عرب وعالم

«الأهرام العربي» في قلب الساحة اللبنانية.. الغاز المصري يقوم بتفكيك الأزمات في بيروت

15-9-2021 | 02:29

أزمة الوقود فى لبنان

رسالة بيروت - إلهامى المليجى

أغلب الأطياف السياسية والمذهبية غير متفائلة بالفرج القريب

هناك شكوك متزايدة بقدرة ميقاتي على تشكيل الحكومة

قبل زيارتي الأخيرة إلى لبنان، كان لدى اعتقاد بأن هناك تضخيمًا في حجم الأزمات التى تعصف بهذا البلد الجميل، لكن بعد أن عاينت، وعانيت، وسمعت من الأطراف المختلفة، تأكدت أنها المحنة الأكبر فى تاريخه الذى لم يخل من أزمات منذ تأسس ضمن المعاهدة السرية التى تعرف باتفاقية سايكس بيكو، نسبة إلى  مخططيها ومنفذيها الدبلوماسيين البريطانى والفرنسى.

يمكن القول إن لبنان أصبح يفتقد بدرجة كبيرة مقومات الحياة، فهناك أزمة خانقة فى الطاقة بأشكالها المختلفة، من نفط وغاز، ما أنتج شحا فى الخبز وانقطاعا شبه دائم للكهرباء وندرة للبنزين والغاز، حتى إن التيار الكهربائى يعمل لسويعات معدودة، وطوابير السيارات على محطات الوقود تمتد لمسافات تصل أحيانا إلى عدة كيلومترات، ما خلق تشاحنا وتناحرا بين المواطنين حول الأولوية، وصل إلى حد استخدام الأسلحة النارية، فانبرت قوات الأمن والجيش للوجود عند محطات الوقود لحفظ الأمن، وضمان الالتزام فى صفوف الانتظار طبقا لأولوية الحضور.

هذا الوضع الصعب أرخى بظلاله على المزاج العام للمواطن اللبنانى الذى كان يتميز بالتفاؤل والبشاشة فى أحلك اللحظات وأصعبها، ولم تفتر حماسته الملحوظة للفرح والبهجة والسعادة، فى إطار من حب الحياة، حتى فى أعقد الأوقات، ونذكر فى ذلك كيف كنا نشهد اللبنانيين يوجدون بكثافة فى الشوارع والكافيهات والمطاعم، وهم فى قمة تأنقهم عقب لحظات من الغارات الإسرائيلية، أو الاشتباكات بين الأطراف المتناحرة، أو التفجيرات الضخمة إبان سنوات الحرب الأهلية، ما جعلنا نتندر بالحديث عن تأنق اللبنانى، انتظارا لانتهاء الغارة ليرتاد أماكن الترفيه واللهو.

ولفتنى فى زيارتى الأخيرة تحول مطار بيروت، الذى كان يعج بحركة المسافرين ذهابا وإيابا إلى ما يشبه مدينة الأشباح، وكان لذلك انعكاسه الواضح على العاملين فى المطار الذين كانت تكتسى وجوهم بالبهجة والفرح والترحاب بالزائرين ، فأضحوا يتعاملون بملل غير معهود، وبينما فى السابق كان إذا ما تجولت داخل السوق الحرة، تجد استقبالا وعرضا يحفزك على الشراء، حتى إذا كنت لا تنتوى الشراء، تبدل ذلك هذه المرة، حتى إنك تخرج سريعا هربا من وجوه العاملين الغاضبة البائسة، وعندما تستفسر عما أوصلهم لتلك الحالة، فترد إحداهن باقتضاب أنه الإرهاق من العمل، لكن بسؤال أحد مديرى البيع فى السوق، أرجع ذلك للانهيار الكبير فى قيمة الليرة اللبنانية، وما تبعه من تردى قيمة الدخل الشهري، حتى أصبحت رواتب شريحة كبيرة من المواطنين لا تتعدى 30 دولارا كحد أقصى.

لبنان كان عبر تاريخه المعاصر يتميز بارتفاع مستوى الخدمات الفندقية والسياحية، فضلا عن النظافة الملحوظة لشوارعه، حتى إن خبراء السياحة فى العالم العربى والسائحين العرب، كانوا كثيرا ما يعلنون بأن مستوى الخدمة الفندقية والسياحية فى الفنادق الأربعة نجوم فى لبنان، والمنشآت السياحية كالمقاهى وغيرها، يضاهى بل يتميز أحيانا عن الخدمات الفندقية والمنشآت السياحية  فى فنادق الخمسة نجوم فى الكثير من البلدان العربية، وعندما تلوم بعض العاملين بالمنشآت السياحية من فنادق ومقاه وغيرهم على هذا التدنى الملحوظ فى مستوى الخدمات والنظافة فى الأماكن والشوارع التى تكتظ بالمخلفات، تصطدم بذات السبب وهو التدهور الكبير والمتواصل لقيمة العملة بالنسبة للدولار، ما جعل الرواتب لم تعد تكفى للحصول على أدنى متطلبات الحياة اليومية، فما بالك واللبنانى من كل الطبقات، خصوصا المتوسطة اعتاد على ارتياد أفخر المطاعم وارتداء أشهر الماركات من الثياب.

على الرغم من أن زيارتى فى جانبها الرئيسى كانت للمشاركة فى مناسبة خاصة، فضلا عن اشتياقى للبلد الذى أعشق ، فإننى وانطلاقا من محبتى العميقة للبنان وأهله، حرصت على البحث فى مسببات الأزمة، ومآلات الأمور، فالتقيت وتوصلت بوسائل الاتصال المختلفة بعدد من الأصدقاء المنتمين لأغلب المشارب السياسية، فضلا عن ممثلى مرجعيات دينية ومذهبية، ما يعنى أننى تقريبا اطلعت على رؤية أغلب الفسيفساء السياسى والمجتمعى والدينى والمذهبى، فهالنى أن جميعهم تقريبا غير متفائل بانفراج الأزمة فى المستقبل القريب، ولكل أسبابه وكل اتجاه يرجع تفاقم الأزمة وتصاعدها على الاتجاه الأخر، ويمكن القول إن البلاد تشهد احتقانا بين المكونات المختلفة، يضاعف من حجم الأزمة المستشرية والبؤس والعوز والذل وحالة اليأس التى تنتاب المواطن اللبناني، وبوادر فوضى تنذر بفتنة قد لا يحمد عقباها، خصوصاً فى ظل تعقيدات وتشابكات الوضع الطائفى والسياسى.

إن الغالبية من اللبنانيين، بمن فيهم الطبقة السياسية، تشكك فى قدرة نجيب ميقاتى على تشكيل الحكومة لوقوعه بين فكى كماشة، أحد طرفيها الرئيس ميشيل عون وصهره الوزير جبران باسيل - الذى يراه البعض الرئيس الفعلى للبنان،  فى ظل التردى الواضح للحالة الصحية للرئيس ميشيل عون - الذى يصر على حصول التيار الوطنى على حقائب وزارية بعينها، فضلا عن الثلث المعطل، والطرف الآخر للكماشة الضاغطة على ميقاتى يتمثل فى بيئته الحاضنة فى الشارع السنى، والذى ينحاز بغالبيته لمحددات الرئيس السابق سعد الحريرى، التى لم يتمكن من تحقيقها فى ظل تعنت الرئاسة الأولى،  بالإضافة إلى نادى رؤساء الوزراء السابقين الذين أصبحوا قوة ضاغطة على رئيس المكلف بتشكيل الوزارة.

ومادام لبنان بقى دون حكومة ستظل الأزمات قائمة، بل مرشحة للتفاقم، سواء لجهة انهيار العملة وما يتبعه من تدهور للوضع المعيشى، أم لجهة أزمات الوقود والأدوية والتى يتسبب بها بشكل كبير أباطرة الاحتكار المدعومين بشكل مباشر من أمراء الحرب الأهلية اللبنانية, الذين أصبحوا الطبقة السياسية القابضة على مقاليد البلاد، بفعل اتفاق الطائف ، والتى ترتكن على التحشيد الطائفى والمذهبى عبر الإبقاء على جذوة النار الطائفية مشتعلة, إدراكا منهم بأن ذلك يضمن بقاءهم على سدة الحكم.

يشار إلى أن اتفاق الطائف ( 22 اكتوبر 1989 ) الذى جاء بعد 15 عاما من اندلاع الحرب الأهلية, وضع إلغاء الطائفية هدفاً أساسياً له، لكن، وبعد ثلاثين عاماً، لم يستطع النظام اللبنانى التخلى عن الطائفية، وأصبح هذا الاتفاق بمثابة درع واقٍ للسلطة السياسية.

وفى ذات اليوم ذكرت الرئاسة اللبنانية على حسابها فى "تويتر" أن عون تلقى اتصالا هاتفيا من سفيرة الولايات المتحدة لدى بيروت، دوروثى شيا، أبلغته خلاله بـ"قرار الإدارة الأمريكية بمساعدة لبنان فى جلب الطاقة الكهربائية من الأردن عبر سوريا عن طريق الغاز المصرى".

وأوضحت السفيرة الأمريكية، حسب الرئاسة اللبنانية، أن الخطة تقضى بتسهيل نقل الغاز المصرى عبر الأردن وسوريا وصولا إلى شمال لبنان، مشيرة إلى أن المفاوضات جارية مع البنك الدولى لتأمين تمويل ثمن الغاز المصرى, وإصلاح خطوط نقل الكهرباء وتقويتها والصيانة المطلوبة لأنابيب الغاز.

وأعلنت السفيرة الأمريكية فى بيروت نية إدارتها استثناء كل ما يتعلق بجلب  الغاز والكهرباء إلى لبنان من مفاعيل قانون قيصر, الذى يفرض حظرا على إمداد الطاقة الى سوريا، وكما يقال "رب ضارة نافعة" فقد جاء جلب الغاز المصرى وفائض الكهرباء الأردنى إلى لبنان عبر سوريا, بنتائج إيجابية على المستويين - الاقتصادى والسياسى - على سوريا، حيث إنها تمثل اختراقا فى جدار الحظر الاقتصادى على سوريا التى كانت تخضع لحظر على إمداد الطاقة، بالإضافة إلى التخفيف من حدة الحظر السياسى، والذى جاءت أحد مؤشراته  بزيارة وفد لبنانى رفيع إلى سوريا، وهى الزيارة الأولى من نوعها منذ اندلاع الأزمة السورية، وستؤدى إلى تحسين البنية التحتية وأنابيب الغاز فى سوريا وحصولها على حاجتها من الغاز، وكذلك ستسهم فى إصلاح الشبكة الكهربائية السورية التى تعرضت لأضرار كبيرة جراء القصف والتفجيرات، كما أن هذه الخطوة من قبل الإدارة الأمريكية ستؤدى إلى إعادة إحياء مشروع خط الغاز العربى، الذى يمتد من العريش ويمر عبر الأراضى الفلسطينية وصولا إلى الأراضى الأردنية، ومنها إلى سوريا فلبنان، ومنها إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، ما سينعكس بمردود اقتصادى على مصر والأردن، فضلا عن النتائج الإيجابية على لبنان الذى ستسهم بوقف التردى الاقتصادى الذى يعانيه جراء انقطاع الكهرباء, التى تعد عصب الاقتصاد والصناعة والمؤسسات الخدمية.

ويبقى السؤال الكبير وماذا بعد؟ إلى أين تصل الأزمة ومتى تنتهى؟ جميع أطراف العملية السياسية والمجتمعية فى لبنان لا يملكون إجابة عن السؤال، وتطورات الأحداث ومشاهد الوقائع  تصلان بنا إلى نتيجة مفادها، أن حل الأزمة معلق إلى حين تتم الترتيبات الجديدة فى الإقليم، باتفاقات أممية.

نقلاً عن الأهرام العربي

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة