إسلامنا

"قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا"

24-9-2021 | 16:50
قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا"قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا "
Advertisements

التزكية تطهير ونماء.. وتخلص الإنسان من السوء

تحقيق ــ أحمد هلول:

الفلاح غاية مهمة من بدء سماع الإنسان بهذه الدعوة الإسلامية المباركة؛ غاية مرتبطة بالإيمان بالله والدخول في الإسلام، كانت أول دعوة سيدنا محمد: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وكان وعد الله للمؤمنين: قد أفلح المؤمنون، غاية عالية سامية ارتبطت بأهم ما في هذا الدين الكريم، وكذلك يحصل الفلاح عند الله تعالى والفوز بتزكية الإنسان لنفسه.. "قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا" (الشمس: 9)، أقسم الله تعالى على فلاح من زكّى نفسه بهذا العدد من الأيْمان من أول سورة الشمس؛ بيانا وإجلالا لأهمية تزكية الإنسان نفسه، (والتزكية هي التزود من الخير والطاعة والحرص على تطهير النفس من كل سوء) الوسيط لشيخ الأزهر الطنطاوي.

 ويقول الشيخ عمّار ياسر محمد الواعظ العام بالأزهر الشريف،التزكية تطهير ونماء في أصول معانيها اللغوية لذلك فإنها تشمل تخليصَ الإنسان نفسَه من السوء بما يحقق معنى التطهير، وتزويد نفسه بالخير وسلوك سُبُله بما يحقق معنى النماء والزيادة، يتعامل مع نفسه باعتبارها أرضا قابلة للزروع الصالحة المفيدة المثمرة التي تعود نفعا وثمارا وهواء نقيا، وتقبل كذلك نبات الحشائش الفاسدة فيها التي قد تأتي على أشجاره اليانعة ووروده ونباته الطيب فتخنقه وتزيله ومعه آثاره الحسنه وتحل محله بآثارها الفاسدة.

 وقال إن الإنسان منا يجب أن يتعاهد نفسه بالتقويم الإيماني والسلوكي والأخلاقي كذلك، فيتخلص من بوادر الحسد والتطلع إلى ما في أيدي الناس والشحّ وما يلاحظ من بدايات جناياته عليه وعلى من حوله، وبوادر سوء الخلق والغيبة والنميمة والتحدث في أعراض الناس وأحوالهم بما لا يخصّ ولا يليق بمسلم أن يخوض فيه وبما يدل على ضعف الإيمان وَوَهَنه بنسبة ما في قلب المبتلى بهذا، هذا يعد هو التطهير، بل قد يجد نفسه قد وقع بالفعل في بعض الآثام مما يستوجب توبة وهذا من التزكية والتطهير.

وطالب بأن نتزود بما يسمو بهذه النفس ويرفعها فوق هذا الأذى فلا تقع فيه مرة أخرى، " قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ" (الأعلى: 14 – 15) فنتعهد نفوسنا بالذكر الدائم وقراءة القرآن وتدبر آياته ومعايشتها والمحافظة على الصلاة، كما أننا نخرج زكاة أموالنا تطهيرا لهذه الأموال وحرصا على نمائها وبركتها، وهذا مما يعد من سمو النفس وتزكيتها أيضا، ومن التزكية التقرب إلى الله تعالى بالفرائض فتدين نفوسنا لله وتسمو بالعبادة، كما قال في الحديث الإلهي: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضتُه عليه) فيزكينا ويطهرنا، ثم نستزيد بالنوافل " ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أُحِبَّه "، والصلاة وذكر الله خير ضمان للحفاظ على سموّ هذه النفس وصلاحها واقترابها من الخير وبُعدها عن الشر "اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ " العنكبوت: 45

وتابع: "نتزكى بالتحلّي بالأخلاق الحميدة فينعكس هذا على أخلاقنا وسلوكنا مع الله تعالى بحمده وشكره والإخلاص والإنابة له سبحانه، ومع الناس بِحُبِّ الخير ورجاء الصلاح لهم وحسن معاملتهم وسلامة البيع والشراء والمعاملة كلها من الغش والغبن، وسلامة اللسان من الأذى والنظر من الحقد والحسد..وقد كان دعاؤه صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا) صحيح مسلم.

ويقول الشيخ محمد عمر محمد عمر الواعظ بالأزهر الشريف وعضو لجنة الفتوى، قال الإمام ابن كثير -رحمه الله- في معنى قوله تعالى "قد أفلح من زكاها": من زكى نفسه بطاعة الله، وطهرها من الرذائل والأخلاق الدنيئة.فالتزكية تطهير للنفس من أدرانها وأوساخها الطبعية والخلقية، وتقليل قبائحها ومساوئها، وزيادة ما فيها من محاسن الطبائع، ومكارم الأخلاق.والتزكية وصف خفيّ استأثر الله - سبحانه - بعلم حقيقته؛ فلا يُجزم بتزكية مخلوق مهما بلغ في تقاه، يقول الله - تعالى -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء: 49]، قال ابْنُ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه -: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْدُوَ مِنْ بَيْتِهِ وَمَعَهُ دِينُهُ، فَيَأْتِي الرَّجُلَ لَا يَمْلِكُ لَهُ وَلَا لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا فَيَقُولُوَاللَّهِ! إِنَّكَ كَيْتَ وَكَيْتَ!! وَيَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ وَمَا مَعَهُ مِنْ دِينِهِ شَيْءٌ" ثُمَّ قَرَأَ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ [النساء: 49]،

 وأَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: «وَيْلَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ» مِرَارًا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لاَ مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْأَحْسِبُ فُلاَنًا، وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلاَ أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا، أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ» رواه البخاري ومسلم. بل كره أهل العلم أن يُسمّى المرء باسمٍ فيه تزكية له كمؤمن وزكي وإيمان وصلاح الدين، قال مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ - رحمه الله -: سَمَّيْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ، فَقَالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ - رضي الله عنهما -: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْ هَذَا الِاسْمِ، وَسُمِّيتُ بَرَّةَ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: « لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، اللهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ» فَقَالُوابِمَ نُسَمِّيهَا؟ قَالَ: « سَمُّوهَا زَيْنَبَ » رواه مسلم.

 وقال المتدبر للقرآن الكريم يجد بعض الخطوات التي تعين العبد على تزكيته لنفسه:أولهامعرفةُ موقع ِالنفسِ ودرجتِها، لقد وصف الله سبحانه تعالى النفس في القرآن الكريم وجعلها على ثلاث مراتب:فأدنى وأخس درجةهي النفس الأمارة، وهي التي تأمر صاحبها بما تهواه من شهوة فائرة أو ظلم أو حقد أو فخر إلى آخره، فإن أطاعها العبد قادته لكل قبيح ومكروه قال تعالى﴿ وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيم ﴾.

أما المرتبة الثانيةوالتي يمكن للنفس أن تعلو إليها فهي النفس اللوامة، وهي النفس التي تندم على ما فات وتلوم عليه، وهذه نفس رجل لا تثبت على حال فهي كثيرة التقلب والتلون، فتتذكر مرة وتغفل مرة، تقاوم الصفات الخبيثة مرة، وتنقاد لها مرة، ترضي شهواتهِا تارة، وتوقفُها عند الحد الشرعي تارة. وفيها قال تعالى ﴿ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾

أما أعلى مرتبةوالتي يمكن أن تصل إليها نفسك وترقى هي النفس المطمئنة، وهي تلك النفس التي سكنت إلى الله تعالى واطمأنت بذكره وأنابت إليه وأطاعت أمره واستسلمت لشرعه واشتاقت إلى لقائه، وهذه النفس هي التي يقال لها عند الوفاة ﴿ يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾

الخطوة الثانية في تزكية نفسكهي الاعتراف بعيوبها، وإن مما يجعلك ترفض الاعتراف بالعيب الشعور بأنك قد بلغت مرحلة من الصلاح لا تحتاج فيها إلى تذكير ونصح لكثرة ما قرأت وعلمت في إصلاح النفوس..

الخطوة الثالثةلإصلاحِ النفس ِمجاهدتُها. ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين ﴾،الخطوة الرابعة في تزكية النفسهي تنميةُ الصفات الطيبة ورعايتُها حتى يكون لها الغلبة. قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الحلم بالتحلم).

الخطوة الخامسة في تزكية النفسوهي من أهمها الدخول على الله من باب العبودية المحضة، وباب العبودية المحضة المقصود هو باب الانكسار والافتقار إلى الله تعالى، والذل، ذلك بأن يستشعر الإنسان أنه ذو صفاتٍ تقتضي الحاجة إلى رحمة ربه. ويلازم الدعاء كما ورد أنّه صلى الله عليه وسلم علَّم حصينا أن يقول: (اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي). ولقد وعد الله تعالى من اعتنى بتزكية نفسه بالخلود في الجنة. ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴾.

اقرأ أيضًا:
Advertisements
الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة