ثقافة وفنون

صفحات سوداء من تاريخ العرب.. حكايات وشخصيات فى «ليل الخلافة العثمانية الطويل»

20-9-2021 | 23:43
صفحات سوداء من تاريخ العرب حكايات وشخصيات فى ;ليل الخلافة العثمانية الطويل;محسن عبد العزيز
Advertisements
عزمى عبد الوهاب

كان جيش سليم الأول على الأبواب، وكان حكم المماليك فى أشد لحظاته ضعفا، فالمماليك الذين تصدوا للتتار والصليبيين، ضعفوا وانشغلوا بالجوارى وجمع الأموال، والسلطان الغورى نفسه خرج للحرب وعمره 78 عاما، وفوق ذلك كانت الخيانة تضرب أركان حكمه، والتقى الجيشان فى مرج دابق، وكانت النهاية أن «خرج من فم السلطان الغورى دم أحمر» كما قال ابن إياس الحنفى فى «بدائع الزهور فى وقائع الدهور».

مات السلطان الغورى من شدة القهر، وعاشت مصر دون سلطان، و”طومان باي” يرفض قبول السلطنة، فى هذا الظرف العصيب، لكنه قبلها على مضض، وكالعادة يسبق الخونة الجيوش الغازية، ودقت طبول الحرب، والتقى الجيشان عند الريدانية، وقتل منهما الكثير، لكن عسكر مصر انكسر مرة أخرى، واختفى “طومان باي” خشية أن يقع فى الأسر.

كانت النتيجة - كما يقول القاص محسن عبد العزيز فى كتابه “ليل الخلافة العثمانية الطويل سيرة القتل المنسية” الصادر عن الهيئة المصرية للكتاب - أن ابن عثمان (سليم الأول) أباح القاهرة لجنوده ثلاثة أيام متتالية، لم يراعوا حرمة أى شيء، فقد دخلوا مشهد السيدة نفيسة إلى ضريحها، وداسوا على قبرها، وأخذوا قناديلها الفضية، والشمع الذى كان عندها، وبسط الزاوية، وقتلوا فى مقامها من وجدوه من الناس الذين احتموا بها”.

هى صفحة سوداء من تاريخ مصر، تلك التى يرصد تفاصيلها محسن عبد العزيز، فعبر صفحات الكتاب التى تصل إلى 145 صفحة، سنلتقى شخصيات كثيرة، لعبت أدوارا بطولية، فى زمن كان العنف عنوانه الوحيد، وبدأت أنهار الدم بسقوط السلطان الغورى من فوق فرسه عطشانا، وقتل ما يزيد على عشرة آلاف من عسكره، وتواصل سلسال الدم مع صرخة “طومان باي” داعيا جنوده للمعركة: “اخرجوا، قاتلوا عن أنفسكم وأولادكم وأزواجكم، فإن بيت المال لم يبق فيه درهم ولا دينار وأنا واحد منكم” إلى أن انكسر جيشه، وخانه أحد أصدقائه، ووشى به عند ابن عثمان.

تأكد “طومان باي” أنهم سيشنقونه، فقال للناس وهو فى طريقه إلى باب زويلة: “اقرأوا لى الفاتحة” ووضعوا حبل المشنقة فى رقبته، وقيل إن الحبل انقطع مرتين، قبل أن يشنقوه مكشوف الرأس على باب زويلة،”وصرخت الناس عليه صرخة عظيمة، وكثر عليه الحزن” فبعد أربعة أشهر من توليه السلطنة شنق، وتركوه معلقا ثلاثة أيام، حتى طلعت رائحته، وفى اليوم الثالث أنزلوه ودفنوه فى مدرسة عمه السلطان قنصوة الغوري.

وبعد ثمانية أشهر من الإقامة فى مصر، عاد سليم الأول إلى إسطنبول فى موكب كبير، راكبا بغلة السلطان الغوري، وأخذ معه الخليفة العباسى المتوكل، وطلب منه أن يتنازل له عن الخلافة، ويبايعه خليفة للمسلمين، وأن يسلمه الآثار النبوية: العلم والسيف والبردة، وأن يسلم إليه مفاتيح الحرمين.

فى الوقت الذى كانت فيه أوروبا تبدأ أولى خطواتها نحو نهضتها العلمية، كانت منطقتنا العربية، تعيش ثلاثة قرون تحت دياجير الاحتلال العثمانى الغاشم – على حد تعبير محسن عبد العزيز – حتى استيقظت على قوات نابليون تضرب القاهرة بالمدافع، وتثير العقول بالمطبعة والبحث العلمي، وبرغم التخلف الذى طغى على كل مناحى الحياة، طوال فترة الاحتلال العثماني، فإنه مع صعود تيار الإسلام السياسى فى سبعينيات القرن الماضي، راح أنصار هذا التيار يعملون بكل الوسائل على تبرئة الاحتلال العثمانى من الآثام والجرائم التى ارتكبها.

يستشهد محسن عبد العزيز بآراء بعض المؤرخين فى هذا الشأن، للإجابة عن السؤال: هل أدت فترة الاحتلال العثمانى إلى تطور المجتمع المصرى أم إلى تدهوره؟ وهل تم الانتقال من العصور الوسطى إلى العصر الحديث على أيدى العثمانيين؟ والإجابة أن جزءا من الفائض الاقتصادى أصبح ينزح إلى الخارج، ما زاد من ضعف الوضع الاقتصادي، وتراجع الصناعة المحلية، إضافة إلى أنهم أنهكوا القوى المنتجة فى الريف المصري، عندما أدخلوا الذرة غذاء أساسيا للفلاح، وأخذوا القمح المصرى لاستهلاك الدولة العثمانية، ما أصاب كثيرا من الفلاحين بأمراض سوء التغذية.

هل كان للاحتلال العثمانى الفضل فى حماية المنطقة من الاحتلال الأوروبي؟ يجيب عماد أبوغازى بالنفي، فالمنطقة انتقلت من أيدى العثمانيين إلى يد الاستعمار الغربي، فقبل أن ينتهى القرن التاسع عشر، كان الجناح الإفريقى للعثمانيين، قد سقط فى أيدى فرنسا وإنجلترا، باستثناء ليبيا التى سقطت فى أيدى الإيطاليين عام 1911.

لقد حافظت القوى الاستعمارية الكبرى على بقاء الدولة العثمانية، رجل أوروبا المريض، لتتمكن من خلالها من السيطرة الكاملة على المنطقة وتقسيمها، وفى حالة مصر لعبت الدولة العثمانية دورا مباشرا فى تحقيق أهداف الاستعمار، عندما تحالفت مع الغرب، لضرب مشروع محمد علي، وعندما حرضت الدول الغربية السلطان عبد الحميد على خلع الخديو إسماعيل، وإعلان عصيان عرابى فيما بعد.
كتاب محسن عبد العزيز تحفه أنهار الدم والخيانة من كل جانب، لكننا نستل من هذا الطوفان حكايات وشخصيات، صنعت أبهى ما فى هذه الصورة القاتمة، ومنها محمد على الذى أدرك أن الخلافة العثمانية، تعيش لحظة مرضها، الذى طال بسبب صراع الدول الأوروبية على تقسيم إرثها، وقرر أن يأخذ نصيبه من هذه الخلافة المتداعية، ويستعيد الأجزاء التى كانت تحت سيطرة الدولة المصرية، قبل مجيء العثمانيين للمنطقة، فقام بضم سوريا عام 1832.

وكان من الطبيعى أن يغضب السلطان عليه، لكن محمد على لم يهتم، ووصل بقواته إلى الأناضول، واضطر السلطان العثمانى إلى اللجوء إلى عدوه التقليدى روسيا، طلبا للحماية، وفقدت الدولة العثمانية فى شهر واحد أسطولا وجيشا وسلطانا، بسبب محمد على باشا، رجل الشرق، الذى تنبأ به نابليون.

ضمن الحكايات التى يهتم بها محسن عبدالعزيز فى كتابه، حكاية إبراهيم باشا الذى وقف على أبواب إسطنبول بجيشه، فقد كان والى عكا عبد الله باشا يجعل من بلاده مأوى للفارين من حكم محمد علي، حتى بلغ عددهم ستة آلاف شخص، وكتب إليه محمد على يطلب إعادتهم إلى مصر، فرد عليه الوالى بجفاء: “إن شئت فاحضر لأخذهم” فأجابه محمد علي: “سأحضر لأخذ الستة آلاف وواحد فوقهم” كان يقصد عبد الله باشا نفسه والى عكا.

تحرك إبراهيم باشا قائد جيش مصر، واحتل يافا، وضرب حصارا حول عكا، لتبدأ معارك الشام، تلك التى نبهت الدول الكبرى إلى خطورة مصر وقائدها الأسطورى إبراهيم باشا،وفعلوا كل شيء لإيقاف هذا القائد الذى لم يهزم فى معركة، وعندما أعيتهم الحيل تكتلوا وأجبروا “محمد علي” على أن يسحب جيوشه التى أصبحت على أبواب إسطنبول.

كانت الخطة تقوم على ضرب مشروع محمد علي، وإبعاد التدخل الروسى من منطقة البوسفور، وتأجيل الأطماع الأوروبية مؤقتا، فأجبرت “محمد علي” على الانسحاب من الشام والجزيرة، مع السماح له بأن يحكم مصر وراثيا.

ينتقل بنا محسن عبد العزيز إلى مساحة أخرى من الحضور المصري، ففى اللحظة التى كان العالم العربى يعيش حالة احتضار حضارى طويل، جاء رجل من كابول اسمه جمال الدين الأفغاني، راح يقلب التربة بعقله الحر، مثيرا فى كل مكان يحل به نزعات الحرية والاستقلال، ترك الأفغانى وطنه وبدأ رحلته العقلية والثورية من الهند، وجاء إلى مصر فى أول زيارة قبل أن يذهب إلى الأستانة، ويبدأ الدعوة للحكم الدستوري، ليعود إلى مصر مرة أخرى ليمكث بها 8 سنوات، ويصفها بأنها “أحب بلاد الله إلى نفسه”.

كان “توفيق” معجبا بأفكار الأفغانى الإصلاحية، لكنه بعد أن أصبح الخديو كان أول قراراته نفى الأفغانى من مصر إلى الهند، بتهمة أنه “رئيس جمعية سرية تجتمع على فساد الدنيا والدين” وظل الأفغانى هناك ثلاث سنوات، ولم يسمح له بتركها إلا بعد تصفية الثورة العرابية، وبالفعل سافر إلى باريس، ومنها قرر العودة إلى أفغانستان، لكن شاه إيران ناصر الدين دعاه إلى بلاده، وسرعان ما حدث خلاف بينهما، فرحل إلى روسيا، وعاش هناك أربع سنوات، ودعاه الشاه مرة ثانية، وبسبب تعاطف الأفغانى مع الفلاحين، حدث الخلاف بينهما ثانية، و”قام بطرده إلى البصرة مهلهل الثياب، يرتجف من شدة البرد وفى يديه السلاسل”.

سافر الأفغانى إلى لندن للعلاج، ومن هناك استدعاه السلطان عبد الحميد، وأصبح من أقرب خاصته إليه، وكان قد أعلن بيعته لعبد الحميد خليفة للمسلمين، وبعد فترة كتب إليه: “أتيت لأستميح جلالتك أن تقيلنى من بيعتى لك، لأنى رجعت عنها، نعم بايعتك بالخلافة، والخليفة لا يصح أن يكون غير صادق الوعد”، وأجبر الأفغانى على ملازمة داره، فعاش آخر ثلاث سنوات من حياته فى عزلة تامة، حتى مات كمدا وعمره 59 سنة فقط.

يتساءل محسن عبد العزيز: لماذا قتل العثمانيون الكواكبي؟ فى الثلاثين من عمره أصدر الكواكبى جريدتين، يفضح فيهما طغيان حكم الخلافة واستبداده، لكن السلطان العثمانى أغلقهما بسبب هجومهما على سياسة الخلافة ضد العرب، كما هاجم رجال الدين الموالين للخلافة، وسماهم “عمائم السلطان” حتى ضاقت به الخلافة ذرعا، وقامت باعتقاله عدة مرات فى حلب، وصدر الحكم عليه بالإعدام، لكن محكمة أخرى برأته، فأدرك أن حياته فى سوريا أصبحت فى خطر، فقرر الهرب إلى مصر، ولم يتوقف عن البحث فى أسباب تخلف المسلمين والعرب.

كان الكواكبى معتادا على الجلوس فى مقهى بحديقة الأزبكية، وبعد نصف ساعة من تناول فنجان القهوة فى يوم من أيام شهر يوليو 1902 بدأ يشعر بآلام غريبة، وطلب من ابنه أن يحضر الطبيب، لكن الوقت قد فات، كان الموت أسرع، وبمجرد وفاته كان جواسيس الخلافة فى منزله، يصادرون الأوراق التى كتبها، وأرسلوها إلى السلطان عبد الحميد فى قصره بالأستانة.

هناك رواية أخرى تقول: إن أحد هؤلاء الجواسيس أهداه كتابا مسموما، بعد أن لاحظ أنه يبلل إصبعه بلسانه، عند تقليب الصفحات، وبعد موته قيل: “بالقراءة أتعبنا وبالقراءة قتلناه” وكان الحزن على موت الكواكبى كبيرا، كان عمره 53 عاما.

كل هذا التاريخ  من الدماء، قضى عليه مصطفى كمال أتاتورك بجرة قلم، حين تقدم إلى الجمعية الوطنية بمرسوم، يقضى بإلغاء الخلافة، وطرد الخليفة، كان ذلك فى الثالث من شهر مارس عام 1924 حين خاطب النواب قائلا: “بأى ثمن يجب صون الجمهورية المهددة،وجعلها تقوم على أسس علمية متينة، فالخليفة ومخلفات آل عثمان، يجب أن يذهبوا والمحاكم العتيقة وقوانينها، يجب أن تستبدل بها محاكم وقوانين عصرية، ومدارس رجال الدين يجب أن تخلى مكانها لمدارس حكومية غير دينية” وأقرت الجمعية الوطنية القانون، وبذلك هدم أتاتورك فى ساعة واحدة أسس الخلافة، التى دامت سنوات طويلة.

فى خاتمة كتابه يشير “محسن عبد العزيز” إلى أنه فى تجربة “محمد علي” القوية فى الحكم والإدارة انحازت مصر إلى الصناعة، والقومية المصرية المستقلة، التى يحميها جيش قوي، بينما كان الوضع قبل ذلك قائما على التبعية للخلافة العثمانية، وبعد موت محمد على ومجيء عباس الأول، عاشت مصر مرحلة انهيار سريع، فضعفت الصناعة، وتمت تصفية العسكرية المصرية، لصالح التبعية العثمانية، وعادت مصر مرة أخرى إلى العصور الوسطى، وعندما جاء الخديو إسماعيل إلى الحكم، استردت الدولة عافيتها وقوتها مرة أخرى، وعمل إسماعيل على تحديث مصر على أسس مدنية، لجعلها قطعة من أوروبا، أى جزء من حضارة البحر المتوسط، وهو نفس ما قاله طه حسين بعد ذلك، فى كتابه “مستقبل الثقافة فى مصر”.

 

نقلاً عن الأهرام العربي
اقرأ أيضًا:
Advertisements
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة