راديو الاهرام

عبد السلام فاروق يكتب: أيام المجد والنصر

2-10-2021 | 14:32
كم هي رائعة ذكري أيام المجد.. تراودني ذات المشاعر كلما هلت ذكريات البطولة والبسالة والنصر 6 أكتوبر 73، ذلك اليوم الذي اختلط فيه مسك الشهداء بدماء الأعداء، يوم الزحف العظيم والصيحة المزلزلة والاكتساح المرعب والهزيمة المذلة والنصر المبين الذي أثلج قلوب المصريين والعرب ورفع الرؤوس حتى عانقت الأفلاك والنجوم.


 


يوم أن استعدنا في 6 ساعات ما ضاع منا في حرب الأيام الستة، وجنَينا ثمار 6 سنوات من حروب استنزاف أعقبتها حالة اللاحرب واللاسلم، تلك الحالة التي استطاع الجيش اتخاذها غطاءً لاستعداداته وتأهبه لحرب حتمية تأجلت مرارًا، حتى قال الجميع لا حرب هناك؛ بل أخاديع الدبلوماسية والسياسة ليس إلا، كان ذلك جزء من خطة خداع طويلة اشترك في تنفيذها قائد النصر وصاحب إشارة البدء الرئيس السادات..


 


الخطة بدأت في يوليو عام 1972م حينما اجتمع السادات مع رئيس المخابرات العامة ومدير المخابرات الحربية ومستشار الأمن القومي والقائد العام للقوات المسلحة لوضع خطة خداع إستراتيجي (أي على مدى أعوام قادمة) تسمح لمصر بالتفوق على التقدم التسليحي الإسرائيلي عن طريق التعمية التامة على استعدادات الحرب وإخفاء ساعة الصفر اتقاءً للضربة الإجهاضية الإسرائيلية التي قد تفسد كل شيء، واشتملت خطة الخداع على ستة محاور: الجبهة الداخلية، خداع سيادي، خداع ميداني، تأمين نقل المعدات، تأمين التحركات واستعدادات الحرب، توفير المعلومات السرية عن العدو الإسرائيلي وتضليلها، وقد نجحت الخطة نجاحًا باهرًا؛ بدليل أن إسرائيل ظلت على عماها لا تشعر بشيء حتى اللحظة الأخيرة؛ لحظة الاجتياح..


 


بدأت الملحمة في تمام الساعة 00: 14 (الثانية مساءً) بانطلاق 240 طائرة على مسافة 175 كم من بورسعيد للسويس في شكل موجات متتابعة، وعلى ارتفاع منخفض كالنسور المنقضة لضرب مطارات العدو، ومراكز القيادة، ومحطات الرادار، ومراكز التحكم الإليكتروني، وبطاريات الدفاع الجوي، والنقاط الحصينة في خط بارليف، ومصافي البترول، ومخازن الذخيرة. 


 


يقول السادات معلقًا في حديث جمع بينه وبين الكاتب الصحفي موسي صبري وضمَّنه كتابه (وثائق حرب أكتوبر): (بعد ضربة الطيران جاء بلاغ الخسائر.. لم يذكروا لي أن أخي استشهد، لقد كان واحدًا من الطيارين الذين حققوا الضربة الأولى، والحقيقة لو قالوا لي ماكنش الأمر اختلف، إنه ابن مصر مثل كل زملائه قبل أن يكون أخي.. والحقيقة أن نتائج الضربة كانت رائعة وأكثر مما توقعنا بشكل خارق.. استمرت الطلعة 20 دقيقة، وبعد 15 دقيقة طلبت تكرار الضربة مرة أخرى: أربعة آلاف موجة انطلقت تزمجر وتدمر.. وبدأ النمل يدخل.. ولادي.. كانوا زي النمل؛ آلاف وراء آلاف، وجاء أول بيان عن غرس العلم المصري على الضفة الشرقية؛ اللواء السابع كان أول المبلغين، الكل كان منفعلًا، والحقيقة أنه بعد 4 ساعات من ضربتَي الطيران وضرب المدفعية كان واضحًا أن إسرائيل فقدت توازنها كاملًا..)..


 


لقد لعبت المدفعية المصرية دورًا محوريًا للتمهيد للعبور.. فبعد الطلعة الجوية الكاسحة بخمس دقائق بدأت المدفعية المصرية قصف التحصينات والأهداف الإسرائيلية الواقعة شرق القناة بشكل مكثف تحضيرًا لعبور المشاة، فيما تسللت عناصر سلاح المهندسين والصاعقة إلى الشاطئ الشرقي للقناة لإغلاق الأنابيب التي تنقل السائل المشتعل إلى سطح القناة.. وفي تمام الساعة 30: 18 (الرابعة والنصف) كان قد عبر القناة ألفا ضابط ونحو 30 ألف جندي من خمس فرق مشاة محتفظين بخمسة رؤوس كَباري واستمر سلاح المهندسين في فتح الثغرات في الساتر الترابي لإتمام مرور الدبابات والمركبات البرية، في تمام الساعة 20:30 اكتمل بناء أول كوبري ثقيل وفي تمام الساعة 22:30 اكتمل بناء سبع كباري أخرى وبدأت الدبابات والأسلحة الثقيلة تتدفق نحو الشرق مستخدمة الكباري السبع و31 معدية.


 


دخلت مصر الحرب ومعها نحو 1700 دبابة و2500 مدفع هاون وراجمات صواريخ ونحو 700 طائرة مقاتلة وقاذفة وعمودية، بخلاف الزوارق والمدمرات وكاسحات الألغام وسفن الإنزال، بينما كانت إسرائيل تملك تفوقًا ملحوظًا في العتاد والعدة: فلديها نحو 2400 دبابة و4000 مدرعة ونحو 1500 مدفع وراجمة و500 طائرة، وأكثر من هذا أن أمريكا قررت مد جسر جوي لإسرائيل بلغ إجمالي ما تم نقله عبره نحو 28 ألف طن لتعويض خسائرها وضمان تفوقها الدائم.


 


شهدت الحرب تدمير عدد هائل من آليات العدو الإسرائيلي بلغ نحو 350 طائرة حربية ومروحيات وأكثر من ألف دبابة تم تدميرها بخلاف ما تم أسره، ومُنيَت إسرائيل بخسائر بشرية بلغت نحو 10 آلاف قتيل و20 ألف جريح. 


 


يقول الفريق سعد الدين الشاذلي في مذكراته عن الحرب واستعداداتها إن الجيش المصري حاول استخدام عدة وسائل لفتح الثغرات في الساتر الترابي مثل المدفعية الثقيلة والديناميت إلا أن النتائج لم تكن مبشرة، وجاءت إجابة تلك المعضلة من أحد الضباط المصريين الذين عملوا في بناء السد العالي؛ حيث اقترح فتح الثغرات باستخدام مضخات المياه، وأجرى سلاح المهندسين تجربة على تلك الفكرة وكانت النتائج مذهلة، وأثبتت جدارتها في الحرب الفعلية؛ حيث استطاع سلاح المهندسين فتح 70 ثغرة في الساتر الترابي بكل منها 1500 متر مكعب، خلال سويعات، وبعدها مباشرة قام سلاح المهندسين ببناء: 10 كباري ثقيلة لنقل وعبور الدبابات والمدافع والمعدات الثقيلة، و5 كباري خفيفة حتى يمكنها أن تجتذب نيران العدو وبالتالي تخفف من هجوم العدو على الكباري الرئيسية وهي مشابهة للكباري الثقيلة، ولكن حمولتها 4 طن فقط، كذلك 10 كباري اقتحام لعبور المشاة، وتجهيز وتشغيل 35 معدية نقل عبر القناة، وتم كل هذا تحت قصف أسلحة العدو، وبعون من الله تم عبور خط بارليف أكبر مانع مائي في التاريخ وانتصرت القوات المصرية وأصدرت القيادة العامة بيانًا عسكريًا يلخص الموقف العسكري صباح يوم 24 أكتوبر 1973.


 


لقد أذهلت تلك العبقرية العسكرية الإسرائيليين؛ لدرجة أن قالت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل: "ليت الأمر اقتصر على أننا لم نتلق إنذارًا في الوقت المناسب، بل إننا كنا نحارب على جبهتين في وقتٍ واحد، ونقاتل أعداءً كانوا يعدون أنفسهم للهجوم علينا من سنين". كما قالت: "سأظل أحيا بهذا الحلم المزعج لبقية حياتي، ولن أعود نفس الإنسانة مرة أخرى التي كانت قبل الحرب". 


 


لقد غيرت حرب أكتوبر الفكر العسكري الحديث، وأصبحت عملية العبور مرجعًا أساسيًا لكل الجيوش العالمية الحديثة، ويصف المؤرخ العسكري البريطاني إدجار بولانس عملية العبور "بأنها كانت معجزة عسكرية مكتملة الأركان".


 


كم أشعر بالعزة والحماسة والفخر كلما قرأت وشاهدت ما يعيد إلى وجداني ذكرى أيام المجد والنصر، تلك الذكرى التي تزيدني زهوًا بجيش مصر العظيم وجنوده البواسل وقادته أصحاب الهمة والمهابة والعبقرية والعزم.


 



كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة