راديو الاهرام

محمد الشاذلي يكتب: نجيب محفوظ والصحافة (4 - 4)

29-9-2021 | 20:56

وقَّعَ الأستاذ نجيب محفوظ في شهر فبراير 1973 في مكتب الأستاذ توفيق الحكيم في "الأهرام" على بيان الكتاب والمثقفين الذي يطالب بإنهاء حالة اللاحرب واللاسلم، وتم فصل الموقعين على البيان من وظائفهم، بينما توقف "الأهرام" عن النشر لمحفوظ من دون فصله من العمل، حتى يوم 10 أكتوبر عندما نشر مقالًا في الصفحة الأولى بعنوان "عودة الروح"، وكان ذلك في اليوم الخامس لحرب أكتوبر المجيدة.

وشارك محفوظ ولم يتعاقد "الأهرام" معه بعد في أحداثه الكبرى، مثل افتتاح المبنى الجديد للأهرام سنة 1969، والذي حضره الرئيس جمال عبدالناصر، وكما هو معروف فإن عبدالناصر سأله: "لماذا لا نقرأ لك بقالنا مدة؟"، فرد هيكل بأن له قصة منشورة غدًا الجمعة "تودي في داهية"، فرد عبد الناصر دفاعًا عن محفوظ: "توديك إنت في داهية".

كما شارك محفوظ كأحد كبار الكتاب في لقاء نظمه الأستاذ محمد حسنين هيكل مع العقيد معمر القذافي في "الأهرام"، وطرح محفوظ فكرة التفاوض مع إسرائيل إذا لم نستطع خوض الحرب.

وظل محفوظ على علاقته المنتظمة بـ"الأهرام" ينشر غالبية ما يكتبه طوال عقد السبعينيات من أعمال أدبية، مثل "أهل القمة" و"الحب فوق هضبة الهرم" و"الباقي من الزمن ساعة" وغيرها، وساهم في القضايا العامة من خلال "المفكرة" ثم "وجهة نظر" التي ظل يكتبها لعشرين عامًا متصلة.. ومن بين أعمال السبعينيات التي نشرت خارج "الأهرام" كانت "ملحمة الحرافيش" في مجلة "أكتوبر" بحيلة من الأستاذ أنيس منصور، ثم رواية "ليالي ألف ليلة" في جريدة "مايو" الناطقة بلسان الحزب الوطني.

كان محفوظ يذهب إلى "الأهرام" كل خميس في تمام التاسعة صباحا، ويصعد إلى مكتبه في الطابق السادس، ويتشارك غرفة المكتب مع الدكتور حسين فوزي والدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، ولكنه يمضي معظم الوقت مع صديقه الحكيم في الغرفة المجاورة..

ولم يرو أحد مثل زميلنا سيد محمود قصة نجيب محفوظ في "الأهرام"، بداية من خطاب هيكل لمحفوظ الذي يرسم العلاقة التعاقدية بين محفوظ و"الأهرام" في نموذج نادر لتقدير الأدباء، واعتراف الصحيفة العريقة بالامتنان والسعادة؛ حيث يتيح انضمام محفوظ لقرائها المصريين والعرب متابعة "كاتب كبير وصاحب مدرسة جديدة في القصة، تتميز بنظرتها الاجتماعية الناقدة".

ونشر سيد محمود وهو أحد أهم محرري الثقافة على اتساع الوطن العربي كله في مجلة "الأهرام العربي" تحقيقًا وثائقيًا بديعًا من ملف خدمة محفوظ في "الأهرام"، كل ما يتعلق بالأديب الكبير منذ لحظة التفكير في نشر أعماله في الصحيفة حتى وفاته مرورًا بجائزة نوبل.

وكان محفوظ قدم هبة مالية لبريد "الأهرام" لإنفاقها في وجوه الخير، هي تقريبا نصيبه من مال الجائزة بعد توزيعه بالتساوي مع زوجته وكريمتيه، على أن يكون الباب الأول لصرف عائدها هو الهلال الأحمر الفلسطيني، كما جاء في تحقيق "الأهرام العربي".

وبعد حصوله على جائزة نوبل في أكتوبر عام 1988 قرر رئيس تحرير الأهرام الأستاذ إبراهيم نافع فتح غرفة الحكيم الذي توفاه الله قبل الجائزة بأشهر معدودات، لمحفوظ حتى يستقبل زواره، وقرر أيضًا تكليف الأستاذ فتحي العشري مساعدة محفوظ في تنظيم لقاءاته ومراسلاته، لكن محفوظ لم يجلس على مكتب الحكيم أبدًا، وظل يجلس على المقعد المجاور، هو الذي قال لو أن الحكيم كان على قيد الحياة عند إعلان نوبل لكنت في قمة الحرج.

وفيما بعد محاولة اغتياله رفض محفوظ تقاضي راتبه في "الأهرام" وأملى على الأستاذ محمد سلماوي (حوارات نجيب محفوظ ـ مركز الأهرام للنشر 2015)، خطابًا إلى رئيس التحرير قال فيه إنه يرغب في أن يتحول مقاله الأسبوعي إلى حوار يجريه معه سلماوي أسبوعيًا، وحدد محفوظ لسلماوي السادسة من مساء كل سبت في منزله بالعجوزة، وظلت اللقاءات تتوالى على مدى 12 عامًا حتى رحيله.

كما أن "الأهرام" أسند مهمة قراءة الصحف يوميًا لمحفوظ إلى الرجل دمث الأخلاق الحاج صبري السيد؛ حيث كان يذهب إليه في منزله بالعجوزة، والذي أملى عليه الأستاذ بعضًا من "أحلام فترة النقاهة" التي لم يستطع كتابة معظمها، لأن الأحلام الأولى كتبها بنفسه لمجلة "نصف الدنيا".

وإذا كان محفوظ نفسه قال لي يومًا إنه مدين للسينما بشهرته الواسعة في أوساط العامة فإنه قال لسلماوي إنه مدين لـ"الأهرام" بالكثير من جماهيرته "لما قدمه لي من فرصة للانتشار بين قطاع كبير من القراء لا يشترون الكتب".

ظل محفوظ مدينًا للأهرام ولهيكل، وكان يوزع أيام الأسبوع من الأحد إلى الخميس على أصدقائه، وكل مجموعة تقريبًا متجانسة فكريًا، وقد شن بعض مريديه في شلة شبرد المعروفة بعدائها للناصريين والتي تجتمع كل أحد، هجومًا على هيكل.

ومن كتاب إبراهيم عبدالعزيز "ليالي نجيب محفوظ في شبرد":

يرد نجيب: هيكل عالمي.

الكفراوي: أنت رمز ولا يجب أن يلبسوك العصر الناصري فما الذي يربطك بعصر الهزيمة؟.

نجيب: هيكل له أكبر أثر في حياتي، نشر لي في "الأهرام"، بعدما كنت مقروءًا في حدود طبعة "السحار" وصلت للجماهير.

الكفراوي: أنت في حجم عبدالوهاب وأم كلثوم، بل وأكبر من ذلك، وحين حصلت على نوبل كانت الناس تبكي من الفرحة، فأدبك هو الذي أعطاك وليس هيكل.

د. فتحي: ووجودك في "الأهرام" كان مكسبًا لـ"الأهرام".

قلت: وجماهيريتك جاءت من السينما.

نجيب: و"الأهرام".

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة