أخبار

مصر الحديثة.. كيف وصلت إلى مرحلة تصدير المناهج الدراسية عربيًا وإفريقيًا؟ | تقرير

28-9-2021 | 17:15
نموذج للمناهج الجديدة
Advertisements
أحمد حافظ

قبل 4 سنوات تقريبا، كانت المناهج الدراسية تخاطب الماضي، وبعضها اختزل التعليم في الحفظ والتلقين والمعارف السطحية وكيف يصل الطالب في المرحلة الابتدائية إلى مرحلة القراءة والكتابة والحساب، بغض النظر عن المضمون، ما انعكس على شخصية الطلاب أنفسهم، وصاروا أقرب إلى عقلية الموظف الروتيني.

أدركت وزارة التربية والتعليم خطورة الاستمرار على نفس الوتيرة. فالعالم يسابق الزمن لتكريس التعليم المستقبلي الذي يُصدّر خريجين يكونون قوة بشرية ينفعون أنفسهم وبلادهم، فيما كانت مصر تنظر إلى الوراء. لا مناهج عصرية، ولا طرق تعليم معاصرة، ولا أساليب تقويم مناسبة للتقدم العلمي.

كان حجر الأساس الأهم في نسف هذه المنظومة، أن يقوم مركز تطوير المناهج بقيادة الدكتورة نوال شلبي، بإعداد مناهج جديدة، بعقلية مختلفة، تنمي المعرفة والمهارة والوعي وتغير الثقافة والفكر وتضع الأجيال الصاعدة على المسار الصحيح. جاءت البداية بمرحلة رياض الأطفال، واستمر التطوير تباعا، حتى وصلت وزارة التعليم إلى الصف الرابع الابتدائي.

قبل ثلاث سنوات تقريبا، انتشر فيديو على منصات التواصل الاجتماعي لمجموعة من طلاب المرحلة الإعدادية، وهم يجيبون على أسئلة في برنامج تليفزيوني حول ما يعرفون عن مصر. كم محافظة، وما اسم العاصمة، وبماذا تشتهر كل منطقة، فكانت الإجابات كارثية، بشكل يعكس جهلهم بالحد الأدنى من المعلومات، وحينها أبدى الدكتور طارق شوقي وزير التربية والتعليم، انزعاجه من وصول الطلاب لهذه المرحلة من الخواء الفكري والعلمي، وتعهد بنسف المنظومة لتصل مصر وطلابها إلى المكانة المستحقة تعليميا. 

قطعا، كان هؤلاء الطلاب ضحية نظام التعليم القائم على منهج يخاطب الحفظ، وأسلوب تعليم يعتمد على القراءة والكتابة لا أكثر، وأسلوب امتحانات من السهل أن يعبرها الطالب بأي وسيلة كانت، سواء يستحق النجاح أم لا، ومن هنا كانت البداية. كل شيء يُنسف، قبل أن يكون التعليم في مصر، مصدرا للأمية وتغييب الوعي.

ولأن الكثير من أولياء الأمور اعتادوا على مناهج دراسية بسيطة وسهلة، وربما روتينية، وجدوا أن مجرد التغيير إلى الأفضل، يعني التخريب، دون إدراك لأن العالم يتغير، وهناك دول تنسف مناهجها الدراسية وفق متطلبات العصر، لأنها ليست دستورا، بل إن تطويرها وعصرنتها، انعكاسا لتقدم وتحضر هذه الدولة.

كان بديهيا، أن تساير وزارة التربية والتعليم، التنمية التي تقوم بها الدولة في كل المجالات، فلم يكن منطقيا أن تظل المناهج الدراسية تخاطب الماضي، في حين أن الدولة تريد القفز إلى المستقبل، حتى جاءت الإستراتيجية متوازنة بين ما هو مطلوب فعله ليتواءم الخريج المعاصر مع مشروع بناء الإنساني المصري.

نجحت وزارة التعليم في المهمة، خلال الصفوف الأربعة الأولى مع رياض الأطفال، ليس بشهادة متخصصين محليين، بل منظمات وحكومات دولية، وعربية وإفريقية، وظهر ذلك في تقدم بعض البلدان المجاورة، بطلب رسمي لتدريس المناهج المصرية الجديدة في مدارسها، وبينها اليمن وليبيا والصومال وكينيا وغيرهم.

ليس هذا فحسب، بل إن مؤسسات عالمية مشهود لها بالشفافية، مثل البنك الدولي ومنظمة اليونسكو، اعتبرت أن ما يحدث في المناهج المصرية من تطوير، خلال هذه الفترة الوجيزة، بمثابة الحدث الفريد الذي يستحق الثناء والإشادة، ودعت باقي الدول النامية للاستفادة من تجربة مصر، كيف بدأت واكتملت.

لكن: لماذا طلبت بعض الدول استيراد المناهج المصرية؟. الإجابة ببساطة تكمن في المحتوى المعاصر، والجهد الحاصل في كل تخصص، فضلا عن كون مصر من البلدان العربية القليلة التي أقدمت على نسف الماضي وتحركت وفق مستجدات العصر، واحتياجات المستقبل، فكانت بالنسبة لهذه الدول "شيئا فريدا من نوعه".

الشق الآخر، أن المناهج الجديدة، لاسيما في الصف الرابع الابتدائي، تتوازن بين المعارف العلمية المرتبطة بالبيئة والثقافة الشرقية والإفريقية، وبين المعارف المطلوب أن يكتسبها الطالب العربي عموما باعتبارها ضرورة ملحة مستقبلا، أيّ أنها ترسخ في ذهن المتعلم، فكرة التنوع الفكري والثقافي، لا محدودية الوعي.

الشق الثالث، يرتبط بأن المناهج الجديدة ليست معقدة ولا روتينية، بل إنها تميل إلى التشويق والإثارة، وتعتمد بشكل أكبر على الأسلوب القصصي الذي يتناسب مع المرحلة العمرية للطفل، ثم تتطور في الصف الأعلى بنفس المنوال، ليكون هناك ترابطا وتكاملا، بين ما درسه في الصغر، وما يدرسه مستقبلا.

بالنظر إلى كتاب اللغة الإنجليزية  للصف الرابع الابتدائي، مثلا، فإنه يدعم مهارات المتعلم فى التعبير عن ذاته بالتكامل بين مهارات اللغة المختلفة. فالطفل يستمع ويقرأ عن موضوعات شيقة ترتبط بحياته الواقعية ومحيطه القريب وترتبط بالمواد الدراسية الأخرى فى ذات الوقت.

هكذا تدور باقي المواد تقريبا، كل مادة تخدّم على الأخرى، فلا انفصال بينهم، بل إن المناهج الحديثة بطريقة العرض وأسلوب المحتوى، تدفع الطالب للبحث والاستقصاء مدفوعا بالتشويق وإثراء المعلومات، وهو ما يترتب عليه أن يكون المتعلم فاهما وليس متلقنا، ومن ثم يكون سهلا عليه أن فهم نواتج التعلم. 

ولأن المجتمع يعني أزمة في مسألة الحريات الشخصية واحترام الآخر، وهناك شعور متزايد باختلال مفاهيم القيم عند البعض، ارتأت وزارة التعليم أن يكون هناك منهجا مخصصا لمعالجة هذا الخلل، بحيث لا تنتقل نفس الموروثات المجتمعية إلى الأجيال الصاعدة وتتولى المناهج مسؤولية تقويم السلوك.

كيف حدث ذلك؟. ببساطة شديدة تم إدخال منهج القيم والأخلاق ليعرف كل طفل، كيف يكون سويا مع نفسه وأسرته وبيئته ومجتمعه، فالطفل في بادئ حياته يكون أشبه بالعجينة التي يسهل تشكيل فهمها ووعيها وشخصيتها، وعلى هذا الأساس تم الاتفاق على تشكيل شخصية الجيل الجديد بشكل احترافي.

في المنهج الجديد، يتعلم الطفل معنى الاختلاف، وأن الأصل في المجتمع هو التنوع، ولكل شخص حقوقه وواجباته، ويتعلم التسامح والمودة مع الآخرين، بغض النظر عن اللون والدين والمستوى الاجتماعي، ويدرك جيدا كيف يتجنب أن يكون عنصريا ومتنمرا، ويعرف بأي طريقة وأسلوب يحترم ذاته والآخرين.

لم تغفل المناهج المعاصرة، تقديم القدوة الحسنة والمثل الأعلى للطلاب، فالكثير من الأبحاث الاجتماعية حذرت من خطورة تهاوي صورة القدوة في نظر الصغار والمراهقين، وهو ما أدركته وزارة التعليم، فقدمت للطلاب الجدد، أمثلة فريدة في كل التخصصات، فمن يريد أن يمتهن الطب، سيجد نفسه يدرس قصة جراح القلب العالمي مجدي يعقوب، ومن تستهويه الهندسة سيعرف قصة المهندس العالمي هاني عازر، وهكذا.

ظلت المناهج المصرية على مدار عصور طويلة مضت تفتقد لفكرة الإلهام، وهو ما استجد على أغلب الكتب الجديدة. والميزة الأهم، أن العبرة لا تكون في التركيز على الشخص القدوة كنوع من التجميد في ذاته، بل المضمون والهدف والرسالة، بشكل يزيد الوعي والثراء المعرفي ويغذي الطموح ويدفع كل متعلم، لأن يحلم بأن يصل إلى مكانة الشخصية التي يقرأ عنها، من شدة التأثر بتجربتها.

الميزة الأخرى في المناهج، أن كتاب اللغة العربية للصف الرابع الابتدائي مثلا، جاء امتدادا لما درسه الطفل في الصفوف السابقة، بشكل يجعل هناك تكاملا بين مهارات اللغة، على مستوى (الاستماع – التحدث – القراءة – الكتابة) من خلال محتوى شيق وممتع، يتناسب مع خصائص التلاميذ، ويرضي ميولهم، كافة.

يمكن لأي شخص أن يقارن بين هذا الكتاب، ونظيره القديم، وسيكون من السهل اكتشاف التطور الهائل في المستوى وأسلوب العرض، بين تنوع النصوص المعلوماتية، والقصص، والشعر، واستطاعة الطفل أن تزيد مهارات اللغة وتنمو ذائقته اللغوية من خلال الشعر، وتزداد ثروته اللغوية، ويكتسب المعارف من خلال التقاطع مع المواد الدراسية الأخرى، باعتبار أن كل المناهج تأسست على مبدأ التكامل لا التصادم.

ما يثير الإعجاب، أن هناك منهجا متخصصا يعرف التلاميذ بالمهارات المهنية والوظائف المستقبلية، كمقدمة لتغيير الثقافات المجتمعية المتجذرة حول المهن الموجودة، وكيف أن للمستقبل مهنا مختلفة تتطلب من الدارس أن تكون له صفات ومعارف بعينها. هنا جاء المنهج ليكون متناغما مع تطلعات كل طالب في المستقبل، لا أن يكتسب الطالب معارفه حول الوظائف والتخصصات من الشارع، بل من العلم نفسه.

حتى حقوق الطفل، والمشكلات الأسرية، وطرق علاجها، وكيفية تحمل المسؤولية، كلها مدخلات جديدة على التعليم المصري. فالكثير من الخلل داخل الأسرة، والشقاق العائلي، يحدث نتيجة غياب الحد الأدنى من التوعية بحقوق كل طرف ومسؤولياته، وكيف يواجه رب الأسرة أزماته ويحلها بشكل عقلاني.

ولأن الكثير من الأسر، إما لديها أزمة في ضبط علاقة أولادها بالتكنولوجيا، أو لديها جهلا بطريقة استخدام التكنولوجيا عموما. ارتأت وزارة التعليم ضرورة أن يكون بين المقررات الدراسية الجديدة، منهجا متخصصا في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ليكتشف الطفل كيف طورت التكنولوجيا حياتنا، اقتصاديا وتعليميا وصحيا وثقافيا وترفيهيا، والأهم: أن يعرف كل طفل كيف يتعامل مع التكنولوجيا ويطبق ما تعلمه في دراسته وحياته وكيف يلتزم أقصى درجات الأمان  في استخدامها ليحافظ علي نفسه، بعيدا عن الاستقطاب دون وعي.

يمكن البناء على ما سبق، أن المناهج الجديدة في نظام التعليم المتطور بالصفوف الأولى، لم توضع بعشوائية أو يقررها هواة، بل متخصصون محترفون في مركز تطوير المناهج، حددوا كل شيء بعناية شديدة ليكون للطالب شكل وهوية وشخصية وهدف وحلم، لا مجرد أن يقرأ ويكتب لينجح، بل يفهم ويتثقف ويبحث ويستقصي عبر رحلة علم شيقة ليصل إلى هدف أعلى وأسمى من مجرد شهادة لم تعد ذي جدوي، لذلك كان من الطبيعي أن تتحول مصر من دولة مناهجها عقيمة، إلى دولة تصدر لغيرها المناهج المعاصرة.

اقرأ أيضًا:
Advertisements
الأكثر قراءة

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة