راديو الاهرام

شريف عارف يكتب: ضحكات ناضجة .. وأفكار لن تموت

28-9-2021 | 17:05

قالوا قديمًا إن الشعب المصري، هو شعب «ابن نكتة»، ساخر بالفطرة من كل شيء، ويحول غضبه وأزماته إلى نكات ساخرة!
هذا هو السبب فى بقاء «النكتة» عمومًا والسياسية على وجه الخصوص عبر الزمان، ولكن الوضع يختلف إلى حد كبير مع فن «الكاريكاتير»، فالنكتة هي مقولة «يتيمة» أو مجهولة النسب، تنتقل بين الناس وتنتشر بسرعة البرق، دون أن يدري أحد ما هو مصدرها أو حتى بؤرة انطلاقها!

أما الكاريكاتير فهو فن «موثق» قد يكون بلا توقيع ولكن ناشره لا يستطيع أن يتهرب من المسئولية حتى وإن حاول أن يفعل ذلك! وهذا سر عظمة هذا الفن العريق، فصاحبه غالبًا ما يكون صاحب رأى.. مفكرًا.. ناقدًا للأوضاع المحيطة به..  فنان الكاريكاتير المبدع جمعة فرحات، الذي رحل عن عالمنا قبل أيام، يمتلك من الأسلوب فى الحديث، ما يفوق روعة ريشته، فهو يمتلك ابتسامة صافية تعبر دائمًا عن التفاؤل.. إضافة إلى آرائه الخاصة التى لا تقل صراحة عن رسومه!

جمعة فرحات واحد من جيل الرواد في فن الكاريكاتير بمصر، عرفته عن قرب وأجريت معه حوارات طويلة.. واستمتعت بفنه وقفشاته وضحكاته كما استمتعت لسنوات طويلة برسومه الساخرة.

"جمعة" واحد من الجيل الذي خاض معركة الوطن بريشته وقدم صورة للمجتمع بشكل بليغ لا يقل عن قوة مقالات كبار الكتاب.
بين خطوط ريشته المتمكنة ولسعات تعليقاته المسكونة بهموم وأفراح المصريين..

والمتتبع لتاريخ فن الكاريكاتير يجد أن بعض الرسامين كانوا يملكون القدرة على تحدى السلطة، والإعلان عن هويتهم السياسية، كالفنان الرائد «رخا»، الذى قضى 4 سنوات من عمره خلف القضبان، بتهمة العيب فى الذات الملكية، أثناء فترة حكم الملك فؤاد. ومنهم من «تحايل» فى العصر الذهبى للرقابة على الصحف لظهور رسومه دون أن يمسها مقص الرقيب!

فى كل عصر كانت هناك «كتيبة» من رسامى الكاريكاتير، فقبل ثورة يوليو كانت رسوم «رخا» والأرمنى «صاروخان» و«عبد السميع» تستطيع أن تسقط حكومات، أو أن تكون أفكارها مشروعًا لخروج الطلبة فى مظاهرات تجوب شوارع وميادين مصر تطالب بالاستقلال.

وبعد الثورة ظهرت «كتيبة» ثانية، استطاعت أن تحدث نقلة كبيرة فى فن الكاريكاتير.. هذه الكتيبة ظهرت عام 1956 مع ظهور مجلة «صباح الخير» أو كما يطلق خريجوها على أنفسهم بالقول «دفعة 56». كانت كتيبة رائعة بكل المقاييس أبدعت وتغنت بحب مصر، وآمنت بمبادئ الثورة الستة إيمانا مطلقًا لا حدود له.. ضمت الكتيبة صلاح جاهين، حجازى، جورج بهجورى، ورجائى وإيهاب وبهجت.

سرعان ما أفرزت الكتيبة «الثانية» براعم جديدة استطاعت أن تحدد لنفسها أسلوبها الخاص، الذى يميزها عن بقية أفراد الكتيبة. ومن هذه البراعم الفنان «جمعة» فرحات صاحب الريشة المميزة، وأحد أفراد الكتيبة الثانية فى تاريخ فن الكاريكاتير المصرى.
كانت لجمعه فلسفته الخاصة، فهو يرى أن رسام الكاريكاتير هو «مفكر» سياسى بالدرجة الأولى يستطيع أن يفصح عن وجهه نظره بفكرة قوية وخطوط بسيطة.

على مدى 45 عامًا عمل «جمعة» رسامًا للكاريكاتير فى معظم الصحف المصرية، وكان شاهدًا على معظم التحويلات التى شهدها المجتمع المصرى فى أزماته ونكباته وانتصاراته.

سألته يومًا ..لماذا اختفت صناعة «النجوم»؟ ..فأجاب: السبب الرئيسى هو عدم وجود من يفتح الباب أمام المواهب.. يكفى أن اقول لك أن مجلة كروزاليوسف أو صباح الخير كانت مصنعًا للنجوم، ليست ثقافة مجتمع فحسب، ولكن استعداد مؤسسي لإنتاج نجوم وفنانين علي درجة عالية من الجودة والاتقان. وخير مثال الابواب التى كانت مخصصة لذلك، فحتى التسعينيات من القرن الماضى كان فى «صباح الخير» بابًا تحت عنوان «نادى الرسامين»، وهو أعظم نافذة للمواهب كانت موجودة في هذا التوقيت.. للأسف مثل هذه الأبواب اختفت الآن.

"جمعة" رحل عنا وعن عالمنا.. ولكن أعماله وأفكاره لن تموت..

سلامًا إلى روحك يا جمعة..

[email protected]

نقلاً عن الأهرام المسائي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
شريف عارف يكتب: روح لا تنام.. وبطولات لا تموت

بعد ساعات قليلة، من عبور قواتنا المسلحة للمانع المائي لقناة السويس في حرب أكتوبر المجيدة، كتب الأديب الكبير توفيق الحكيم في صحيفة الأهرام يقول: عبرنا

شريف عارف يكتب: مائة عام من "العبث"

قد يكون مسلسل الاختيار بأجزائه الثلاثة، قد ساهم في عملية توثيق جرائم جماعة الإخوان خلال الألفية الثالثة، لكنه لم يغير شيئاً - في وجهة نظري- تجاه الحكم الذي أصدره الشعب المصري في 30 يونيو 2013

شريف عارف يكتب: عام "الحماقات" !

ربما طرحت حلقات مسلسل الاختيار 3 مزيداً من التساؤلات حول جماعة الإخوان وعلاقتها بالفكرة الوطنية عموماً، إلا أنها دفعت بالسؤال الأكبر والأهم، وهو هل الإخوان فصيل وطني فعلاً

الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة