راديو الاهرام

حسين خيري يكتب: العلم والبركة في حكاية..

21-9-2021 | 00:29

"لايكيل العلم بالبتينجان" عبارة يروجها المصدقون لمن يمشي على الماء، ويؤمن بها الذين شيدوا صرحا وسقط على الفور لافتقاره إلى دراسة طبيعة التربة، والفشل في ذاته يعد كارثة، أما إذا حدث بفعل الجهل، فتكون المصيبة أعظم، والجهلاء دائما خلف ترويج الشائعات الفارغة من أي دليل.
 
وما أشبهم بالسوس الذي ينخر في عضد المجتمعات، ويتجلى هذا في أروع حالاته، حين يردد الشائعات أحد المدعين بالمعرفة في برامج الفضائيات.
 
وقال الجاحظ: فساد الجهلاء يشمل عناصر كثيرة أهمها سوء الذمم والأخلاق، والتي تنتقل بسرعة كالعدوى، وتحدث عنه المفكر مالك بن نبي بقوله: "ألا قاتل الله الجهل، الجهل الذي يلبسه أصحابه ثوب العلم، هذا الجهل أخطر على المجتمع من جهل العوام"، وسبقهما أفلاطون قائلا: الجهل أساس كل الشرور.
 
ومن كوارث الجهل انتشار العشوائيات، وانحدار الذوق العام، الذي أصاب العديد من الثقافات، وتظهر في أزياء رديئة التصميم، وتتضح في شيوع الألفاظ البذيئة أثناء الحوار، ونلمسها في تغليب موسيقى الإسفاف، أو ما يسمى بأغاني المهرجانات.
 
والجهل يزيد من معاناة الفقير، ويفرض على الفقير تعلم لغة واحدة، وهي لغة استجداء لقمة العيش، ويجمده في موقعه، ويؤصد عليه باب التفكير، والمفكر الأمريكي طرح حلًا للفقراء، ليخرجوا من محنتهم، وأودعه في كتابه "الفقر والتعليم"، وأورد فيه أن أطفالًا ينتمون إلى أسر معدمة، وضعوا لمستقبلهم خططًا منهجية، وتعلموا واجتازوا بتفوق دراساتهم، واستطاعوا عبور خط الفقر، وما لبثوا أن صاروا روادًا في تخصصاتهم.
 
ويكمن وباء الجهل داخل المجتمعات المتخلفة في سيطرة الفقر الفكري على عقول أفرادها، فقد ظلوا واقفين عند مرحلة معينة من حضاراتهم، وهم كمن رقص على السلم، فلم يستطيعوا استيعابها كما ينبغي، حتى يسهل عليهم تطويرها وإجراء تحديثات عليها، ونتج عنها خلق شخصية مهزوزة، تفتقد الثقة أمام هجمة العولمة، برغم أن الغرب وأتباعه يقدم أحيانا ثقافات ليس فيها أبسط مبادئ العلم.
 
ومن ناحية أخرى الغرب هم أول من أنشأ مراكز لإدارة الأزمات سواء طبيعية أو بفعل الإنسان، ودعم حكوماته هذه المراكز بالمال والقدرات البشرية عالية التخصص، لكي تخضع كل كارثة للعلم والدراسة، سعيًا للسيطرة عليها، أو للحد من انتشارها، والنموذج الأقرب من ذلك محاولاتهم للقضاء على فيروس كورونا.
 
ولذا إذا غاب عن مناهج التعليم المنهج التجريبي، تحول إلى مجرد حشو أو معلومات لا تحمل فائدة ولا قيمة، ولن تفرز سوى مجموعة من الشباب ضعفاء الفكر مهزوزي الثقة.
 
ومن أشهر أقوال الجهلاء الساخرة بقيمة العلم: "خليها ماشية بالبركة"، فلم يوقروا قيمة البركة، كما لم يقدروا العلم، فشرط الحصول على السعادة امتزاج العلم بتقوى الله،  والبركة عظّمتها الشرائع السماوية وعاداتنا، فقد زاد الإنتاج، وتوافرت أسباب الرخاء، وفي المقابل لا تنقطع الشكوى من الفقر ولا الحديث عن التدهور الاقتصادي والصحي، وأضف إليهم شدة نزعة الخوف من المستقبل، وقال تعالي: "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ"، وأفضل مثال واقعي على هذا المزج بين العلم والبركة حكاية نجاح الحاج محمود العربي رحمة الله عليه.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة