ذاكرة التاريخ

تراث الجنازات في النوبة.. الهرولة لنهر النيل وتلطيخ الوجه بالطين ونثر القمح للطيور |صور

23-9-2021 | 03:26
تراث الجنازات فى النوبة
Advertisements
محمود الدسوقي

لكل منطقة أو إقليم فى مصر مميزات امتاز بها فى كل عصر أو زمن معين، وقد انفردت منطقة النوبة بمميزات الدفاع عن الوطن الذى فرضه عليها موقعها الجغرافي باعتبارها بوابة الحدود الجنوبية منذ العصر الفرعونى.

 وتؤكد حليمة النوبى في دراستها التاريخية عن "النوبة منذ 1805-1922م"،  والصادر عن الهيئة العامة للكتاب، أن عددا من المؤرخين والرحالة اهتموا بتدوين عادات وتقاليد الأقاليم المصرية، ومنها أهل النوبة، مؤكدة أنه فى عصر الحملة الفرنسية تم الاهتمام بتدوين العادات ومظاهر أهل النوبة من خلال المجمع العلمى الذى أسسه نابليون بونابرت 
 

- فى العصر الحديث.

وبعد بناء السد العالى كتبت الباحثة النمساوية أنا هوهنيفارت والتى كانت ضمن باحثى الأنثربولجيا الذين أرسلتهم اليونسكو لتدوين الحياة على وادى النيل، حيث قضت الباحثة النمساوية سنوات طويلة فى التنقيب عن تفاصيل سكان الوادى فى النوبة والصعيد، وسجلت العدد من الدراسات المهمة والصور النادرة كما صورت العادات والتقاليد.

 وتؤكد حليمة النوبى أن المؤرخين يختلفون فى تسمية النوبة، فقد عرفها المصريون باسم نوب أو نوبو بمعنى الذهب، وهناك أسماء أخري مثل تاستى أى أرض القوس وقد عملوا فى الجيش طيلة العصور المختلفة، وأطلق عليهم العرب رماة الحدق لمهارتهم فى التصويب، كما أطلق عليهم تاكبيت وهى أرض تخيلها المصري القديم فى العالم الآخر وغيرهم من المسميات. 

ورغم أن تراث الجنازة وعاداتها فى محافظات الصعيد متقاربة فى الزمن الماضى، إلا أن تراث الجنازة فى النوبة لها خصوصيتها، تلك الخصوصية التى رصدتها الباحثة حليمة النوبى فى كتابها النشاط الاقتصادى والاجتماعى للنوبين (1805- 1922)، حيث أكدت أن الجنازة القديمة لأهل النوبة تستمد جذورها من الحضارة المصرية القديمة.

 وتؤكد حليمة النوبى أن لمأتم أهل النوبة قديما وقع كبير عند أهلها فهم يقيمون المأتم بالعويل والرقص حتى يواروه الثري، وقد تستمر طقوس الحزن 40 يوما ، والعزاء واجب مقدس ، مؤكدة أنه قديما كان الأطفال يجمعون الحصى من الجبل ليقسموا باسم الله فوق قبر الميت وتظل زوجة الفقيد فى حداد لمدة 3 أشهر لاتبرح مكانها إلا فى اليوم الأخير متجهة إلى النهر تغسل وجهها، والموت بالنسبة لأهل النوبة ليست نهاية حياة بل بدايتها لذلك يعدون للميت عشاءه يوميا بنفس الأصناف التى أحبها فى حياته.

ويستمرون فى إعداد الطعام لمدة 40 يوما نفس المدة التى كان ينتظرها الفراعنة لإكمال عملية التحنيط، أما القبر فهو على شكل اللحد، وكان من المعتاد أن يوضع على القبر إناء ماء من الفخار ووضع هذا الأناء بزاوية معينة على القبر ، وأيضا كان يتم نثر القمح حول القبر لتلتقطه الطيور ترحما على روح الميت،  وعند كل زيارة لابد من وضع كميات جديدة من الحبوب مع إعادة ملء الأوانى بالماء،  وأيضا كان يتم إطلاق البخور حول القبر لتعطير المكان وطرد الأرواح الشريرة ولإسعاد الميت حسب اعتقاداتهم القديمة .

توضح  حليمة النوبى  فى دراستها ، أن مظاهر الحزن تشترك فيها أهل النوبة جميعا سواء عند الكنوز أو الفاديجا، لكن حزن الموت عند الكنوز يأخذ أشكالا راقصة  وعنيفة ، حيث هناك ارتباط وثيق بين لوحات البكاء على الميت المصورة على جدران المعابد الفرعونية والنساء النوبيات من الكنوز اللاتى يؤدين هذه الرقصات الحزينة، ويظل النوبيون مثل الصعايدة ممتنعين  عن الأفراح لمدة سنة عن الأفراح والتطيب وارتداء الثقياب الفاخرة ، ويشترك النوبيون مع أهل الصعيد فى عادة الذبح وتوزيع اللحوم على الجيران والفقراء وهى العادة التى انتهت حاليا وتم اقتصارها على توزع الأموال للمحتاجين.

ومن العادات أن لاتوقد النار فى بيت الميت لإعداد الطعام،  ويقدم الجيران الطعام لأهل الميت ومن العادات التى كان معمولا بها فى الصعيد هى تلطيخ الرؤوس والوجوه بالطين وتقوم النساء بحل شعورهن لمدة 40 يوما، وكانت النساء حين يسمعن بخبر الوفاة يصرخن صراخا حادا ويجرين للنهر ويقمن بتلطيخ الطين على  الوجوه وتظل النساء على هذه الحالة من الذهاب والإياب من البيوت إلى النهر والعكس، ومن العادات أن تتحزم النساء برباط حول بطنها من سعف النخيل، ثم يجتمعن فى دائرة واسعة كبيرة داخلها دوائر صغيرة يرفعن أياديهن للسماء مناديات هيوهة هيوهة،  ثم يقفزن ناحية الشمس ثم ينزلن بثقل أجسادهن على الأرض وعندما يستبد بهن التعب يجلسن صفوف متراصة أمام منزل المتوفى بجوار حائط البيت على هيئة خط مستقيم يترنمن ترانيما ذات أصوات خفيفة.

من الطقوس أن سرير المتوفى يوضع أمام بيته لمدة ثلاثة أيام بماعليه من فراش وتصمم النساء على وضع الطعام عليه لمدة يومين، وفى اليوم الثالث يقمن بزيارة القبور بعدها يتناولن الطعام، أما فى حالة وفاة امرأة فن العنقريب الذى يحمل الجنازة لمثواها الأخير يغطى بفروع النخبل لتميزه عن الرجال الذى يوضع داخل برش النعش وكذلك يخضب جسد المرأة بالحناء والعطور.

و"العنقريب" يطلق على السرير الملكى الفرعونى النوبى، وهو نفس الاسم الشائع فى السودان، لكنه يتعرض للاندثار فى . نراه منقوشا على جدران المعابد والمتاحف الأثرية وهو السرير الملكى لتوت عنخ آمون ولملوك مصر.


تراث الجنازات فى النوبةتراث الجنازات فى النوبة

تراث الجنازات فى النوبةتراث الجنازات فى النوبة
اقرأ أيضًا:
Advertisements
الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة