راديو الاهرام

د. خالد قنديل يكتب: نظرة جديدة لقانون الأحوال الشخصية

4-10-2021 | 11:18

لا يزال قانون الأحوال الشخصية أو قانون الأسرة يطرح جدلًا في مجتمعنا، ويرى فيه البعض أزمة لأطراف المعادلة بالأسرة المصرية، على الرغم من أنه وضع ليكون منظمًا للتعامل الأسري القويم، وخصوصًا في بعض الأحوال مثل وفاة أحد الزوجين أو وقوع الطلاق أو حدوث أي اختلافات واردة بين الأزواج، فهو القانون الذى من المفترض أن يدرأ الضرر الواقع على الحياة الشخصية للأفراد الذين يعانون مشكلات متعلقة به، والتي إذا لم تحل بالطريق القانوني الأمثل القائم على المراعاة التامة للحقوق والواجبات، صار عاملًا مؤديًا إلى أزمات عدة نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، فالأحوال الشخصية من ركائز النظم القانونية المعمول بها في شتى أنحاء العالم، ولذلك فقد سعت حكومات العالم إلى تطويره عبر السنين.

ويعوّل المجتمع العقلاني المتحضر ألا تؤثر الخلافات الأسرية على حياة أطرافٍ أخرى ليس لها أي ذنب في الحياة سوى أنها تنتمي لشخصين اختلفا أو تُوفي أحدُهما، فالهدف الرئيسي من فكرة قانون منظم بالعقل والموضوعية للتعاملات الأسرية في مثل هذه الأحوال وغيرها، أن نحافظ على بنية الأسرة المصرية، وبالأخص اللبنة الأولى في جدار المجتمع وهم الأطفال، بحيث نضمن جميع حقوقهم سواء المادية الملموسة كالمأكل والملبس والصحة والالتحاق بالتعليم ورعاية مواهبه، أو المعنوية بالحفاظ على صحته النفسية، عبر إحساسه بالأمان والتربية في بيئة طبيعية لا يستشعر فيها أي فجوة حياتية بسبب فقد أو خلافات، بل ومنحه الشعور الدائم بأن لديه عائلة كبيرة وأسرة متواجدة في حياته قوامها الأم والأب.

 فهل يضمن قانون الأحوال الشخصية تحقيق ما ذُكر من أسباب الاستقرار، بعد سجالات طويلة ومشروعات قوانين متعددة قُدمت إلى البرلمان المصري لمناقشته وإقراره؟ هل حقق القانون بالفعل تطلعات الأسرة المصرية ولا اعتراضات عليه ويلقى قبولًا مجتمعيًا لأنه منصف للجميع؟ وهل حقًا القانون بملامحه الحالية لم يضع الأطفال الواقعين في دائرة الطلاق في مرتبة متقدمة تعلو على الخلافات، التصور أن نظرة متأملة في بعض مواد القانون قد تحتاج إلى إعادة رؤية ومحاولات للتوفيق بما يحفظ حقوق الجميع، وصولًا لعدم وجود أي خسارات أو شعور بقهر، فأن يأتي الأب بترتيب رابع في حضانة طفله وفق هذا الترتيب (الأم – أم الأم – أم الأب – الأب)، وأن ينتهي الحق في الحضانة ببلوغ الصغير سن 15 سنة وبعدها يُخير القاضي بعد هذه السن في البقاء في يد الحاضن، حتى يبلغا سن الرشد أو حتى زواج الصغيرة، فضلًا عن أن القانون نظم الاستضافة بعدد ساعات لا تقل عن 8 ساعات ولاتزيد على 12 ساعة كل أسبوع على أن تكون فيما بين الساعة 8 صباحًا والعاشرة مساء، فلعل هذا الترتيب لا يفي بحق الطفل وضرورة التشبع من وجود الأب بما يوجد فجوة نفسية في حياته وضرورة استشعاره بهذا الوجود المكمل والداعم له، كما أن الأب يشعر مع هذا الترتيب، بأن دوره الأبوي انتهى، واقتصر على رؤية في مكان عام محاط بأسوار، مما يؤدي إلى ظهور أجيال من الأطفال لا تشعر بالانتماء للأسرة أو الأب أو العائلة، وبالتالي التأثير في فكرة انتمائهم لوطن. 

ويتصور البعض بشكلٍ خاطئ أن هذه البنود منصفة للمرأة، في حين أن رفع سن الحضانة إلى 15 عامًا من دون رعاية مشتركة مع الأب، فهذا يعني مشقة كبيرة للأم؛ لذا لابد على جميع المختصين من القضاة ورجال الدين والأطباء النفسيين والأخصائيين الاجتماعيين ومنظمات المجتمع المدني، أن تنتبه لكل هذه الأفكار حول القانون، في محاولة للوصول إلى مشروع قانون قائم على أساس علمي يضمن عدم وجود أي فجوات قد تأتي بآثار سلبية على الفرد أيًا كان موقعه في معادلة الأسرة المصرية ويحقق تماسك المجتمع؛ لأن جميع الدراسات العلمية أثبتت أن عدم وجود الأم والأب يمثل مشكلة كبرى للأطفال ويصيبهم بالعديد من الأمراض العضوية والصراعات النفسية، قالقانون بحاجة إلى نظرة في فلسفة الرعاية المشتركة بحيث يُعدل ليسمح مثلًا بمبيت الطفل لدى أهل أبيه يومين أسبوعيًا خلال فترة التسع سنوات الأولى من طفولته، على أن يكون هناك اقتسام أيام رعاية الصغير بين أبويه بأهليتهما كحق أصيل له ولهم ولتكتمل علاقته بصلاته العائلية كلها، ووجود ولاية تعليمية مشتركة وحماية حق الطفل لدى والديه في تعليم مستقر، مما يسهم في تخفيف تخمة القضايا المتراكمة بالمحاكم، وينهي جرائم احتجاز الطرف غير الحاضن للطفل، وليشتمل القانون على عقوبات رادعة ضد أي طرف جائر على حقوق الطفل أو مخالف لأحكام القانون والقضاء بشأنها، والتفكير في إنشاء صندوق قومي لحماية استقرار الأسرة المصرية وأطفالها بعد الطلاق، نظرًا لإمكان تعرضها لتراجع القدرة على الإنفاق على الأطفال، يخضع هذا الصندوق لرقابة البرلمان.

إن كل فرد بالأسرية المصرية يعد وحدة بناء أساسية في بناء المجتمع الصغير والكبير وصولًا لملامح الوطن المكتملة بعناصره البشرية التي تستطيع أن تساير وتستكمل مسيرات بنائه وتطلعه الدائم لمستقبل أفضل وأقوى، ولا تتحقق الصورة المثلى للأوطان إلا في أجواءٍ صحية نفسيًا وبدنيًا واجتماعيًا، ومن ثم فالنظر بقانون الأحوال الشخصية بتقييم موضوعي وسعي جاد سوف يضمن تحقيق هذه الصورة المرجوة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة