آراء

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم (1-2)

22-9-2021 | 11:48
Advertisements

(1)

ليس فقط، لأنها تدثر نفسها وحسها وحدسها باسم النهر الخالد في سياق المنظومة النيلية الإعلامية، التي تنساب كصفحة النيل الجميل منذ العام 1994.. وليس فقط،لأنها الصوت الفضائي الواحد والوحيد الذي يغرد في سمع العالم، ويبرق في بصره، ويتحاور مع فكره، ويجادل وجدانه، بما تبثه من «رؤية» وما تسعى إليه بـ «رؤيا» تنفذ إلى قلب الدنيا - التي مصر أمها فعلا - بهدوء النيل وغليانه في تعادلية يعز تحققها إلا قليلا في فضاء المنطقة..
 
وليس فقط لأنني صحفي مصري وكاتب ذو فكر قومي، عاش خارج مصر حوالي ثلاثين عامًا وهو شاهد وشهيد معًا على هذه المنظومة التليفزيونية الدولية..! بل أيضًا.. لأنها تحافظ على توهج المصباح المصري الفضائي واستمراريته وإيقاده من شجرة مصر التاريخ والحضارة والفكر والثقافة والعلم والدين والسياسة والفن والإبداع والكتابة، والجمال والجلال و التنوير والمنارة.. 
 
هذه المنظومة تستدعي تقنيات بشرية ذات إرادة إنسانية وإدارة سياسية معًا، وأدوات فنية عالية، وتستثمر مفردات الصوت الإعلامي وغواية الصورة الفضائية.. عن قناة النيل الدولية الفضائية أتحدث.. وهي التي تحدث العالم باللغتين الانجليزية الفرنسية.. 
 
(2)
 في عقد التسعينيات أواخر القرن الماضي، وعقد الألفية الأولى من القرن الراهن، كم كنا - في الخارج - نتعذب من فقر الأخبار، والشقاء في مواكبة التحولات، والجهد المضاعف في متابعة الأحداث، ليس في مصر وحدها بل في كل دول المنطقة، وهذان العقدان كانا أكثر الفترات العربية والدولية توترًا عسكريًا وسياسيًا واجتماعيًا وإعلاميًا واقتصاديًا، بسبب الأحداث الدامية الدرامية في تداعيات محاولة نزغة العراق لالتهام دولة الكويت، ثم همجية الكيان الصهيوني في فلسطين العزيزة، وتداعيات الحرب العراقية الإيرانية التي لا تزال لغزًا، ثم احتلال أمريكا للعراق، ثم 11 سبتمبر الأمريكي، وانعكاساته البغيضة على العالم أجمع.
 
في كل ذلك وأكثر من ذلك، كان لقناة النيل الدولية وجودها وحضورها، بسم مصرنا العظيمة، ومصر لم يحدث أن دخلت طرفًا في مشكلة عربية إنما هي تحل الأزمات باعتبارها الأخت الشقيقة لكل العرب، وتمتلك الإمكانات بكل أطيافها، فهذا قدرها وقدرتها.. من أجل ذلك هي لا تدخل طرفًا ولا تنحاز لطرف ضد آخر في أية إشكالية، ولا يجوز لها، ولا ينبغي؛ لأنها مصر.. حقًا وقولًا وفعلًا ويقينًا.
 
(3) 
أقول قولي هذا، وأنا أمارس الاستعادة والاسترجاع، والتذكر والتفكر وإعادة قراءة أوراق وأحداث وثغرات تحتاج أن تملأ وتسد.. 
لكن لماذا أتحدث الآن عن هذه الوسيلة المصرية الدولية؟
 
الذي حدث أن التباسًا جعل الأمر يختلط علىَّ، حين لبيت دعوة حوارية من الفضائية المصرية، قبل يومين، وقيل لي ن اللقاء سيكون في استديو (رقم 3)، وظننت أنه الطابق (رقم 3) فإذا بي أجد نفسي أمام لافتة مكتوب عليها (قناة النيل الدولية).. هي إذن..! 
 
مفارقة جميلة مثيرة للدهشة.. فعلًا «رب صدفة خير من ألف ميعاد».. هي إذن.. القناة الصديقة التي صاحبتني ورافقتني كصحفي في منطقة الخليج تنقل عرفيًا ومعرفيًا وأخلاقيًا وجماليلًا، بين أكثر من عاصمة متحركة، متابعة لتحولات المنطقة الملتهبة ومواكبة للأحداث المتسارعة؛ انطلاقًا من قاعدتي الأساسية مسقط العاصمة العمانية التي لا تزال تجادل الزمن.
 
(4) 
كانت الانبثاقة الأولى لقناتنا النيلية الدولية في العام 1994 في عنفوان التوتر العربي والإقليمي والعالمي، كنا نتابع وننهل ونراقب ونتواصل ونثق - وما أندر الثقة - آنذاك فيما كان ينقل ويذاع ويعرض، لا سيما إذا تذكرنا أن القناة الوحيدة في كوكب الأرض التي كانت تصيغ وتشكل رؤية سكان الكوكب، كانت قناة الـ CNN الأمريكية، وكانت المصدر الأول والأخير لما كان يجري في أحداث العراق والكويت، هو الجنرال «شوارزكوف» الذي كان قائد ما سمي بقوات التحالف الدولي ضد قوات الاحتلال العراقي في دولة الكويت خلال حرب الخليج الثانية عام 1991م التي عرفت بعاصفة الصحراء.
 
بعد ذلك.. كسر الفضاء المصري الإعلامي هذا الاحتكار الأمريكي لتغطية أحداث، خاصة بعد أحداث سبتمبر 2001، وبعده الغزو الأمريكي لأفغانستان، ثم العراق 2003 وانتهى الصوت الأمريكي الأحادي إلى الأبد، وتحالفت الفضائيات العربية بعد أن تشجعت بإلإقدام المصري، وتصدرت..!
 
لكن قناة النيل الدولية تألقت.. ثبتت صوت مصر العالمي بتمايزها وتميزها.. وطبعت حضورها هنا وهناك.. وصارت مرجعية بل مصدرية لكبريات الأحداث.. هذا على المستوى السياسي باعتبار أن السياسة صارت هي الأخرى، مثل الماء والهواء، نظرًا لدموية ودرامية الحوادث في العالم، وإن تراجعت وتقهقرت في الآونة الأخيرة وهزمتها الثقافة بالمعنى الكوني للثقافة، حتى أن اليونسكو أكدت أن الناس في العالم صارت (تمل) من السياسة و(تميل) إلى الثقافة، لكن أكثر الساسة لا يعلمون.
 
(5)
حين عدت إلى مصر الحبيبة 2010، واستقر القلم والألم والأمل وعاودت الالتحام المباشر والقوي والمتجدد بالمنظومة الصحفية المصرية، وعلى جبيني تاج أخبار اليوم، كان من الطبيعي - نظرًا للألفة والحميمية مع «النيل الدولية» - أن أتابع، فإذا الدنيا فيها صارت أكثر اتساعًا، وإذا الرؤية أكثر موضوعية، وإذا الرؤيا أكثر استشرفًا، وإذا التعددية عنوانًا كبيرًا والعنوان دائمًا يفكر للنص، كما نقول في دراساتنا الإعلامية والنقدية.
 
ما الذي حدث؟ لاسيما في السنوات القليلة الماضية وهي تتهيأ لدخول عقدها الرابع؟
 
بين الحين والحين كنت أراها، ربما بحكم (المعمعة) التي تستنزفنا في شارع الصحافة، وبحكم الإحباط الذي يجعلنا في أوار الحياة اليومية كائنات مستهلكة خاصة تحت سنابك الشئون الداخلية العربية، والأوجاع المحلية لكل قطر عربي، والشعور القومي الذي بهت، وثرثرة العالم بما يسمى السياسة، والساسة في عالم اليوم ... حدث ولا حرج.. والأفضل أن لا تتحدث..!!. 
 
(6)
وأفيق من اللحظة الراهنة التي استغرقتني وامتدت سنوات وسنوات من العذاب والعذوبة.. لأجد نفسي أمام مكتب قالوا لي إنه مكتب رئيس قناة النيل الدولية «تغريد حسين».. إذن هي المايسترو..! أليس كذلك..؟!

اقرأ أيضًا:
Advertisements
د.مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (1 - 3)

قال لي صاحبي وهو يحاورني، وكان له ثمر من مجموعة جروبات في الواتس والميديا، يتكسب منها بصورة أو بأخرى، ويتخيل أنه أيضًا أكثر مني مالًا وأعز نفرًا، فهو يستثمر،

د. مجدي العفيفي يكتب: حتى لا تضيع التغريدة المصرية...!

عنوان هذه الكتلة السردية الإعلامية، التي ستقرأها بعد سطور، صاغه أستاذ حقيقي للإعلام، صناعة وصياغة، ورؤية ورؤيا، وتنظيرا وممارسة، وبذلك تضيق الهوة بين التصورات

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم ( 2-2)

جاء العبارة الأخيرة في مقال الأسبوع الماضي تحمل جينات هذا المقال وأفيق من اللحظة الراهنة التي استغرقتني وامتدت سنوات وسنوات من العذاب والعذوبة.. لأجد

إن العيون التي في طرفها «جراحة» (3-3)

ما إن أذن الله تعالى بإزالة الغشاوة التي حالت دون الرؤية إلا قليلا، حتى تضرع القلب إلى المنعم العظيم أن لا يُحرم أحدٌ سواء من المحبين والمحبوبين أم من

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (2-3)

قلت في الجملة الأخيرة من النظرة السابقة، إنني حاولت - أثناء استسلامي للطبيب اللبيب وهو يحاور ألمي في العيون التي في طرفها نزيف - أن أحقق معادلا موضوعيا

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (1-3)

العين.. وما أدراك ما العين.. سبحان الذي أحسن كل شيء خلقه صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.. بلى.. حسب العين أنها آية من آيات الله.. إذن فلا

ومضة نور في طريق مـظلم

الساعة تدق الثالثة صباحًا.. الشوارع خالية.. إلا قليلًا.. طائر الفكر يسري على جناح الليل، والليل صديق..

أقوى من المعرفة والمال والحب والحظ

تكررت الكلمة في حواريتي مع محدثي أكثر من مرة، حتى إنها لفتت انتباهي واستقطبت اهتمامي.. وهي نفس الكلمة التي تتخذ منها الطرق الصوفية سبلًا قويمة ومرجعيات

منصة لإطلاق الجمال

آه لو عرف الشباب.. وآه لو قدر المشيب.. هيمنت على وجداني هذه الفكرة، وأنا أحدق في تلك الساعة التي كانت بطلتها هذه السيدة الأنيقة والأناقة سلوك ..الجميلة جمالا ارستقراطيا، والجمال منحة أكثر منه محنة.. .

الحرام .. رؤية أكثر اتساعًا

لحظة تتجلى فيها منظومة من القيم، العابرة للإنسان والزمان والمكان، إذ هي إنسانية الجوهر، كونية المعنى، عالمية النزعة، تلك اللحظة، في بعدها الماضوي الأثري

رجل .. رجلان .. ثلاثة رجال

ثلاثة مشاهد مثيرة فعلا، تتغشاها كتلة سردية من الشوك البشري إلى الشوق الإنساني.. الأول يثير الغيظ.. والثاني يثير الشفقة.. والثالث يثير الهمة الإنسانية المفقودة، ورب همة أيقظت أمة.

..واسألوا هذا الصقر...!

يعيش الصقر 70 عامًا، ولكن حتى يصل إلى هذا العمر، يجب عليه اتخاذ قرار صعب جدًا، ليكمل حياته.. فماذا يفعل؟ عندما يصل إلى سن الأربعين تفقد أظافره مرونتها،

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة