنها بذكائها المعهود تستطيع مُخاطبة كل الأزمنة وكل الأجيال، حتى نأتى لمرحلة مرضها ومشهد النهاية بروحها التي تطل بها على الأطقم الطبية في المشفى وأنت كقارئ لا تستطيع فصل الخيال عن الواقع ولا تملك التحامل عليها أم التعاطف معها؛ وهنا يَكمُن الإبداع الحقيقى بحرفية توظيف العقل والخيال معًا بقلم شاركها التقييم وأطلق الأحكام عليها وعلى المحيطين بها من  مشاهير هذا الزمان.
 
ويأتى السؤال: هل سيَتقبَل عُشاق الست أن تكشف ثومة عن ثقوب ثوب شخصيتها من نرجسية لشعور بالدونية كرواسب تجارب حياتية؟ بل هل سيقتنع بمبدأ ميكاڤيللى الذي جعلته الست شعارًا لها فى كل مراحلها، وكان لغة مخاطبتها لأنظمة الحكم فى مصر المُعاصرين لها؟ وهل سيستسيغ (عُباد الست) أن تُمَسْ الخطوط الحمراء الشائكة فى حياتها الخاصة .

هنا نرفع شعار ثقافة الاختلاف التى نُنادى بها منذ زمن مع القُبَعة للكاتب بروحه الصحفية والذى نأى بنفسه عن فخ  تَعمُد التشويه أو التجريح أو بيَّت نية التشهير؛ ولكننا نجده أضاء لافتة (لا ألُوهية ولا تَقديس لبشر)، ففكرة النقد في مجتمعاتنا لأى تابوه أو رمز دينى أو سياسى تُقابل بحناجر تعلو باتهامات الكفر والزندقة أو بالعمالة والخيانة، فطَبَق الكاتب هنا قاعدة  النقد على رمز فنى نافس فى شهرته الملوك والأباطرة  كنفس بشرية تصيب وتخطئ وتتفاعل بنِتْاج بيئتها وتجاربها؛ وبدهاء شديد فاق ذكاء الست أخرج لنا قُماشة جديدة حريرية ملساء كمنديلها -الذي لم يفارقها- من واقع مواقف حياتية من سيرتها الذاتية -لا تلفيق فيها- فأحيا مبدأ اللاتقديس لبشر، وأطل علينا بإبداعٍ جديد ذى قدرة على إحداث التغيير فى الثوابت البائدة ولو على الزمن البعيد لدحر مفهوم عدم المساس بأى رمز وهو مفهوم متأصل لدينا؛ فالتأليه سمة شعوبنا في المنطقة العربية حتى يأكل النمل منسأة من نُقدِس، فتحية لهذا الإبداع صاحب الرسالة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. شيرين الملواني تكتب: "نداء لصيادلة مصر"

بحت أصواتنا كصيادلة أصحاب ضمير؛ ننادي زملاء المهنة بعدم تشغيل دخلائها، وعدم الاعتماد عليهم في صرف الدواء والتحكم في جرعاته، وتنحيتهم تمامًا من مشهد مواجهة

د. شيرين الملواني تكتب: "نظرة على الانتخابات الفرنسية"

منافسة قوية ومواجهة ساخنة بين إيمانويل ماكرون ومنافسته في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية الفرنسية مارين لوبان ، اتخذت المواجهة طابعًا إعلاميًا قويًا

د. شيرين الملواني تكتب: بيع أم تمكين أم شراكة!

وصل لمسامعنا نوفمبر الماضي أطروحة شراكة القطاع الخاص مع القطاع العام؛ من خلال مجموعة من الآليات المُقترحة؛ لتمكين القطاع الخاص بالتوازي مع إعادة هيكلة

د. شيرين الملواني تكتب: "أقسى من جائحة كورونا"

بالأدلة والأرقام وصلت أزمة التضخم ذروتها عالميًا (الأسوأ منذ عام ٢٠٠٨) مسببة أضرارًا كبيرة على الأسر في جميع أنحاء العالم كنتيجة لاضطراب سلاسل الإمداد،

د. شيرين الملواني تكتب: "مدارس التكنولوجيا"

لن يتغير الموروث الفكري والمجتمعي البائد المُنصب على تبجيل المؤهلات العليا، والتهافت على كليات القمة وغيرها، حتى وإن لَفظت عاطلًا عالة على الوطن مُكبدًا الدولة خسائر اقتصادية

الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة