راديو الاهرام

مهدي مصطفى يكتب: عصابة عالمية ناطقة بالإنجليزية

28-9-2021 | 10:58

فرنسا غاضبة، ثائرة، نائحة، تشعر بمؤامرة عميقة من حلفاء الأمس فى قصة الغواصات الأسترالية، وحلفاء الأمس: أمريكا وبريطانيا فى حرب الوجود، الحرب الكونية الثانية، باتوا أعداء اليوم.

من مفارقات التاريخ أن فرنسا ساعدت فى تحرير أمريكا أثناء مقاومتها للاحتلال البريطانى 1776، وأسهمت فى استقلالها الذى تحتفل به أمريكا فى الرابع من يوليو من كل عام،  قدمت السلاح والمال والأفكار والدعم الثقافى، وصاغ مفكروها وفلاسفتها عقل وطريق قادة أمريكا الأوائل: واشنطن، وفرانكلين، وجيفرسون، وكان الكاتب والفيلسوف الفرنسى فولتير، ومعه صاحب العقد الاجتماعى جان جاك روسو فى طليعة الداعمين لتحرير أمريكا نكاية فى بريطانيا.

ومن مفارقات التاريخ أيضا أن أمريكا، الدولة العظمى فى النصف الأول من القرن الماضى، قامت بتحرير فرنسا من الاحتلال الألمانى النازى بمعركة نورماندى الشهيرة فى الحرب العالمية الثانية، لكن فرنسا تشعر دائما بالاستقلالية، الثقافية والفكرية والفنية، وقد انسحبت من قيادة حلف الناتو عام 1966 فى عصر ديجول، ولم تعد إلا عام 2009، وقد تنسحب أو تغير مسارها داخل حلف الناتو مجددا.

ثورة فرنسا الغاضبة على حليفتيها: بريطانيا، وأمريكا، وصلت إلى حد خروج اللغة الدبلوماسية الخشنة من أروقة قصر الإليزيه الفرنسي، مقر الحكم، ووزارة الخارجية والدفاع الفرنسيين، وصولا إلى لغة الصحافة والإعلام، ورجل الشارع.

كانت فرنسا قد تعاقدت مع أستراليا، القارة الملاصقة بحرياً للصين، على بيع 12 غواصة عام 2016، بما يقرب من 31 مليار يورو، تقوم بتصنيعها مجموعة نافال الفرنسية، وكانت تعتقد أن هذه الصفقة ستعمل على تعافى اقتصادها، وتجعلها قوة فى المحيطين الهندى والهادى، وهى القوة الأوروبية الوحيدة الموجودة فى هذين المحيطين بـ7000 جندى، ولها سكان ينتمون إليها يقدرون بمليونى نسمة، وكانت هذه الصفقة ستؤكد هذا الوجود القديم الممتد.

دون تمهيد وجدت فرنسا نفسها وحيدة بين كماشة أمريكية بريطانية، فأستراليا تراجعت عن إتمام الصفقة الفرنسية،  واختارت غواصات بريطانية أمريكية، وذريعة أستراليا فى التراجع أن غواصات فرنسا تعمل بالديزل، بينما غواصات أمريكا وبريطانيا تعمل بالوقود النووي، وطار عقل فرنسا، ووصفت تراجع أستراليا بالخيانة والطعنة فى الظهر، وعدم الوفاء للقيم بين الحلفاء، وأن عصابة عالمية ناطقة بالإنجليزية تنتشر حول العالم، ترغب فى تقليص وجود فرنسا بثقافتها وبتاريخها  الفلسفى والمعرفي، ومن ثم نفوذها الدولي، وكأنها تشير من طرف خفى إلى منظمة العيون الخمس: أمريكا وبريطانيا، وكندا، وأستراليا ونيوزلندا.

والعيون الخمس ناطقة بالفعل باللغة الإنجليزية، تتبادل المعلومات، والخطط، والبيانات على مستوى العالم، ليلا ونهارا، وتوصف بأنها عيون ترى فى منتصف الليل، ويلعب فارق التوقيت دورا مهما، فعندما تكون واحدة فى الليل، تكون الأخرى فى النهار،  والعكس بالعكس، فكأن العيون الخمس لا تنام لتنفيذ مخططاتها حول العالم، وفرنسا ليست بعضو فى هذه المنظمة، برغم انتمائها للثقافة الأوروبية، والقيم المشتركة، من تنوير وديمقراطية وحرية!

الغضب الفرنسى من بريطانيا تصاعد أكثر من ذلك الغضب الذى رافق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى باتفاق البريكست، وتنظر فرنسا إلى بوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا كساع إلى “بريطانيا عالمية”، وتنظر إلى أمريكا بوصفها دولة ”قومية” تسعى إلى مصالحها الاقتصادية الذاتية على حساب حليف قديم.

فرنسا ما قبل قصة الغواصات غير فرنسا بعد هذه القصة، قد تبحث عن جيش أوروبى موحد، أو صياغة إستراتيجية أمنية بعيدا عن الحماية الأمريكية، أو تخرج من الناتو، وتبحث عن مظلة ذاتية، وتفتش فى دفاترها القديمة فى إفريقيا أو الشرق الأوسط أو البحر المتوسط، أوتتعاون مع الصين وروسيا، وحتى لو لم يحدث هذا، فإن التاريخ  تغير مجراه بقصة الغواصات، سواء خمد الغضب الفرنسى أم لا، فإن معالم جديدة فى الخرائط تتحدد.

قطعة شطرنج واحدة تحركت على الرقعة حركة مفاجئة، فتغير كل شىء، أمريكا أولا وأخيرا، بريطانيا العالمية، فرنسا المحاصرة.

بعض الساخرين يستشهد بحصار العراق وكوبا، يستدعى كيف خدعت أمريكا أوروبا فى مسألة «الربيع العربي»، والعبث بدول شرق المتوسط  الجارة لأوروبا، بينما بقيت أمريكا بعيدا وراء المحيط، ولسان حال الساخر يقول: لقد أكلت يوم أكل الثور الأبيض.

نقلاً عن الأهرام العربي
كلمات البحث
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة