آراء

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم ( 2-2)

29-9-2021 | 13:54

(7)

جاء العبارة الأخيرة في مقال الأسبوع الماضي تحمل جينات هذا المقال «وأفيق من اللحظة الراهنة التي استغرقتني وامتدت سنوات وسنوات من العذاب والعذوبة.. لأجد نفسي أمام مكتب قالوا لي إنه مكتب رئيس  قناة النيل الدولية «تغريد حسين». 
 
وقد ساءلت المشهد: إذن هي المايسترو.. أليس كذلك.. ؟!
نلتمس التجلي الإعلامي ليطفئ علامات استفهام كانت تشاغلني طويلا .. لابد ان هناك رؤية ورؤيا.. ولابد أن هناك أدوات ووسائل.. ولابد أن هناك تشكيلات تقنية وإنسانية.. لابد وإلا ما هذه الدلالة التي يستشفها من يتابع ويرصد ويواكب ويرقب وينظر ويناظر وهو يحلل بحيادية عبر منهج جمالي. 
 
أقول إن هناك روحا تهيمن على خيوط القناة وخطوطها  وتبث فيها الحيوية، ولابد أن ثمة ملامح دقيقة الثقافة، ومعالم أنيقة الفكر، فيمن يقود هذه المعزوفة النيلية الدولية، والتي بطبيعة الحال ليست وليدة اللحظة، إنما داخل النسق التليفزيوني لتسلسل الأجيال. 
 
 استطاعت قناة النيل الدولية أن تجادل وجدان العالم وتحاور الذائقة العالمية، على الرغم أن المزاج  العام العالمي صارت متغيراته أكثر من ثوابته، ومن ثم - وعبر الإحصاء الذي قمت به مؤخرا والاستقصاء المرئى - فإن هذه التغريدة المصرية  تتخذ من الصورة غوايتها المشروعة، وتستعين من الصوت بذبذباته الهادئة، وتتحلى من الهيئة بجمالياتها ذات السمت المصري، لتتجلى تعادلية«الإنفعال على قدر الحدث».


 (8) 
«تغريد حسين».. اسم برق قبل عشر سنوات في ذاكرتي المسكونة بألوف الأسماء، والمشحونة صحفيا إذاعيا وتليفزيونيا  بقوائم لا أول لها ولا آخر - ولا أقول «إعلاميا» فكلمة إعلامي لا معنى لها ولا حتى ترجمة، فهي كلمة مغرضة، وكل من هب ودب صار إعلاميا وتسأله : بأمارة إيه انت إعلامي؟!! فلا تجد إلا الإفلاس الفكري - ولهذا ملف ساخن وسياق عنيف - مع أننا في عصر من أكبر عناوينه أنه عصر الإعلام، لكن ليس الإعلام بالمعنى المتداول عندنا خاصة، وعند أمة العرب عامة..!.
 
أستدعي حديثا لأستاذتي «حسن شاه» الصحفية والكاتبة والناقدة الفنية القديرة، رحمها الله، عن الجيل الذي تخلقت منه «تغريد حسين» وكيف سيكون لها بعد حين، بصمة كمذيعة تخاطب العالم، لاسيما أن المهاد الذي تشكلت فيه مهاد تليفزيوني فوالدتها المخرجة عائشة عبد الفتاح، من رواد الإخراج في ماسبيرو..  تذكرت، والذكرى تنفع الصحفيين والكتاب أيضا، رغم أن الأحداث استهلكتنا والحوادث تجاذبتنا في المجتمع الذي حاول طويلا الإقلاع من أوجاعه المحتلة كيانه وأوضاعه المختلة، منذ قبل عشر سنوات تقريبا، لعل وعسى، ذلكم لأن مجتمعنا المصري يشبه صفحة النيل في سطحها المنساب بهدوء بينما الغليان بداخله والفوران في أعماقه، على العكس من المحيط سطحه يمور مورا لكن داخله كمون وسكون إلا قليلا.. !.
 
   (9)
أحيانا كثيرة أطلب اللجوء إلى القناة «الصديقة» التي تقدم فكرا آخر للعالم، وصورة أخرى لمصر، لا تعرض  جمالياته الوسائل الأخرى التي تضخم الذات، وبشكل أكثر مما ينبغي.
 
وأنا أبحث عن ما وراء الأشياء، أشاهد وأتابع برامج من قبيل: The Daily Debate الحوار اليومي حواري سياسي.. Exclusive حصريا قامات مصرية ودولية.. Bonjour  Breakfast show برنامج صباح الخير من مصر باللغتين.. Bella Egypt سياحة.. Story of Success قصة نجاح نماذج مصرية متفوقة.. Egyptian vision رؤية مصرية.. Cairo local time بتوقيت القاهرة..  الأحداث الجارية على أرض مصر.. Nostalgia أغنيات عالمية.. Cultural Magazine المجلة الثقافية وقوة مصر الناعمة.. Scoresheet المشهد الرياضي، وغير ذلك من البرامج. ومن أهم الشخصيات التي تابعت حواريتها مؤخرا: جيرمي هوبكنز ممثل اليونيسيف بمصر.. د. باسل الخطيب المدير الإقليمي لليونيدو..  بيتر سيارتو وزير خارجية المجر..  سكرتير عام منظمة المدن والحكومات الأفريقية..  الأمين العام لمؤتمر بناء الثقة في آسيا.. رئيس منظمة التعاون الإسلامي للأمن الغذائي. عادل العسومي رئيس البرلمان العربي.. والعديد من سفراء الدول الأجنبية ضيوف دائمة.
 
نعم.. من الأجمل أن ترى نفسك في عيون الآخر، فأنت لا تعيش بمعزل عن العالم ولابد أن تتجادل معه، خاصة أن لدينا تخمة محلية من برامج القنوات الفضائيات إياها التي تعاني من تضخم الذات وتضخيمها، وبشكل أكثر مما ينبغي، فهي تعرض صورا شاهدناها من قبل آلاف المرات، ولا تسير بنا في طريق تعبنا بل مللنا من السير فيه.
 
 (10)
 الحوار بين صحفي وصحفي مشكلة.. لماذا؟ لأن كل طرف يعرف أسرار اللعبة الحوارية، كيف يحاور، ومتى يصمت، و لماذا يباغت، ومتى يستفز، والاستفزاز فلسفة قوية لها أصولها.. ولولا الاستفزاز لصارت الحياة باردة جامدة راكدة، لا روح فيها ولا حياة ولا حيوية.. من أجل ذلك، استعنت في حواريتي الصحفية والقلمية مع «تغريد حسين» كرئيس قناة النيل الدولية، بشواهد برامجية دالة ومشاهد مرئية ماثلة. 
 
(11)
استقطبتني في هذه الجدلية عدة أمور:
أطفأت غابة من ثقافة الأسئلة، والسؤال نصف الجواب، وفعلت كما تفعل الشمعة، بقدر ما تضيء مساحة حولها، فإنها تكشف مساحة أوسع تحتاج طاقة ضوئية مضافة إلى إمكانيات جديدة وجريئة وجديرة بالطرح، لينتشر ضياء التغريدة النيلية أكثر وأوسع، وتتوهج الترنيمة المصرية الفضائية، بمراياها المتجاورة وأبعادها المتحاورة، وهذا ما كنت أدعو إليه في مقالاتي وانا خارج مصر 30 عاما.
 
هذه واحدة، والثانية، أن تغريد حسين تعتز بأنها «مذيعة» على الرغم من كثرة المناصب التي تشغلها، هي الآن وكيل وزارة الإعلام، ورئيسا لقناة النيل الدولية، وسكرتير عام اتحاد الإعلاميين العرب، وأنها أكاديمية تحاضر في رحاب الحرم  الجامعي وهيئات إعلامية متباينة، ومثل هذا الاعتزاز يؤكد أن بصمة العقل والفكر  هي الأبقى والأطول عمرا، وتتماهى مع ما كان يقوله  أستاذنا  مصطفى أمين: أنا «المحرر» مصطفى أمين، سمعت ذلك بنفسي، وهو الذي خرجت من معطفه الصحافة العربية، وكما كان استاذنا محمد حسنين هيكل يفخر بقوله (أنا جورنالجي).
 
والثالثة.. انها تحمل منظورا استشرافيا لـ (الآتـي) على ضوء (الآنـي) وقليل من الماضي رغم ثرائه، تمزج بين الأمس واليوم وغدا في منظومة باسم صوت مصر وصورتها في عيون العالم، تقول «يجب أن يكون إعلامنا سابقا بخطوات وله دور استباقي في مواجهة وسائل الإعلام المعادية» ومن ثم يتجلى إنكارها للذات وتفاعلها مع فريق العمل بالقناة في خصوصيتها، وتكاملها مع المنظومة النيلية في كليتها، لمست بعد ذلك إن روح الفريق هي المهيمنة، «الجميع يدهم في يدي باعتباري أول رئيس قناة من أبنائها».
 
(12)
 الطموح .. «مانشيت» عريض بلغة الصحافة، لمنظور تغريد حسين، وهو غير التطلع، لأنها تتألق في القناة منذ حوالي ثلاثة عقود أى منذ انطلاقتها، وأهل القناة أدرى بإرسالها « لي الشرف أني شاركت في تأسيس هذه القناة»
على أن الطموح لديها يتجاور مع الحلم ويتحاور معه ليكسر أفق التوقع، حتى تتحقق  معادلة مطابقة التصور للتصديق،  فهي تحلم أن تضيف للقناة عددا من اللغات منها الألمانية والصينية والروسية بجانب   الإنجليزية والفرنسية، « وهو ما أسعى  له كي نخاطب الآخرين بشكل أوسع»..
 
 وهنا لطيفة من لطائف رئيس قناة النيل الدولية، التي تعمل مع فريقها على توسيع الشبكة، لكن بالتأكيد ينقصهم الدعم اللوجيستي لمواكبة العصر في الجانب التكنولوجي.. فإن الجميل ان البديل لديها فيه جاهزية فلا يتوقف عمل جماعي على عنصر واحد، «نستعيض عن ذلك بالتصوير الخارجي في أجمل المناطق بعيدا عن الاستديوهات». 
 
(13)
لدى تغريد حسين، رئيس قناة النيل الدولية، الكثير والمثير والجديد والجدير بالاستحقاق.. ومشروعها يتداخل فيه الذاتي بالموضوعي ، والخاص بالعام، والتشكيل بالدلالة، والرؤيا بالرؤية. والأحادي بالجمعي.. ومصر بالعالم.. والنيل بالأرض بالفضاء بالحب بالسلام.. وسلام قولا من رب رحيم..!.

 

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د مجدي العفيفي يكتب: الذي هو أنت ومنك وإليك

عبارة رائعة ومروعة في بلاغتها الصحفية، وفي كثافتها الفكرية، وفي سعتها المجتمعية، تجذرت في نفسي وقد زرعها في تكويني أستاذنا مصطفى أمين، وأنا في مقتبل العمر

د.مجدي العفيفي يكتب: ولا تزال البقية تتجلى عليها..!

اغتصبتها الدنيا كثيرا.. فكانت تقاوم بشق النفس.. راودتها الأيام عن نفسها.. فكانت تستجيب إلا قليلا.. تقاذفتها الأيام على أمواجها..

د. مجدي العفيفي يكتب: نفحات من نار .. ولفحات من نور..!

يحكى أن أهل قرية ذهبوا لصلاة الفجر ولم يعثروا على المؤذن، فأذن أحدهم وقاموا وصلوا وبعد بزوغ الشمس أتى المؤذن مهرولًا نحو المسجد وعندما سألوه عن سبب التأخر

د. مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (3 - 3)

و... في هذه المسافة بين نقد الذات وجلد الذات يتحرك دائما فريقان متضادان، لا يجتمعان ولا يتقابلان، لكن لابد منهما معا، كواحدة من الثنائيات المتعارضة في الحياة وطبيعتها التي تحير ذوي الألباب.

د. مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (2 - 3)

مزعجة إلى حد التقزز الفكري.. ومثيرة إلى حد الغثيان النفسي.. تلك البوستات والكتابات المنتشرة على العديد من صفحات ومواقع الميديا من فيس بوك، وتويتر، وواتس

د.مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (1 - 3)

قال لي صاحبي وهو يحاورني، وكان له ثمر من مجموعة جروبات في الواتس والميديا، يتكسب منها بصورة أو بأخرى، ويتخيل أنه أيضًا أكثر مني مالًا وأعز نفرًا، فهو يستثمر،

د. مجدي العفيفي يكتب: حتى لا تضيع التغريدة المصرية...!

عنوان هذه الكتلة السردية الإعلامية، التي ستقرأها بعد سطور، صاغه أستاذ حقيقي للإعلام، صناعة وصياغة، ورؤية ورؤيا، وتنظيرا وممارسة، وبذلك تضيق الهوة بين التصورات

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم (1-2)

ليس فقط، لأنها تدثر نفسها وحسها وحدسها باسم النهر الخالد في سياق المنظومة النيلية الإعلامية، التي تنساب كصفحة النيل الجميل منذ العام 1994.. وليس فقط،لأنها

إن العيون التي في طرفها «جراحة» (3-3)

ما إن أذن الله تعالى بإزالة الغشاوة التي حالت دون الرؤية إلا قليلا، حتى تضرع القلب إلى المنعم العظيم أن لا يُحرم أحدٌ سواء من المحبين والمحبوبين أم من

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (2-3)

قلت في الجملة الأخيرة من النظرة السابقة، إنني حاولت - أثناء استسلامي للطبيب اللبيب وهو يحاور ألمي في العيون التي في طرفها نزيف - أن أحقق معادلا موضوعيا

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (1-3)

العين.. وما أدراك ما العين.. سبحان الذي أحسن كل شيء خلقه صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.. بلى.. حسب العين أنها آية من آيات الله.. إذن فلا

ومضة نور في طريق مـظلم

الساعة تدق الثالثة صباحًا.. الشوارع خالية.. إلا قليلًا.. طائر الفكر يسري على جناح الليل، والليل صديق..

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة