آراء

د. حسام الإمام يكتب: الإدارة بالابتسامة

26-9-2021 | 16:33
Advertisements

ليس حلمًا بل واقع عشت تفاصيله يومًا بيوم ، أصابني الذهول في بداية اللقاء، وصاحبني التعجب والترقب خلال الرحلة حتى وجدتني أندرج تلقائيًا في تلك المنظومة، وأؤدي عملي بنفس الأسلوب دون أي مشكلة، بصراحة كانت مفاجأة يصعب على مثلي استيعابها.. أصحو من النوم وأركب الأتوبيس وأذهب إلى العمل ثم أعود للمنزل، كل ذلك وأنا أبتسم.. معجزة بكل المقاييس.

كان ذلك خلال فترة عملي في جامعة برجن بالنرويج، الانطباع الأول الذي يراودك في بداية وجودك في ذلك الكوكب أن هؤلاء الناس ليست لديهم مسئوليات يحاسبون عليها، ولا رؤساء يُسئلونهم أمامهم، تقابلهم فى أي وقت تجد الابتسامة على وجوههم، خلال الاجتماعات يبتسمون، أثناء فترة الراحة يبتسمون، في المصعد يبتسمون.. على فكرة أنا أقول يبتسمون ولم أقل يضحكون، فلم يكن هناك أي داع للضحك، فقط ابتسامة رقيقة اختاروها بكامل إرادتهم كأسلوب لإدارة جميع شئون حياتهم، وأظنهم على حق، فسواء واجهت الحياة مبتسمًا أو متجهمًا فسوف تمر وصدقني أنها لن تستجديك ابتسامتك، كما لن يفرق معها تجهمك، إذن واجهها بابتسامه وكن أنت الكسبان، اكسب راحة بالك، اكسب صحتك وهدوء أعصابك، اكسب حب الآخرين لك.. اكسب نفسك.

عندما حصلت على درجة الدكتوراه سولت لي نفسي في يوم من الأيام أن أتحدث أمام أحد المديرين السابقين، كان حديثي يتعلق مباشرة بتخصصي، وأقسم بالله أنني لم أفتي في شيء آخر، وجدت صوتًا جهوريًا يأتي من خلفي: إنت هتعمل فيها خبير ولا إيه؟ وقبل أن أنطق بكلمة أطلق مدفعه الرشاش ناحيتى: "إنت تقعد هنا جنب أساتذتك عشرين سنة علشان تتعلم، وما اسمعش صوتك قبلها! يعني ساعتها يبقى عندي خمسين سنة؟ طيب ليه أنا قلت إيه غلط ؟

طبعًا لا مجال لمناقشته أو إقناعه أن حصول الشخص على درجة الدكتوراه يعني أنه أعلم الناس بموضوع تلك الرسالة، وأنه بالفعل أو يفترض أنه أصبح خبيرًا في هذا الشأن، طبعًا العلم ليس له نهاية، ولا مفر من الجلوس إلى جانب الأساتذة للتزود من علمهم ، لكن أن أتوقف عن الحديث بدون سبب، أمر لا يدعو ولا يشجع المرء على تبني منهج الإدارة بالابتسامة، ومن أين تأتي تلك الابتسامة؟!

موقف آخر مع مديري النرويجي عندما جاءتني دعوة للمشاركة في مشروع تابع للاتحاد الأوربي - أثناء عملي بالنرويج - وكان يتطلب سفري إلى إحدى الدول لمدة أسبوعين وبمقابل مادي كبير، ذهبت إلى المدير وتحدثت معه في الأمر، وأوضحت له أهميته بالنسبة لي، وهو ينظر ويبتسم كالعادة، ولما أنهيت كلامي قال لي، وما زال يبتسم، أنت تعلم أن عقدك مع الجامعة يترتب عليه التزامات من ضمنها عدم العمل مع أى جهة أخرى، قلت: نعم أعلم بالتأكيد، قال - وما زالت ابتسامته لم تفارقه - إذن انسى الأمر forget it، قلت له لقد نسيته بالفعل، صافحته وانصرفت ونحن الاثنان نبتسم، لم تحدث أي مشكلة؟ لم أتضايق أو أخرج متذمرًا فهو لم يتفوه بكلمة واحدة تضايقني، لم أشعر برغبة في تكسير رأسه لأنه يحقر أفكاري! وتصورت في تلك اللحظة لو كان هذا الحديث مع مديري القديم، كيف كانت ستبدو كلمة "إنسى" وهى تنطلق من بين شفتيه الغليظتين كطلقة الرصاص صوب قلبي المسكين .. وابتسمت فقد تعلمت أن ابتسم حتى فى أصعب الأوقات.  

في حوار مع أحد الزملاء ممن يحرصون على رسم "التكشيرة" على وجهه بمناسبة وبدون مناسبة، وجدته يضحك ويلقي النكات، فقلت له معلقًا: "ما انت بتعرف تضحك أهه!" فقال لي بمنتهى الحكمة: "لكل مقام مقال"، فعلاً هو على حق وقد أخبرته بذلك، لكن قلت له "إنت عارف إن كل الناس بتخاف منك وفاكرينك شخص عصبي، بل إن فيهم من يكرهك، أنا شخصيًا كنت فاكرك كده، إلى أن تعرفت عليك"، قال: "طبعًا عارف".. قلت: "وانت سعيد بكده؟"، قال لي" "ظروف الشغل تتطلب كده، صدقني الناس ممكن تتعامل مع ابتسامتك غلط، وممكن تفهمها على إنها ضعف منك".. قلت له بعد فترة صمت قصيرة: "كلامك صحيح مائة بالمائة، لكن إنت عارف الفرق بيني وبينك إيه، إنت بتبدأ علاقاتك مع الناس بالتكشيرة وبتخللي الابتسامة هي الاستثناء، وأنا أبدأ بالابتسامة وأخللي التكشيرة هي الاستثناء".

وتطبيقاً لقاعدة أن لكل مقام مقالًا التي اتفق معها تمامًا، لماذا لا تكون الابتسامة هي الوضع العام المتعارف عليه بين الناس فى كل مكان، وتكون التكشيرة هي الاستثناء في الموقف الذي يستوجبها؟ سؤال لابد من التفكير فيه حرصًا على المستقبل، فنحن من أكثر الشعوب ضحكًا، ونحن أفضل من يجيد تفصيل النكتة على أي موقف، برغم ذلك أنظر إلى وجوه الناس في الصباح عندما يستيقظون للذهاب إلى أعمالهم، ومساءً خلال رحلة العودة، بل أنظر إليهم خلال نزهاتهم مع أولادهم.. أين ذهبت الابتسامة؟!

الظروف صعبة والدنيا ملخبطة، أعلم ذلك تمام العلم، وأعلم أن الكثيرين سوف يعارضونني، لكن هذا أدعى إلى أن نواجه تلك الظروف بمنهج جديد وأسلوب مختلف لإدارة حياتنا بكل تفاصيلها المرهقة.. الإدارة بالابتسامة.

اقرأ أيضًا:
Advertisements
د. حسام الإمام يكتب: قبل ما تناسب حاسب

لم يكن من الصعب عليها فهم ما يحدث، لكن كان من المستحيل تصديقه، قد يكون الإنسان طماعاً أو نصاباً يتاجر بالكلمات، لكن أن يتاجر بأحاسيسه ومشاعره، هذا الصنف

د. حسام الإمام يكتب: انزل من فوق الحصان

عبارة جديدة فى قاموس الفهلوة والحداقة والشطارة المعجونة مع بعض الجرامات من فلسفة سيبلي نفسك وأنا أرسيك على الحوار ، مضافًا إليها قدر كافِ من رحيق الانهزامية

د. حسام الإمام يكتب: خليك بعيد

رغم صدق أحلام زينب معي دومًا، لكنني لم آخذها ولا مرة واحدة مأخذ اليقين، بل أسمعها وأقول خيرًا إن شاء الله، ولا أعيد صياغة خططي وخطواتي بناء على الحلم.

أحب ما تعمل "حتى" تعمل ما تحب

ارتبطت كلمة حتى في أذهان الكثيرين بالرائع صلاح ذو الفقار وهو يتحدث إلى البرنس أحمد مظهر في فيلم الأيدي الناعمة ويقول: أكلت السمكة حتى ذيلها.. بالك انت حتى هنا ليها كام معنى؟

لما تكبر نفسك تبقى إيه؟

مش عارف، بجد مش عارف كان نفسى لما أكبر أبقى إيه ممكن أقولك أبويا وأمى كان نفسهم لما أكبر أبقى إيه، لكن أنا شخصيًا كان نفسى أبقى إيه .. مش عارف. دايمًا

ساقط توجيهية وسمسار وقباني.. وبالعكس

يبقى الباز أفندي ويافطة الباز أفندي في فيلم ابن حميدو، المشهد الرئيسي الذي يجب أن ينحني أمامه عالم النكتة، وتتضاءل بجانبه كل الإيفيهات في كل زمان ومكان، دون أي مبالغة.

الرحلة انتهت

أنا بطبيعتى أحب السفر جداً وكنت أتمنى دوما أن أعمل فى مجال يسمح لى بالترحال والتجوال خارج مصر . فى أحد الأيام تلقيت دعوة من إحدى الجمعيات المتخصصة فى شئون

عادل إمام .. عفوًا الزعامة لها أصول

هل يستحق عادل إمام فعلاً لقب الزعيم؟ هل حقق على مدى تاريخه ما يؤهله لنيل هذا اللقب فى حضور قامات كبيرة قدمت للفن الكثير والكثير؟ هل هناك ما يميزه لنيل

الزمن الجميل

انتقادات عديدة توجه إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت دون أي شك ولا جدال اللهو الخفي السارق للوقت، المفرق بين الأخ وأخيه والابن وأبيه والزوج وزوجته

أشياء لا تشترى

وصل إلى قاعة الفرح هو وزوجته لحضور زفاف ابنة أحد أصدقائه الأعزاء، استقبله صديقه والد العروسة استقبالًا حارًا واختار له مكانًا مميزًا بين المعازيم، وجلس الجميع ينتظر وصول العروسين...

عفوًا سيدتي .. لست هذا الرجل!

الليلة باردة.. حمل كوب الشاي الساخن بين يديه وذهب نحو النافذة.. رأى قطرات المطر تنساب على زجاج النافذة كدموع التائب الذي يتطهر من ذنبه.. يارب كم أنا محتاج

"غلطتين .. والتالته تابته"

لكل إنسان قناعته الخاصة في أسلوب تعامله مع الآخرين، نرى البعض يؤمنون أن أفضل وأنجح أسلوب للتعامل هو الشك المطلق حتى يثبت العكس ويمنحك ثقته، والبعض الآخر

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة