مع الناس

حكايتى .. إرث الماضى و المحطة الأخيرة

22-9-2021 | 16:01
حكايتى .. إرث الماضى و المحطة الأخيرة

حكايتى .. إرث الماضى و المحطة الأخيرة

حكايات من الواقع يكتبها ـ خالد حسن النقيب:

أثقلتني الأقدار بأوزار كالجبال لا أعرف فى حياتى غير أن المال هو مفتاح السر لكل الأبواب ليس هناك أهم من المال و الحصول عليه و القدرة على المراوغة والتحايل حتى لا يكون لغيرين فكما أتكالب على الدنيا يتكالب عليها غيرى، وقد يكون أكثر ذكاء واحتيالا فيوقعني فريسة له، ولكني كنت دائما منتصرا، أدوس في طريقي كل شيء، الأخلاق والمبادئ والأعراف والتقاليد والمثل وكل دعائم الضمير في نفسي، حتي مظهري الديني وأعمال الخير التي كنت أقوم بها؛ لم تكن غير رتوش أجمل بها صورة قاتمة لنفس ضاعت في دنيا الشيطان؛ لا أدرك أن الدنيا مهما امتد بي العمر فيها ستنتهي ولا مآل لي غير حفنة من تراب تمتلئ بها عيني انتظارا لموقف عظيم أراه يقترب مني أتجرد فيه من كل شيء؛ المال والجاه وقدرات الذكاء والتحايل ومجد الدنيا وزهوها، لا تثقلني غير ذنوبي وعشم في رحمة الله لا أدري إن كان لي حق فيه أم لا؟.

أنا الآن في العقد السابع من عمري، أمتلك أراضي وعمارات وشركة للمقاولات ولدي عزوة من الأولاد، أعطتني الدنيا من زينتها كل شيء إلا إحساسا واحدا لم يكن لي أن أعيشه أبدا وهو الإحساس بالأمان والطمأنينة، يتملكني القلق دائما، أخشى من الغد القادم لا أعرف ماذا يخبيء لي، وأهاب الموت ليس خوفا منه ولكن من تلك اللحظة التي أواجه فيها ربي والتي لم أعرف لها قيمة إلا في هرمي، قبل خمسين عامًا وفي ظل فتوتي وإرهاصات الشر الأولي في نفسي وضعت يدي علي ثروة أبي عقب وفاته ولم يكن له وريث غيري وأبناء شقيقي الوحيد والذي كان قد مات في حادث سيارة قبل وفاة والدي ببضعة أعوام.

كانوا صغارا لم يشتد لهم ساعد، تزوجت أمهم من رجل آخر وأجبرتها على ترك أولادها ليكونوا تحت رعايتي ووصايتي أيضًا، لم أكن في حاجه للتلاعب في الوصاية فقد احتلت على والدي وجعلته يكتب كل شيء لي في الإرث بحجة أنني من أدير المال وأرعى أبناء أخي، بمضي الوقت تزوجت وأنجبت عيالا امتلأ البيت بهم وأولاد عمهم وهيأ لي الشيطان أنني طالما أقمت علي تربية أولاد أخي فذلك هو كل حقهم عندي واختصصت أولادي بكل مالي غير نفقة أنفقتها عرضا علي عيال أخي حتي تخرجوا في الجامعة وطلبت منهم أن يستقلوا بحياتهم وأعطيتهم مبلغا من المال يستعينون به في دنياهم لا يساوي شيئا مما لهم عندي وكنت أظن وقتها أنني أرضيت ضميري ناحيتهم وغرقت في مشروعاتي ورحلة البحث عن المال بأي طريقة مؤمنا أن أفكاري المادية هي الطريق الصحيح الذي يجب أن يسلكه أولادي من بعدي ولكني لم أكن أدري أن المال الذي يمكنه أن يشيد البناء ويعلو به يمكنه أيضا أن يهدمه ويتلاشى المال ويضيع معه كل شيء إلا الحسرة على ابني الأكبر الذي أكله الشيطان إدمانا وأوقع به في براثن الهلوسة ودروب الكيف القاتلة حتي مات من أثر جرعة زائدة أما ابني الأصغر وابنتي فقد هجراني غضبا ولعنة بسبب مالي ولأنهما يريانه حراما، سافرا خارج البلاد وابتلعتهما الدنيا بلاد الله لخلق الله لا أدري أين هما، وها أنا وحيد لا يساندني في شيخوختي أحد غير أبناء أخي الذين ظلمتهم صغارا فبروني كبارا، وتعلمت منهم أن رحلتي وراء المال شيدت لي صرحا عظيما ولكن من الرمال سرعان ما تهاوي مع تيارات وعواصف الدنيا ووجدت أني أمام قرار حتمي وهو أن أعيد الحق لأصحابه من أبناء أخي لعلي أطهر بعض نفسي، ولكن كيف يمكن لي أن أطهر نفسي وهناك كثيرون تحايلت عليهم وامتصصت أرزاقهم بمنطق شطارة زائفة ومضي العمر واحترقت الأيام بنيران المال وشهوته وخلفت في نفسي تلالا من رماد أسود غطي علي كل شيء فلم يعد للمال متعة أو شغف للحصول عليه ولم يكن أمامي غير أن أصفي كل تجارتي وأقبع في بيتي تغلغلني أمراض الشيخوخة والوحدة إلي ما لا نهاية.

أعرف أنني أوشكت علي آخر محطة في رحلتي ولابد من لحظة النهاية ولكن خوفي ليس من الموت في حد ذاته ولكن كيف لي أن أواجه ربي بكل هذا الثقل من أحمال الذنوب والخطايا، هداني عقلي أن أتبرع بكل مالي في أوجه الخير والصدقات لعلي أتخفف من ذنبي ولكن ألا يكون في ذلك ظلم لابني وابنتي اللذين يعيشان في الخارج أليس من الجائز أن يعودا يوما بعد وفاتي يبحثان عن إرثهما في أبيهما، هل يلعناني ميتا كما لعناني حيا؟ ليتهما يعلمان قدر ما أنا فيه من كرب ومعاناة ومرض، حتي لو كانا يرفضان مالي الحرام وهجراني بسببه لكن أنا في النهاية أبوهما ولي حق عليهما، هما يتهماني أني كنت السبب في موت أخيهما وأنه بإدمانه وموته دفع فاتورة مالي الحرام.

لست أدري ماذا أفعل هل أتكور عجزا ويأسا علي شيخوختي حتي توافيني منيتي وأموت وحيدا منبوذا، ولكني أخاف من هذه اللحظة ترتعد فرائصي من المواجهة المحتومة فليرحمني الله.

 ق. م. القاهرة.

إن أكثر ما يثقل الإنسان ويوقعه في مدارك اليأس هو ذلك الإحساس الأخير بدنو الأجل في وقت ضاعت فيه كل الفرص للنجاة ولم يتبق غير الحسرة تجتاح الروح فتقضي عليها خوفا وفزعا ولكنك يا أخي نسيت في خضم همك وذنبك أن باب التوبة مفتوح أمام العبد يسعي فيه لخالقه راجيا رحمته إلي نهايته والنهاية هنا تتمثل في آخر لحظة للإنسان في الدنيا وهي ما أطلق عليه الغرغرة وذلك بنص الحديث الشريف الذي رواه الترمزي عن الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر فلما تخشي لقاء رب المغفرة والرحمة وتفزع منه وهو يفتح لك بابه، ألم يرشدك وعيك بإعادة الحق لأصحابه؟ ألم تهتد لتطهير نفسك ومالك بالصدقات وأوجه الخير؟ ألست قادرا على أن تسعى وإن كنت شائخا في مناكب الأرض بالخير كما كنت تسعي في مناكبها شابا بالشر ؟ إذا طالما أنك قادر علي الفعل لم تعلن الروح فيك الرحيل فأنت أمام فرصتك الأخيرة فاجتهد فيها لا تبالي أو تخف، أما ابنك وابنتك فقد كانا علي حق في هجر المال الحرام لا هجرك فهما النبت الطيب في حياتك وفي يقيني أنهما لو علما صدق توبتك وتطهرك سيأتيان إليك حتما ليحيطاك بحبهما واهتمامهما برا ورعاية ويعاوناك أيضا فيما تفعل من أوجه الخير وساعتها هما من يفعلان فعل تطهير المال إما بإنفاقه كله أو بعضه لوجه الله فذلك شأنهما أما أنت وقد بلغت أرذل العمر ووهن العظم منك فذلك لحكمة يعلمها المولي عز وجل يريك فيها ويرى غيرك ممن غرتهم الدنيا نهاية الطريق وما هي عليه الدنيا من وهم وتذكر يا أخي قول الله تعالي في محكم آياته (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ۚ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72)) صدق الله العظيم.

اقرأ ايضا:
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة