آراء

عبدالسلام فاروق يكتب: الثقافة ألغاز وأحاجي

25-9-2021 | 12:49

ينتابني الفضول كثيرًا حول ما يحدث اليوم في أروقة العمل الثقافي في صورته الكبرى والعامة حتى يدفعني الفضول لتساؤل خبيث: ماذا لو أن مؤسسات الثقافة والنخبة الثقافية الحالية - إن كان لها وجود حقيقي - تم رفعها مؤقتًا من الخدمة أو تم إلغاؤها.. هل سيشعر أحد بهذا الذي حدث؟

 
الدولة اليوم تسارع ببناء مشروعات مهولة، ومنها مشروعات تنتمي للثقافة في مفهومها الواسع، كمدينة الفنون في العاصمة الإدارية ومتاحف الآثار الحديثة التي ستتوج بالافتتاح القريب للمتحف الكبير، وغيرها من مشروعات بنيوية كبرى. فأين المثقفون من كل هذا؟ هل يواكبون الأحداث أم تتجاوزهم الأحداث محليًا وعالميًا؟
 
انظر حولك وابحث عن دور النخبة الثقافية في الحياة والرأي العام والأثر الاجتماعي الذي تركته النخبة الثقافية الحالية في قلوب الناس وعقولهم، واسأل نفسك عن مثل هذا الأثر، هل له من وجود؟ أين اختفت الأسماء العظيمة في الأدب والفن؟ وأين اختفت القضايا الفكرية التى تستحق أن يثار الجدل حولها؟ وأين اختفت الكتابات التى يلتف الناس حولها بالهجوم تارة وبالإعجاب تارة حتى تخلق جوًا صحيًا حيويًا من الفكر والفكر المضاد؟
 
إننا اليوم نقف في مفترق طرق أمام عالَم سريع التغير والتبدل والتقدم، بينما ينظر المثقف نظرة الذاهل العاجز الذى لا يجد ما يضيفه لكل هذا التطور فيكتفي بالوقوف محلك سر كالمستسلم، فأين سنوات النضال الطويلة التي خاضها اليسار واليمين في معارك ثقافية طالت وامتدت وأفضت إلى ما نحن عليه الآن من خواء؟!
 
زمن المعارك وزمن المهالك
في مقال من مقالاته المهمة كتب فاروق جويدة تحت عنوان: (معارك فكرية في زمن مختلف)، عدد الجمعة 30 أكتوبر 2020، كتب يقول في مقدمة المقال: (حين يقال إن الثقافة المصرية كانت تعيش زمانًا مزدهرًا راقيًا في حواره مترفعًا في لغته فإن هذه حقائق ليست في حاجة إلى تأكيد لأن المقارنة صارت مستحيلة والمسافات بعدت كثيرًا والرموز صغرت ولم تعد لغة الحوار والاختلاف كما كانت في يومٍ من الأيام).
 
ومضى جويدة في مقاله يرثَى لحال الثقافة اليوم ويأسَى على ماضٍ كان أفضل بمراحل من حاضرٍ انحسر فيه الدور الريادي لمثقفي مصر محليًا وإقليميًا. 
 
والأدهَى أن تطالعنا الأخبار عن مسئولين في الثقافة متهمين بالفساد والتعسف الإداري وهو ما نضح به واقع قديم متراكم مليء بخواف وأسرار وألغاز غير مفهومة أو هي مفهومة لطغمة قليلة من موظفين قدامَى في الثقافة يرون حجم التلف والكساد ويتعامون عنه. 
 
أعود لمقال جويدة الذي يستطرد فيه الشاعر الكبير تدفقه وإحساسه بالواقع المأساوي من واقع مسئوليته واستشعاره أهمية القضية، فيقول: (حين أراجع أحوال الثقافة المصرية أشعر بحزن شديد وأتوقف عند شواهد كثيرة تحرك الأحزان.. إن لغة الحوار وما يسقط على رؤوس الناس من بذاءات ومهاترات وفضائح أكاد لا أصدق أن هذه الأرض هي نفسها التي أنجبت كوكبة النجوم التي أضاءت سماء مصر في يوم من الأيام.. إن ثقافة مصر لم تعد كما كانت وأنها فقدت الكثير من جوانب الضوء والإبهار فيها وأننا فرطنا في أجمل وأعظم ما كنا نفخر به ونتباهَى وهو العقل المصرى وأننا كلنا شركاء في هذه الجريمة.
 
إن مصر ليست هذه المهاترات والبذاءات والإسفاف الذي لا يتناسب مع تاريخ عريق من الترفع والمهابة.)، حقًا إننا انتقلنا من زمن النضال الفكري والتدافع الإيديولوجي إلى زمن التساخف والتدني والبلطجة والسطو، لم يغفل مقال جويدة هذا الجانب إذ يحدثنا عن الفارق بين معارك الأمس واليوم قائلًا: (كانت معارك الفكر والإبداع لا تقل في قيمتها عن المعارك السياسية، وكان الالتزام بقضايا الوطن أكبر من كل الحسابات والمصالح..
 
ما زلت أعتقد أننا في حاجة إلى الحوار وهذا الحوار الذي أقصده ليس صراخ الفضائيات وبذاءات التواصل الاجتماعي ووصلات الردح الليلية، وإنما أقصد الحوار الراقي المترفع الذي يتناول قضايانا الحقيقية بفكر يتمتع بالمصداقية والأمانة..).
 
الصحافة كأخطر وسيلة تثقيف
لا تزال الكلمة الأهم في حياة أى مصرى هى كلمة الصحافة الراقية ذات المصداقية والفكر العميق الهادئ المؤثر، في الرياضة والسياسة والاقتصاد وأنباء الفن والأدب والمجتمع، إنها كلمة يومية يقرأها كل مصرى وتدخل في نسيجه الفكري الذاتى، الصحافة هى الوسيلة الأولى للثقافة الشعبية اليومية.
 
ولأن هذا الدور الإعلامى والتثقيفى للصحافة دور خطير ذو حدين، فإن الصحافة الصفراء والسوداء، أو صحافة الفضائح والشائعات هى نوع آخر من الثقافة الدخيلة التى تدس طنًا من سم في ملعقة من عسل. 
 
وفى مقدمة كتاب الصحافة والأقلام المسمومة كلام عن دور الصحافة في زمن النكسة، يقول المؤلف: (..إذا كانت هناك قوى خطيرة عملت على توهين القوى بحيث خضعت للهزيمة والنكبة والنكسة، ومنها الاستشراق والتبشير والتغريب والغزو الثقافى، فقد كانت الصحافة ولا تزال أخطر وسائل التوجيه والتثقيف، فهى الزاد اليومى الذى يصل لأيدى الناس جميعًا، وهى بأبوابها المختلفة من قصة ومسرح وكرة وجريمة وفن وأدب وسياسة واجتماع ودين قادرة على تقديم مفاهيم من شأنها أن تحمل قراءها على تقبلها والاقتناع بها عن طريق الخبر والصورة والكاريكاتير والتعليق..). 
 
وفى كتابه "أوهام النخبة" يحذر "على حرب" من هذا الدور الخطير الذى يمكن للصحافة أن تلعبه منذرًا بقوله: (.. يتصرف أهل الثقافة والكتابة أو أهل الإعلام والصحافة بدعوَى أنهم يشتغلون بإنتاج المعرفة ونشر المعلومة، أو بدعوَى أنهم يمارسون النقد العقلانى والتفكير الموضوعى؛ مثل هذه المهام المعرفية والإعلامية ليست مدعاة لأصحابها لمصادرة الحقيقة أو لممارسة الوصاية على الحرية والهوية والأمة.).
 
مع نهاية عام 2020 نودع بذلك نهاية جيل كامل هو جيل التسعينيات، لكى نُقبِل على جيل ثقافى جديد من شباب يتطلع للمستقبل بعيون حائرة وفكر مرتبك حذر، الغريب في الأمر أن الجيل القديم متمسك بالراية لا يريد أن يسلمها لمن يطورها، فلماذا؟
 
ثقافة مضادة للسياسة
الثقافة في مصر تقع في قبضة طغمة قليلة من كهنة النخبة الثقافية المزعومة، وهم بخلاء بما في أيديهم لا يمنحون الفرصة إلا لمن ينتمى لهم فكريًا ويحقق مصالحهم بشكل من الأشكال، وإذا استمرت أوضاع الثقافة اليوم على ما هى عليه فلا فرصة لشباب المبدعين الحقيقيين في الفن والأدب إلا إذا استطاع اختراق السياج المضروب حول النشاط الثقافى الغامض، وقلما استطاعوا.
 
بالله كيف يمكن لنا أن نتصور دولة تسير بقدمين إحداهما في اتجاه عكس الأخرى؟ كيف لمثل هذه الدولة أن تتقدم بهذه الصورة المحيرة؟
 
إن الفلسفة السياسية المسيطرة عمليًا رأسمالية ليبرالية منذ السادات، بينما الثقافة يسارية بامتياز! هذا أمر غريب وغير مفهوم، لكنه الواقع. 
 
ودعنى أعطيك مثالًا بسيطًا ونموذجًا عمليًا في شكل كتاب من إصدارات هيئة الكتاب مكتبة الأسرة لعام 2017، من تأليف غالى شكرى عام 1975، وعنوان الكتاب (من الأرشيف السري للثقافة المصرية) وما هو إلا محض سباب وتهجم على الناصرية وثورة يوليو وبعض رموز الفكر كتوفيق الحكيم ومصطفى أمين وحسين فوزى وغيرهم، في محاولة مستميتة للدفاع عن الاشتراكية واليسار واليساريين، وينتهى الكتاب في خاتمته إلى عدد من التوصيات والنتائج منها: (أن تناقضًا خطيرًا تجرثم في بناء ثورة يوليو بين القائمين على السلطة الثقافية ومبدعيها، وأنه في شعار أهل الثقة لا أهل الخبرة اعتلت المواقع القيادية في الثقافة المصرية عناصر مضادة لحركة الثورة.. وبالتالى فإن الكُتاب والمثقفين الذين لمعوا في مرحلة ما لا يجوز الإبقاء على سلطاتهم القيادية.. 
 
وفى النهاية يقول المؤلف: إن آفة الآفات هى أزمة الديمقراطية التى تسببت في أن يكون القرار العلوى هو كل شئ..). الأغرب من الكتاب وكاتبه وتوقيت إعادة إصدار كتاب قديم خالٍ من أى مضمون حقيقي هو ترويسة الكتاب. وفى النقد الحديث اتجاه نحو الاهتمام بالهوامش والترويسات لأن لها دلالات مهمة.
 
فى ترويسة هذا الكتاب الضئيل حجمًا ومحتوى، تكتشف أن لجنة القراءة مكتوبة بكافة أعضائها كأنه استعراض لكافة الشخصيات المشاركة في إصداره كنوع من الاختيال والتباهِى، وكلهم اتفقوا على أن مثل هذا الكتاب الغريب شكلًا وموضوعًا يستحق أن يركل سائر الإصدارات لينفرد بأحقية إعادة النشر من جديد. هذا مجرد مثال واحد من عشرات الأمثلة والنماذج المشابهة.

هناك ألغاز وأحاجي وفوازير تحيط بأروقة العمل الثقافى في مصر، ولا يوجد رقيب ولا حسيب على تلك الأروقة وما يحدث فيها من خلط وعبث. وربما يأتى اليوم الذى تتغير فيه الأفكار، وتعود القدم لتسير في اعتدال مع القدم الأخرى، فربما حينها يمكننا السير للأمام مع جيل جديد من الشباب ينعقد عليهم الأمل لاختطاف الراية من أيدى كهنة الثقافة.

اقرأ ايضا:
عبدالسلام فاروق يكتب: صراع الباسيفيك .. ما وراء الكواليس

اتضح أننا لا نعرف إلا أقل القليل؛ فبعد أن ظهرت وثائق ويكليكس ومن بعدها منذ أيام وثائق باندورا تأكد لنا أن عالم السياسة غارق حتى النخاع في مستنقع أسرار بعيد الغور

عبد السلام فاروق يكتب: أيام المجد والنصر

كم هي رائعة ذكري أيام المجد.. تراودني ذات المشاعر كلما هلت ذكريات البطولة والبسالة والنصر 6 أكتوبر 73، ذلك اليوم الذي اختلط فيه مسك الشهداء بدماء الأعداء،

عبدالسلام فاروق يكتب: الثقافة ألغاز وأحاجي

ينتابني الفضول كثيرًا حول ما يحدث اليوم في أروقة العمل الثقافي في صورته الكبرى والعامة حتى يدفعني الفضول لتساؤل خبيث: ماذا لو أن مؤسسات الثقافة والنخبة

عبدالسلام فاروق يكتب: الماء صديقي

شجرة الأسئلة لم تتوقف يوما عن الإنبات وقد تغطت بغمامة خضراء من علامات الاستفهام منذ أن قيلت العبارة الشهيرة على لسان سياسي أمريكي مخضرم : أن حروب المستقبل هى حروب مياه

عبدالسلام فاروق يكتب: أهلًا بالعاصمة الذكية

هنا العبقرية والجمال والراحة والروائح العطرة والمناظر الخلابة والأبراج الشاهقة والحدائق والأنهار والأنوار كأنها الجنة. إنها مصر جديدة، وعاصمة جديدة كل

عبدالسلام فاروق يكتب: أنا والتنين

زرت الصين فيما زرت من بلدان ولم يعجبني المقام فيها، بعكس مقامى فى أمريكا.. لم تكن الصين وحدها بل الهند وماليزيا وتايلاند في آسيا، وفرنسا وإيطاليا فى أوروبا،

عبد السلام فاروق يكتب: انهيار الرأسمالية .. قريب أم بعيد؟

كنت أعلم ما سيحدث ويقال قبل حتى أن أقول الكلمة أو أجاهر بها.. طالما أن سائر الموجودين، وأنا منهم، يخشون اليوم الذي قد تنهار فيه الرأسمالية.

عبدالسلام فاروق يكتب: خرائط متصارعة ترسم عالمًا جديدًا

المشهد أمامنا مقروء جلي شديد الوضوح لا تكاد تخطئه عين أو قريحة.. ثمة يد خفية تعيد تشكيل الحاضر والتاريخ، ولن نلبث في غضون عقود قلائل أن نستفيق على عالم

مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة