آراء

عبدالسلام فاروق يكتب: الماء صديقي

18-9-2021 | 11:03

شجرة الأسئلة لم تتوقف يوما عن الإنبات وقد تغطت بغمامة خضراء من علامات الاستفهام منذ أن قيلت العبارة الشهيرة على لسان سياسي أمريكي مخضرم : أن حروب المستقبل هى حروب مياه!

واليوم وقد بدأت إرهاصات النبوءة القديمة تتحقق رويدا رويدا بعد أن نشأ مفهوم جديد للثروة القومية اسمه "الاقتصاد الأزرق" . فما الذى نعلمه عن الصراع العالمى على المياه؟

وكيف يمكن أن يشرع الأقوياء والمغامرون واللصوص فى الانصراف عن صراع الذهب والدولار والبترول والأرض إلى معارك حول نقطة ماء؟!

هل هى حرب قديمة تم التخطيط لها منذ وقت بعيد ؟ وإلى أى مدى يمكن لهذا النوع من الصراع أن يتفاقم شرقا وغربا؟
إننا لو تتبعنا سلسال الأسئلة حول هذا السائل الشفاف الرقراق البسيط سنكتشف أننا أمام لغز عظيم!
 
الساحر الأزرق
 
حنين عميق يربطنا إلى هذا اللون الهادئ الملتف حول كرة الأرض محتضنا أرضها وقاراتها الست.
حنين الماء إلى الماء، وقد خلقَنا الله وغيرنا من مخلوقات من هذا الساحر الأزرق العجيب..

فى عام 2011 ظهر تقرير عن اكتشاف سحابة هائلة من بخار الماء في الكون وبكمّيّات تفوق الكمّيّة الموجودة على الأرض بنحو 140 تريليون مرّة في محيط نجم زائف يبعد حوالي 12 مليار سنة ضوئيّة عن الأرض. واستنتج العلماء من ذلك أنّ الماء موجود في الكون منذ بداية نشأئه.

إن الماء ينفرد بخصائص وصفات لا يتصف بها أى سائل آخر غيره..
فهو السائل الوحيد الذى يتحدى الجاذبية فيما يعرف بالخاصية الشعرية، وهى الخاصية التى يتمتع بها بفضل قوة الرابطة بين جزيئات الأكسجين والهيدروجين التى يتكون منها، وبفضلها يصعد الماء فى جذوع النخل والأشجار وأنابيب المياه.

ويُعدّ الماء من أقوى المذيبات المعروفة حتى أنه يذيب الصخر والحديد، وعلى هذه الخاصية اعتمدت الكيمياء والفيزياء كلتاهما على خاصية الانحلال أو الذوبان فى أغلب التجارب والاكتشافات العلمية.

إن الماء هو المادة الوحيدة القادرة على التواجد فى حالاتها الثلاثة (الصلبة والسائلة والغازية) فى وقت واحد فى نفس المكان! وهو الأعلى قيمة بين السوائل فى التوصيل الحرارى ودرجة التوتر السطحى وحرارة الانصهار. ثم أنه يتمتع بقدرة هائلة على مقاومة الانضغاط وهو ما انبنى عليه علم كامل هو علم الهيدروليكا!

لا عجب إذن أن نرى الأرض وقد تغطى ثلثاها بالماء. وهى الكمية التى لم تنقص أو تزيد منذ الأزل، فهى تتبخر وتتكثف وتعود فى دورة أبدية تحافظ على كمية المياه بلا نقصان.

فإذا كان معلوماً للجميع أن المياه هى هى منذ الأزل وأنها لن تنقص أو تقل.. فلماذا الحرب حولها؟
 
حرب العطشى والطماعين
 
لسنا وحدنا فى هذه المشكلة، فنزاعات المياه بين الدول طالما نشأت عبر التاريخ.. وهناك 50 دولة تعانى من درجات متفاوتة من نقص المياه. وتدهشنا الإحصائيات العالمية بأرقام صادمة، منها أن تعداد الذين يتمتعون بمصادر آمنة عذبة من الماء حول العالم لا يتجاوز 1,5 مليار نسمة! بينما يعانى أكثر من ثلاثة أرباع البشر إما شحا فى الماء العذب أو تلوثه أو خطورته.

أزمة سد النهضة أظهرت لدينا مثالب وعيوب لم نفطن إليها أو نكترث لها عبر عقود طويلة .. منها أننا من أكثر الشعوب تلويثا لمياهنا العذبة والمالحة كلتيهما، وأننا الأكثر إهداراً لها سواء على المستوى الشعبي أو وزارات الرى المتعاقبة التى آثرت المكسب والربح السريع على المكاسب الإستراتيجية. 

اعتدنا إهدار الماء العذب المكرر فى مصانع الطوب، وزراعة الأعلاف . وهى العادة التى هجرتها الدول العربية وتركتها لدول أخرى تمارسها لصالحها!

اعتدنا إساءة توزيع مياه النيل والإلقاء بها فى مشروعات وأحلام أُثبت الزمن فشلها كمشروع توشكى. ثم هناك ملف تلوث مياه النيل الذى نعانيه منذ الأزل لصالح طغمة من أًصحاب المصالح والمصانع ورجال المال والأعمال!

ثم نأتى اليوم نبكى عهداً طويلاً لم نحافظ فيه على نعمة طالما أنعم الله بها علينا وها هى اليوم مهددة بالشح والندرة والتناقص.

ثقتى فى القيادة المصرية أننا سنعبر أزمة سد النهضة . لكننا أيضاً فى حاجة ماسة إلى تغيير حقيقي فى سلوكياتنا نحو نهر النيل، وأن نستعيد فى خيالنا الطريقة الفرعونية فى احترام النهر الخالد الموشك على الذبول.

إن حرباً إذا قامت بيننا وبين سارقى النيل فإنها ستكون بين حقٍ واضح وباطلٍ جلىّ ، بين عطشى يحاربون لأجل نذر  من حياة، وبين طماعين لا يعبأون لأجل مطامعهم أن يبيدوا ملايين البشر.
 
أغلى من الذهب
 
مع تطور الأبحاث والابتكارات، نشأ حول المياه عدد من العلوم كعلم الهيدروجيولوجيا والهيدروليكا وعلم الجليد وعلم المسطحات الداخلية، وظهر مصطلح ينتمى لعلوم الاقتصاد يُدعَى: (الاقتصاد الأزرق) المعنىِّ بدراسة طرق الاستثمار فى مياه البحار والمحيطات والبحيرات والأنهار خاصة بعد الثورة التكنولوجية الهائلة التى يتسابق العالم فى مضمارها، ويقابله على اليابسة ما يدعى بالاقتصاد الأخضر وهو الاستثمار فى البيئة الخضراء كالغابات والحدائق والصُوَب الزراعية وغيرها.. معنى هذا أن الماء بات يُنظر له كثروة حقيقية للبلدان التى تملكه. 

وهناك عشرات البلاد المغلقة التى لا تحظى بمنفذ بحرى، فماذا فعلنا نحن بهذه السواحل الطويلة على المتوسط والأحمر؟
حزمة هائلة من الاستثمارات الخاصة والحكومية التفت حول طرق استغلال المياه وما تحويه من كنوز كالبترول والثروات التاريخية الغارقة واكتشافات الأعماق، ناهيك عن توليد الكهرباء بالشلالات الصناعية وأنشطة الصيد والغوص واستخراج المواد الخام وتخزين الكربون وزراعة الغابات واستغلال تنويعات الحياة المائية ذات الجدوى الاقتصادية كالشعاب المرجانية والأعشاب البحرية وغيرها، كل هذا بخلاف تأجير المياه الدولية لشبكات الكابلات السيبرانية وهو نوع مربح من التعاملات.

المشكلة أننا بدلا من هذا اكتفينا بجانب واحد من جوانب استغلال الشواطئ هو ما يخص السياحة والترفيه، وحتى هذا الجانب ينغصه ما تعانيه شواطئنا من تلوث مخيف.. 

فالبحر المتوسط الآن من أشد البحار تلوثاً فى العالم، حيث تلقى به 25 دولة أوروبية وآسيوية وإفريقية نفاياتها بشكل يومى، لدرجة أن تقرير برنامج الأمم المتحدة كشف عن كميات من التلوث وصلت إلى 650 مليون طن صرف صحى، و130 ألف طن من الزيوت المعدنية بخلاف آلاف الأطنان من الزئبق والرصاص والفوسفات كل عام، وكشفت الصور مساحات واسعة من الشواطئ تعانى تكدس المخلفات البحرية البلاستيكية والخشبية وغيرها، إذا أضفنا لهذا مخاوف العلماء حول مخاطر التغيرات البيئية التى قد تؤدى لارتفاع منسوب البحر وتآكل الشواطئ إلى الدرجة التى قد تؤثر على دلتا النيل وتهدد حياة ملايين السكان فى المناطق المتاخمة للساحل الطويل للمتوسط والمهددة بمثل هذه الآثار الكارثية. 

فإننا هكذا نقف أمام معادلة تستلزم تحركاً ملموساً على الصعيد الإستراتيجى لتحسين استغلال مواردنا وثرواتنا المائية.
 
صديقي الماء
 
أكاد من فرط خوفى على الماء وارتباطى به وحبى له أن أراسله معبرا له عن عميق أسفى لما آلت إليه الأمور فى نهرنا الخالد وشواطئ بحارنا وحتى بحيراتنا التى لا تجد لها بواكى ولا نائحات..

الدولة لا تدخر جهدا فى توفير مصادر جديدة لاستغلال المياه وادخارها والحفاظ عليها، ولاشك أن قانون استغلال المياه الصادر مؤخرا سيساهم فى تحقيق هذا الأمر، لكن علينا بالمزيد من الجهد البحثى والعلمى والتقنى لاكتشاف مزيد من الطرق الحديثة فى استثمار المياه والنظر إليها كثروة حقيقية، لاسيما وقد أغاثنا الله بمدد من أمطار بدأ هطولها يزداد فى مصر خلال السنوات الأخيرة فى إطار التغيرات المناخية القائمة. 

فبدلاً من استغلال النعمة الغزيرة والأرزاق الوفيرة صرنا على أعتاب أزمات قد نضطر معها لشراء الماء أو استجدائه!
عذراً صديقى الماء .

[email protected]

اقرأ ايضا:
عبدالسلام فاروق يكتب: بين الشهابين

عرف التراث المصري مؤرخًا شهيرًا هو (شهاب الدين أحمد بن عبدالوهاب النويري)، من قرية النويرة ببني سويف، وهو صاحب موسوعة (نهاية الأرب في فنون الأدب) في نحو

عبدالسلام فاروق يكتب: صراع الباسيفيك .. ما وراء الكواليس

اتضح أننا لا نعرف إلا أقل القليل؛ فبعد أن ظهرت وثائق ويكليكس ومن بعدها منذ أيام وثائق باندورا تأكد لنا أن عالم السياسة غارق حتى النخاع في مستنقع أسرار بعيد الغور

عبد السلام فاروق يكتب: أيام المجد والنصر

كم هي رائعة ذكري أيام المجد.. تراودني ذات المشاعر كلما هلت ذكريات البطولة والبسالة والنصر 6 أكتوبر 73، ذلك اليوم الذي اختلط فيه مسك الشهداء بدماء الأعداء،

عبدالسلام فاروق يكتب: الثقافة ألغاز وأحاجي

ينتابني الفضول كثيرًا حول ما يحدث اليوم في أروقة العمل الثقافي في صورته الكبرى والعامة حتى يدفعني الفضول لتساؤل خبيث: ماذا لو أن مؤسسات الثقافة والنخبة

عبدالسلام فاروق يكتب: أهلًا بالعاصمة الذكية

هنا العبقرية والجمال والراحة والروائح العطرة والمناظر الخلابة والأبراج الشاهقة والحدائق والأنهار والأنوار كأنها الجنة. إنها مصر جديدة، وعاصمة جديدة كل

عبدالسلام فاروق يكتب: أنا والتنين

زرت الصين فيما زرت من بلدان ولم يعجبني المقام فيها، بعكس مقامى فى أمريكا.. لم تكن الصين وحدها بل الهند وماليزيا وتايلاند في آسيا، وفرنسا وإيطاليا فى أوروبا،

عبد السلام فاروق يكتب: انهيار الرأسمالية .. قريب أم بعيد؟

كنت أعلم ما سيحدث ويقال قبل حتى أن أقول الكلمة أو أجاهر بها.. طالما أن سائر الموجودين، وأنا منهم، يخشون اليوم الذي قد تنهار فيه الرأسمالية.

عبدالسلام فاروق يكتب: خرائط متصارعة ترسم عالمًا جديدًا

المشهد أمامنا مقروء جلي شديد الوضوح لا تكاد تخطئه عين أو قريحة.. ثمة يد خفية تعيد تشكيل الحاضر والتاريخ، ولن نلبث في غضون عقود قلائل أن نستفيق على عالم

الاكثر قراءة
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة