راديو الاهرام

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: الجوع والوعي الإمبراطوري

14-9-2021 | 15:01

بين لحظات الشموخ والانكسار دائمًا ما يقدم المشهد التاريخي للإمبراطوريات لمحات من رسالتها تجاه الشعوب والأمم، سواء ارتبطت هذه اللمحات بتأزمات أو كوارث أو مشكلات أو ارتبطت كذلك ببطولات أو مآثر أو نزاعات ذات طابع إنساني، لكن هناك إمبراطورية انفلتت من شرطيات التوازن، وظلت تجنح بذاتها حتى باتت تنتظر لحظة الغروب وتتحول إلى ماض بغيض لا يعدو أن يكون تاريخًا شائنًا. 
 
وتلك هي أمريكا التي صارعت ذاتها حين استعدت الجنس البشري وأحكمت معادلات العداء التي أفرزت ملاحم الدم وحولت الساحة الإنسانية إلى معترك من الضديات لم ينتج غير ميراث خصومة تمتد لأحقاب على قناعة أن تكون هذه رسالتها.
 
ولقد كان ضمن مفردات هذه الرسالة في اللحظة المعاصرة أن صار نحو تسعمائة مليون من البشر يعانون الجوع، وينتظر أن تكون هناك قمة مرتقبة من قبل الأمم المتحدة للحد من تلك الظاهرة المستفحلة في أرجاء المعمورة في إطار تحول منهجي في طرائق التعامل. 
 
لكن القضية تنحصر في غياب الرسالة الحضارية للإمبراطورية الأمريكية التي تتحكم في مقدرات كثيرة إذ أنها تقوم ببيع ثلاثة أرباع الأسلحة في العالم، كما تقدم من المساعدات العسكرية ما يتجاوز مليارات المليارات، كما أنها تمتلك نحو أكثر من ثلاثين بالمائة من أسهم الاستثمار الأجنبي في كافة أنحاء العالم، ذلك فضلا عن كونها تمتلك أربعة مصارف من بين السبعة الأكبر في العالم باعتبارها تترأس أكثر المؤسسات العالمية المسيطرة على الاقتصاد العالمى، ذلك بجانب تلك الآلة الإعلامية الأعلى تصنيفًا في العالم وما تضخه من عائدات ضخمة، وبالطبع قد سمح كل هذا أو غيره في أن يبلغ دخل الفرد فيها نحو أربعين ألف دولار سنويًا!!!
 
لكن غياب الوعي الإمبراطوري حال دون إقامة توجه دولي جديد يكون جوهره الأخوة الإنسانية والاعتبار بالشوط التاريخي الذي عبرته البشرية في مسعاها نحو الحضارة وسيادة لغة الاحتواء وتقليص حدة القيم النفعية، وعدم التلويح بالقوة العسكرية وأولوية العدالة بين الكيانات على اختلاف وضعيتها وتحجيم النزعة الاستعلائية وصدارة التغيير السلمي لا القمعي، وكل هذا وغيره يعد من ركائز الوعي الإمبراطوري الذي تتجلى معه أمريكا كراعٍ تاريخي وليس ماردًا شيطانيًا معوقًا لمسيرة الحوكمة العالمية، ومحتكرًا لنظرية النفوذ الإستراتيجي. 
 
إن سقطات وخيبات التاريخ الأمريكي الحديث إنما تمثل توجهًا معاكسًا لمتطلبات الترابط العالمي، كما تعد كافية تمامًا لأن تستوعب الإمبراطورية الكثير من حكمة تجربتها فى فيتنام الشمالية تلك التي تجرعت خلالها مرارة الهزيمة، بجانب ما أحدثته من تخريب العراق وتدميره وانتهاء بتلك الانتكاسة الطوعية في أفغانستان على حد تعبير كيسنجر والذي استخلص منها مدى الخلل والاضطراب في الفكر الإستراتيجي الأمريكي المعاصر في تخبطه مستدلًا بالفشل الذريع في إدارة الصراع، وترك ترسانة الأسلحة فى يد طالبان، وهو ما يذكر بالهزيمة الكارثية التي منيت بها بريطانيا في الحرب الإنجليزية الأفغانية.
 
وبذلك رسمت أمريكا أبدع كاريكاتير للا معقول.. انسحبت أمريكا من أفغانستان بدعوى انتهاء مهمتها فى القضاء على الإرهاب؛ لذلك أسلمت مفاصل الدولة وفصائل الشعب لجماعة إرهابية عتيدة، غزت أمريكا أفغانستان بدعوى نشر الديمقراطية، وإقرار حقوق الإنسان، وتأديب القاعدة وطالبان عقب أحداث سبتمبر، ثم انسحبت تاركة مقاليد الأمور ورسم سياسات الحكم إلى حركة لا تعترف مطلقًا بالحرية أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان، ويعتمد اقتصادها على تجارة السلاح والمخدرات..
 
تحذيرات فرنسية من المنعطف التاريخي في أفغانستان، إذ قامت الإستراتيجية الأمريكية على توظيف طالبان كحركة إرهابية يمكن أن تتصدى لأعدائها المعاصرين روسيا والصين.
 
تطرح السياسة الأمريكية إثر انسحابها شعار (نقود العالم من جديد)؛ لذلك اعتمدت على أكبر حركة أساءت للبشرية وللإسلام، ولم تمكن الجيش الأفغاني الذي أنفقت عليه المليارات من مقاومة الحركة.
 
ولعل من أبرز مؤشرات فشل التجربة الأمريكية تلقي مجلس الأمن حزمة من التقارير التي تصور حالة الفزع والهلع التي يعيشها الشعب الأفغاني، وتقاعس طالبان عن تشكيل الحكومة، وكذلك إثارة المخاوف الأوروبية من تدفق تيار الهجرة وخضوع الدول الحليفة لأمريكا لسياسة الأمر الواقع في إطار الوصاية الإمبراطورية، يضاف إلى ذلك لهفة الأمم المتحدة لعقد مؤتمر رفيع المستوى في جنيف يهدف إلى تجنب أكبر كارثة إنسانية تلوح في الأفق.
 
ترى هل للوعي الإمبراطوري الأمريكي من الجدارة والاستحقاق ما يدفع نحو استمراريته لإدارة شئون العالم؟ سؤال يطرح نفسه على مائدة الحوار الإستراتيجي وتتعدد حوله الإجابات لكنها لم تختلف عن بعضها البعض!!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. محمد حسين أبو العلا يكتب: ذاكرة الجحيم الحضاري.. تساؤلات اللحظة

إن البشرية التي نامت في حصة التاريخ لن تغير طباعها ... هكذا تتسلل كلمات وول ديورانت عابرة آفاق الزمن، لكنها لم تأخذ مسارها في الوعي الإنساني العام متحدية

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: من صعدوا للشمس ومن غاصوا في جوف الأرض!!

سنوات ضوئية تفصل بين أحوال البشر على الأرض، وأكثر من ذلك ما يفصل بين طبائع العقول في مراميها وغاياتها، فهناك عقول تحلق وأخرى تهوي، عقول لها بريق أخاذ وأخرى مطموسة

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: الديمقراطية الحائرة بين أمريكا والصين

لا تزال الديمقراطية الغربية هي الأيقونة السحرية التي يفاخرون بها باعتبارها النموذج الأمثل لأركان الحياة السياسية والاجتماعية للشعوب كافة، ويحكي التاريخ كم كانت هذه الديمقراطية أداة صراع ومراوغة

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: وجه لا يغيب .. يحيى حقي في ذكراه

روح هادئة تجتاحها سكينة علوية، ونفس آمنة لأسرار الوجود، وعقل مستأنس بالحقائق يسكنه اليقين لا تقبع فيه الأوهام أو تلفه الهواجس.. انسجام وتآلف فطري يسمح بتألق الملكات.

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: عالم على مقصلة العنصرية

لم يحمل تاريخ الدولة العبرية طيلة أمده أية فضيلة يمكن أن يسجلها في الفضاء الحضاري المعاصر، ولا تستشعر الذات العبرية بخطورة هذه النقيصة الإنسانية الكبرى،

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: إثبات الثابت .. إسقاط للطموح التاريخي

تظل القضايا الكبرى في حياة الشعوب تحتل بؤرة حيوية في العقل الجمعي، وتظل أيضًا تلك القضايا المهددة للوجود تغزو هذا العقل مشعلة داخله ثورة وعي وثورة إيمان

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: سؤال المستقبل

في لحظة غرائبية انتقل التاريخ من حالة الإبداع الفردي إلى النمطية الجماعية، من حركة تطورية إلى ارتداد سحيق، من أجواء الصخب إلى كهوف الصمت، من عقيدة الاجتماع

د.محمد حسين أبوالعلا يكتب: "بوتين" والميكروسكوب النفسي

قليلة هي النماذج والأيقونات السياسية التي أخضعها العلماء لمتاهات التحليل النفسي باعتبارها ذات طابع مركب تتمحور أبعاده في معادلات متناقضة تثير الدهشة؛ لأنها

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: أمريكا و"جلجامش" .. الغرام بسرقة التاريخ

نحن نناشدتكم على الدوام ألا تقولوا.. هذا أمر طبيعي إزاء ما يعترضكم من الأحداث كل يوم، فى زمن يسوده الاضطراب وتسيل فيه الدماء ويدين بالفوضى ويقوم الظلم

خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة