راديو الاهرام

محمد الشاذلي يكتب: نجيب محفوظ والصحافة (3 - 4)

19-9-2021 | 00:25

 احتفل "الأهرام" بعيد الميلاد الخمسين للأستاذ نجيب محفوظ، وكان صاحب الفكرة أحد أفراد شلة الحرافيش وهو الرسام والشاعر صلاح جاهين، لمعرفته بولع الأستاذ محمد حسنين هيكل بضم محفوظ إلى كتاب الأهرام، وأقيم الاحتفال في شهر ديسمبر سنة 1961، وإمعانا في الضغط على محفوظ قام هيكل بدعوة أم كلثوم.
 
 ويحكي صديقنا الكاتب إبراهيم عبدالعزيز في كتابه الثمين "ليالي نجيب محفوظ في شبرد" (منشورات بتانة 2017) ما رواه الناقد فؤاد دوارة من أن أم كلثوم قالت: لقد أسعدني نجيب محفوظ برواياته وقصصه وأرجو أن يسعدني خمسين عاما قادمة. ورد محفوظ قائلا: إذا كانت كتاباتي قد أسعدت أم كلثوم فماذا يستطيع إنسان أن يفعل إزاء إحساسه أنه أسعد مصدر سعادته.
 
 قبل هذا الإحتفال بثلاثة أعوام نشرت جريدة "الأهرام" رواية محفوظ المثيرة للجدل "أولاد حارتنا" في حلقات يومية، وهي أول رواية ينشرها مسلسلة في صحيفة في حياته، لأنه وسبق ونشر "بين القصرين" مسلسلة في مجلة "الرسالة الجديدة" التي يترأسها يوسف السباعي.
 
ويبدو أن فوز محفوظ بجائزة الدولة لأدب عام 1957 فتح رغبة "الأهرام" التي تسعى إلى جذب أهم كتاب مصر في ضمه إليها، وقد أقام له الكاتب إحسان عبد القدوس حفلا بمنزله بمناسبة حصوله على الجائزة حضره مدير تحرير الأهرام علي حمدي الجمال الذي تحدث لمحفوظ باسم هيكل طالبا رواية للنشر مسلسلة في جريدة "الأهرام"؛ وهي الرواية التي بدأ نشرها يوم الإثنين 21 سبتمبر سنة 1959، وأقامت الدنيا ولم تقعدها حتى الآن.
 
 وذكر إبراهيم عبدالعزيز في كتابه اعترافات هيكل للكاتب عادل حمودة أنه روج للرواية في جريدة "الأهرام" بخبر مفصل قبل النشر بأسبوع، كشف فيه أن "الأهرام" سيدفع ألف جنيه مصري مقابل القصة، وقال إنه "يذكر الرقم ـ ليس تفاخرا أو ادعاء ـ وإنما يذكره ليسجل بدء عهد جديد في تقدير الإنتاج الأدبي". 
 
ويوم الأحد تم نشر خبر ثان بعنوان: قصة نجيب محفوظ ستبدأ في "الأهرام" غدًا، مشيرا إلى أنها مصحوبة برسومات الفنان الكبير الأستاذ الحسيني فوزي. وبدأت متاعب "أولاد حارتنا" بعد أسبوع، لكن النشر استمر حتى نهاية الرواية، وكتبت "الأهرام" بعد سطرها الأخير: انتهت الرواية.
 
 وقال هيكل إن توفيق الحكيم هو الذي أعطاه أوراق رواية "أولاد حارتنا"، ويصر نجيب محفوظ أنه قدمها إلى علي حمدي الجمال، وكتب إبراهيم عبدالعزيز على لسان محفوظ في ليالي شبرد، وبعض الليالي في سوفيتيل: يمكن الجمال أعطاها للحكيم.
 
ومنذ ذلك التاريخ وتحملت "الأهرام" بقيادة هيكل وفي زمن الرئيس جمال عبدالناصر مضامين أدب محفوظ، وإشاراته وإيحاءاته، وكما واجهت احتجاج بعض الأجهزة وشخصيات نافذة في السلطة؛ فقد احتج الاتحاد الاشتراكي على نشر رواية "ميرامار"، ورواية "ثرثرة فوق النيل"، وغضب آخرون لم يحددهم هيكل من نشر رواية "اللص والكلاب".
 
 وعلى حد تعبيره فإن السلطة كانت واثقة من حسن نواياه، واعترف للأستاذ رجاء النقاش في مذكراته "نجيب محفوظ صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على حياته" (مركز الأهرام للترجمة والنشر 1998): كل الروايات أو الأعمال الأدبية التي أثارت أزمات وعُرضت على عبدالناصر لكي يفصل فيها جاء رأيه بشأنها إيجابيًا، حيث انحاز إلى حرية التعبير، وحدد محفوظ روايته "ثرثرة فوق النيل" ورواية ثروت أباظة "شيء من الخوف" كمثلين واضحين.
 
 قبل التعاقد مع محفوظ بأكثر من سنة مات عبدالناصر فطلب هيكل من محفوظ مقالا، كتبه تحت عنوان "كلمات من السماء" في شكل حوار متخيل مع عبدالناصر يذكر إنجازاته ومواقفه وشعاراته، ونشرها "الأهرام" في 2 أكتوبر 1970. ثم كان محفوظ أول المتبرعين في مشروع الحكيم للاكتتاب الشعبي لإقامة تمثال لعبد الناصر، وتبني "الأهرام" الحملة، وفتح لها حسابا في البنك الأهلي.
 
 وحكي لي الكاتب محمد سلماوي أنه تم تكليف المثال الكبير جمال السجيني بعمل التمثال، وقد أنجزه بالفعل، ثم تغيرت السياسات، وتم صرف النظر عن الموضوع، لتظل قاعدة ميدان التحرير شاغرة حتى تمت إزالتها عند بناء مترو الأنفاق. وبعد وفاة السجيني قامت د.هدى عبدالناصر بشراء التمثال من أرملة السجينى، وعند تحويل منزل عبدالناصر في منشية البكري إلى متحف تفضلت بإهداء التمثال للمتحف، ويظهر التمثال عبدالناصر واقفًا وقد التفت حوله الجماهير من كل جانب تعبيرًا عن تحالف قوى الشعب العاملة.
 
 وتغير الحال مع محفوظ في "الأهرام" في بداية حكم السادات، فقد رفض هيكل نشر رواية "المرايا" التي نشرها الأستاذ رجاء النقاش رئيس تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون في مايو 1971. وببلوغه سن التقاعد من عمله كمستشار لوزير الثقافة وذلك في شهر ديسمبر 1971 تعاقد هيكل مع محفوظ على الانضمام لكتاب "الأهرام" المتفرغين ابتداء من شهر يناير 1972. ورغم ذلك رفض هيكل نشر رواية "الكرنك" في تلك السنة، واشتكي هذه المرة لصديقه وشيخ الكتاب توفيق الحكيم. وبعد مغادرة هيكل "الأهرام" رفض رئيس التحرير أحمد بهاء الدين نشر رواية "الحب تحت المطر" سنة 1974، ليعود رجاء النقاش وينشرها في مجلة "الشباب" التي ترأس تحريرها، حيث عرض الرواية على وزير الشباب الدكتور أحمد كمال أبو المجد الذي قرأها ورحب بنشرها.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة