عرب وعالم

4.6 تريليون دولار فاتورة الاتجار بالحرب.. الإرهاب والسبوبة

15-9-2021 | 06:27
 تريليون دولار فاتورة الاتجار بالحرب الإرهاب والسبوبةالجيش الأمريكي
Advertisements
أسامة الدليل

منذ عقدين.. كان كل ما جرى هجوم تبناه تنظيم القاعدة على برجي مركز التجارة العالمي ومقر البنتاجون.. وهذا الأخير كان موضع جدل وخداع إعلامى فى حينه.. لكن تم توثيق ما حدث بشأن مقر وزارة الدفاع، عبر تحقيقات مصورة متعددة أجراها الكاتب الفرنسي «تييرى ميسان» فى كتابه الذى وزع 220 ألف نسخة، وصدر فى سبتمبر 2002 بعنوان (الخديعة الكبرى).. الهجوم كان اختراقا أمنيا مهينا دون جدال.. لكن دلالاته كانت كاشفة لفضيحة كبرى.. وقد تمت معالجة الفضيحة بأخرى أشد وقعا وأوسع نطاقا اسمها : الحرب على الإرهاب.

وقتها كان خطاب الرئيس الأمريكى جورج بوش الابن، ردا على ما جرى أنه اعتداء على (قيمنا) و(حضارتنا) ونمط حياتنا.. وانهمرت المقالات والأبحاث والدراسات التى تبرر ذلك بسؤال (لماذا يكرهوننا؟).. كانت الإستراتيجية المعتمدة وقتها، هى الربط ما بين عالم البزنس وعالم الديمقراطية.. على اعتبار أنهما قطبا الحداثة الأمريكية، وأن ضرب هذه الحداثة هو صراع ما بين الإسلام المتطرف والديمقراطية الليبرالية.. بينما كانت الفضيحة الحقيقية والتى أظهرت نفسها مع السنوات فى لفت أنظار الأمريكيين للصلة ما بين الموقعين (برجى مركز التجارة والبنتاجون).. أى الصلة التى تربط عالم البزنس بالجيش الأمريكى ذاته.. وسطوة البرج على القلعة!!

والحق أن مجرد الارتباك فى تقدير الرئيس الأمريكى جو بايدن بشأن تكاليف الحرب فى أفغانستان.. من تريليون دولار فى البداية إلى 2.3 تريليون دولار حاليا.. والأرقام التى ذكرت يشأن تسليح وتدريب الجيش الأفغانى فى حدود 83 مليار دولار، وتبين انعدام دقتها.. حيث يتم تداول أرقام تتجاوز حاليا 300 مليار دولار حاليا.. كل ذلك لا يكشف خللا فى الحسابات، بقدر ما يكشف اتساع نطاقات الإنفاق لدرجة تحول بين الدقة وتعدد أوجه الإنفاق.. والسبب لم يكن فحسب فى قرار وزير الدفاع الأمريكى وقت الغزو.. الراحل دونالد رامسفيلد فى خصخصة كل العمليات اللوجستية بما فى ذلك التسليح والاستعانة بشركات الأمن الخاصة.. وإنما الأمر كان يسبق ذلك بكثير.. وبين أيدينا برهان مهم.

الحرب والربح
بعد إعلان الحرب على الإرهاب وما ترتب عليه من غزو أفغانستان.. تناقلت الصحف فى الولايات المتحدة وغيرها، وفى بعض البلدان العربية ومنها مصر.. تقريراً نقل عن صحيفة الواشنطن بوست نشرته فى 12 إبريل 2002، وكتبته جولييت إلبرين.. يقول: تطالب النائبة سينثيا ماكينى (47 سنة آنذاك) العضو الديمقراطى فى مجلس النواب الأمريكى، بإجراء تحقيق حول ما إذا كان الرئيس جورج بوش وعدد من المسئولين فى حكومته، قد علموا بشكل مسبق بالهجمات الإرهابية التى تعرضت لها واشنطن ونيويورك، ولكنهم – برغم ذلك – لم يفعلوا شيئاً لمنعها، أو حتى لتحذير الضحايا الذين فقدوا أرواحهم فى هذه الهجمات .
وقالت عضو الكونجرس ماكينى لمحطة إذاعية بولاية كاليفورنيا : إننا جميعاً نعلم بأنه كانت هناك تحذيرات عديدة بشأن أحداث 11 سبتمبر.. وهناك أسئلة مهمة، مثل ما الذى كانت تعرفه هذه الحكومة بالضبط؟ ومتى عرفته؟ ومن هم الذين كانوا يعرفون؟ ولماذا لم يحذروا الضحايا الأبرياء؟ وما الذى كانوا يحاولون إخفاءه؟
وأكدت عضو الكونجرس ماكينى، أن أشخاصاً وثيقى الصلة بحكومة بوش يحققون أرباحاً وفوائد هائلة من هذه الحرب التى تخوضها أمريكا الآن، وأضافت (فى بيان أصدرته سلفا) أنه لا بد من إجراء تحقيق لإثبات ما إذا كان الرئيس بوش أو أعضاء فى حكومته، قد حققوا مكاسب شخصية من وراء هجمات 11 سبتمبر.
وقد نفى سكوت ماكليلان المتحدث باسم الرئيس بوش حينذاك هذه التعليقات وقال إن الشعب الأمريكى يدرك الحقائق وهو يرفض هذه الآراء السخيفة، والتى لا أساس لها، وأضاف المتحدث أن التساؤلات التى تثيرها ماكينى ضد الرئيس الأمريكى، تعكس عقلية متحيزة وتتجاوز كل حدود المنطق.
هذه السيدة دفعت مقعدها فى الكونجرس ثمنا لهذا الموقف.. حيث فشلت فى الفوز بترشيح حزبها الديمقراطى للانتخابات التالية لصالح مرشحة مجهولة دخلت السياسة منذ سنوات معدودة ولكنها تحظى بدعم اليهود.. برغم أن ماكينى هذه احتفظت قبل هذا الموقف بمقعدها فى مجلس النواب لخمس دورات متتالية ..!!
والأخطر.. أن أحداً لم يكلف نفسه عناء الاطلاع على بيان ماكينى، الذى نشر بأكمله فى صحيفة الواشنطن بوست على هيئة مقال فى 11 إبريل 2002، أى قبل يوم من نشر تقرير جولييت إلبرين، الذى كان يستهدف إبراز الإثارة لا غير !!
مقال سينثيا ماكينى كان يربط بين متغيرين من السطر الأول.. ولم ترد أى إشارة لهذا الربط.. لأنه ببساطة يفجر السؤال الأكثر موضوعية، والأكثر رجحاناً.. ويصل بنا لحل كل الألغاز … تقول ماكينى بالحرف :
إن الحاجة إلى تحقيق بشأن الأحداث المحيطة بما جرى فى 11 سبتمبر، لا تقل جلاء وأهمية عن التحقيق فى انهيار شركة (إنرون)، وبشكل مؤكد، إذا كان الشعب الأمريكى يستحق أن يحصل على إجابات بشأن ما جرى على نحو خاطيء فى إنرون، ولماذا (ونحن بالفعل نستحق) فإننا نستحق أيضاً أن نعرف ما جرى على نحو خاطئ فى 11 سبتمبر.. ولماذا جرى؟
هل نهدر مقدراتنا حول العالم من خلال ما يعتقد كثيرون أنه سياسات مفككة، متاجرة بالحرب، تلك السياسات التى صرفت عنا أصدقاءنا وأغضبت منا حلفاءنا؟.. ما هو بالضبط حجم الدور الذى يلعبه اعتمادنا على النفط المستورد فى رسم سياساتنا العسكرية التى تدفع بها قدماً.. إدارة الرئيس بوش؟.. وأى دور تلعبه تلك العلاقة الحميمة بين إدارة الرئيس بوش وبين صناعة النفط والصناعات العسكرية، فى السياسات التى تتبعها حالياً الإدارة الأمريكية؟
إننى لن أندهش من أى دليل يظهر أن الرئيس بوش أو أعضاء فى إدارته قد انتفعوا شخصياً من هجمات 11 سبتمبر، ولربما أظهر التحقيق الكامل أن هذه هى القضية، وعلى سبيل المثال، من المعروف أن والد الرئيس بوش، ومن خلال عمله فى مؤسسة كارلايل جروب – وأثناء هجمات سبتمبر – كانت له أعمال ومصالح مشتركة مع شركة بن لادن للمقاولات، وغيرها من شركات الصناعات الدفاعية، وهى كلها شركات ارتفعت أسهمها لعنان السماء منذ 11 سبتمبر.

وبالمقابل، سنجد أنه مما لا سبيل لإنكاره، أن الشركات القريبة من الإدارة الأمريكية قد انتفعت بشكل مباشر من خلال الإنفاق الدفاعى المتزايد الذى نجم عن تداعيات ما حدث فى 11 سبتمبر.. وتعد شركات مثل كارلايل جروب وداين كورب وهاليبورتون مثالاً على الشركات قريبة الصلة بالإدارة الأمريكية.. ولقد أصر دونالد رامسفيلد وزير الدفاع فى جلسة استماع أمام الكونجرس، أن بمقدورنا أن نتحمل الإنفاق الجديد، (برغم أن المطالب بزيادة الإنفاق العسكرى تعتبر الزيادة الأعلى خلال العشرين عام المنصرفة، علاوة على فقدان البنتاجون 2.3 تريليون دولار).
إن الوقت ليس وقت الاجتماعات المغلقة، ولا الوقت وقت سرية.. إن مصداقية أمريكا، سواء لدى العالم أم لدى شعبها، تستند إلى ضمان توفير إجابات ذات مصداقية على هذه الأسئلة، إن العالم ليترنح على حافة الصراعات فى الوقت الذى تتزايد فيه سياسات الإدارة الأمريكية غموضاً … وعدم وضوح وتذبذب
إن صراعات المصالح المالية التى تشمل الرئيس والمدعى العام ونائب الرئيس وغيرهم فى الإدارة، قد كشف عنها النقاب ولا يزال ..!!
إن الوقت هو وقت الزعامة والرشد، وهى أمور لا حلول وسط فيها بأى حال.. لقد حان وقت الشفافية وإجراء التحقيقات الداخلية.
انتهى مقالها ولا يزال مقالها المذكور منشورا حتى هذه اللحظة على موقع صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية، فى الصفحة التالية:
http://www.washingtonpost.com/wp-dyn/A34565-2002Apr11.html
لقد دفعت ماكينى فى الواقع ثمن تحريضها الشعب الأمريكى.. على طرح السؤال.

أمريكا الشركات
وبالإنجليزية: Corporate America , not American Corporations
والواقع أن أمريكا الشركات، لم تكن مفهوماً جديداً نشأ مع تولى الرئيس بوش، ولكن الرئيس بوش وعهده من أول يوم، وتركيبة إدارته فى كل التخصصات، هى واحدة من أبرز تجليات هذا المفهوم.
إن أمريكا الشركات، هى أفضل تجسيد لنظرية تمام التحول للحداثة، وانتهاء التاريخ.. الذى يدعيه الفيلسوف الأمريكى فرنسيس فوكوياما، وهى السطر الناقص فى نظرية صمويل هنتنجتون.. فى صراع الحضارات.
وعندما بدأت الحرب على الإرهاب.. كانت الرأسمالية هى التى انتصرت لا الحداثة، كما أراد فرانسيس فوكوياما أن يوهمنا أو أن يلقى فى روعنا.. بالالتفاف على حقائق التاريخ، الذى مات فى العقل الغربى.. لحساب الشركات !!
لقد برز الرئيس بوش من خلفية عالم المال والأعمال، ولكن على خلاف سلفه المحامى السابق ( كلينتون) أو حتى كارتر أو ريجان.. وحتى على خلاف والده، الذى كان قبل أن يتولى الرئاسة، مسئولاً عن كبرى وكالات المخابرات الأمريكية.. وكان متورطاً لأذنيه فى خدمة بلاده.. بل وكان مندوباً لأمريكا فى الأمم المتحدة.. يفهم ما تعنيه هندسة تصميم النظم الدولية، فان بوش الابن جاء على خلفية عالم صراعات المال، وبرز من بين أنقاض شركة (كاتر اير) التابعة لمجموعة شركات (كارلايل) وهى الشركة التى كان يترأسها والتى حققت خسائر فاحشة فى مجال عملها، وهو مجال إمداد الطائرات والخطوط الجوية بالأغذية والمشروبات !!
الرئيس بوش كان مقاول توريد أغذية ومشروبات، يعمل فى إطار شركة مقاولات قابضة من العيار الثقيل، شركة كارلايل جروب.. فهل أثر ذلك على مجريات الحرب على الإرهاب؟ وهل يبرر ذلك الربح هزيمة أمريكا مقابل طالبان بعد 20 سنة؟ هل من المعقول أن تكون الرأسمالية على كل هذا التوحش؟

الإجابة للأسف.. نعم
فبعد ساعات قليلة من وقوع الأحداث الإرهابية، توجه أحد المواطنين الأمريكيين لتسجيل يوم 11 سبتمبر 2001 كعلامة تجارية لمنتجات متعددة.. وليعلن حقوق احتكار التاريخ، وبرغم أن طلبه رفض، فإن الرأسمالية الأمريكية أقامت أسواقا واسعة على جثث الموتى تحت أنقاض مركز التجارة العالمى والبنتاجون، شرائط موسيقى وأغانى وقمصان مطبوعة، وصور ملونة، وقبعات، وإكسسوارات، وفساتين وملابس داخلية رجالى وحريمى، وكتب وأحجبة وتقاليع، ومبيعات كتب وأناجيل وصلوات وترنيمات، وأجهزة وقائية ومنتجات أمن شخصى، وصناعات ومنتجات جديدة فى مجالات الدفاع والأمن والحراسة، ومقاولات هدد وبناء وولاعات وساعات وإعلام.. بالذات الإعلام، ووصلت الدرجة لاستيراد أعلام أمريكية.. من الصين.. 11 سبتمبر فى النهاية، كان سوقاً أضخم وأعرض من أى مأساة.
إن نزوع الرأسمالية للاتجار بالمأساة.. هى مكون أساسى ومعلم مهم، من علامات تطورها فى القرن الحادى والعشرين.. وقد أثبتت الوقائع الحياتية فى أمريكا منذ 11 سبتمبر.. أنه لم يكن لدى الرأسمالية أى وقت.. لتذرف الدمع على الضحايا.
إن الصحافة الأمريكية نفسها، والإعلام الأمريكى بأكمله.. كان واحداً من أبرز الرابحين فى سوق 11 سبتمبر.. ولولا هذه السوق.. ما تمكنت من توثيق سطر واحد فى هذا التقرير.
كانت أسرار كل ما جرى، فى هذه السوق.. على صفحات الصحف الأمريكية ومواقعها على الإنترنت، ولولا مناخ التشوش الذى يصاحب أى سوق.. لأمكن لأهل السوق أنفسهم اكتشاف إجابات وافية عن أسئلتهم.. ومن أول يوم.
ومن هنا، لم يكن هناك عجب فى أن السؤال عن بن لادن والملا عمر بعد عام من أحداث 11 سبتمبر، كان سؤالا بلا معنى، بل وانبرت أقلام كثيرة تبرر للرأى العام الأمريكى.. لماذا لا يستحق هذا السؤال.. مشقة طرحه؟!
ولقد اشتعل فى هذا السياق صراع الشركات، فانهارت شركات وأخرى أخذت طريقها للانهيار من خلال الفضائح المالية، واللعب بالدفاتر ونظم المحاسبات.. فقد كانت هناك أوراق كثيرة لا بد من ترتيبها، وأخرى لا بد من إعادة صياغتها، وبالذات فيما يختص بمساحة النفوذ الدولية الجديدة، وإلا.. كيف نفسر الانهيار المباغت لإنرون، صحيح أن هناك 3 مليارات أضاعتها إنرون فى مشروع محطة الطاقة بالهند.. وأنها كانت كفيلة باللعب فى الدفاتر.. لكن ملابسات انهيارها، لا يمكن أن تفسر إلا على خلفية هذا الصراع فى أفغانستان.. فهى واحدة من اللاعبين الرئيسيين فى السياسات التى أفضت للحرب ضد الإرهاب، وأيضاً كيف نفسر فضائح أدلفيا وورلدكوم للاتصالات.. وتورط شركات بترول أخرى فى وقائع فساد ..وتورط المخابرات الأمريكية فى رواج زراعة وتصنيع الأفيون.. وعمليات تهريب المخدرات !!
الرقم المتاح حاليا (والقابل للتعديل) عن خسائر الحرب وصل إلى 2.3 تريليون دولار.. وقد وضعت قوسين حول تقدير النائبة الديمقراطية السابقة ماكينى، بشأن خسائر البنتاجون فى العشرين سنة السابقة على غزو أفغانستان.. وهو مبلغ قالت إنه 2.3 تريليون أخرى.. إجمالى الفاتورة 4.6 تريليون.. والحبل على الجرار.. ولا شك أن فاتورة أرباح الشركات التى خدمت الحرب فى أفغانستان، تختلف تماما عن فاتورة الحرب فى العراق.. ونحن بانتظارها بنهاية هذا العام.

نقلاً عن الأهرام العربي
اقرأ أيضًا:
Advertisements
الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة