آراء

محمد الشاذلي يكتب: نجيب محفوظ والصحافة (2 - 4)

8-9-2021 | 19:06

أعادتني دراسة الدكتور محمد حسام الدين إسماعيل "الصحفي في أدب نجيب محفوظ" (العربي للنشر 2021) إلى الأجزاء الأربعة من كتاب الناقد والمبدع مصطفى بيومي "معجم شخصيات نجيب محفوظ" (دار الشروق 2015) الذي رصد كل شخصيات محفوظ في قصصه ورواياته، ومن بين الـ 1742 شخصية أبدعها محفوظ، نجد نحو 60 صحفيًا، معظمهم انتهازيون.

 
 وكنت أتحدث مع الأستاذ والصديق الأديب يوسف القعيد والكاتب الأكثر قربًا من محفوظ في سنواته الأخيرة، عن الصورة العامة للصحفي في روايات محفوظ وقصصه بمناسبة كتاب الدكتور إسماعيل، فقال لي إن معظم الصحفيين في أدب الأستاذ انتهازيون ووصوليون ونفعيون وتحكمهم "الميكافيلية" برغم أنه احتك طوال حياته بصحفيين، لكن الصورة عنهم في أدبه سلبية بوجه عام، واستغرب القعيد - وأنا معه - أن تكون صورة الصحفي عنده على تلك الشاكلة البائسة على الرغم من أننا نشهد أنه من أكثر الكتاب الكبار تعاونًا مع الصحفيين، واتخذ منهم الأصدقاء المقربين، وأنه لم يرد صحفيًا أبدًا.. ووافقني، وكذلك فعل صديقي الكاتب إبراهيم عبدالعزيز على أن محفوظ قاوم بشدة أي شيء يقوده إلى العمل بالصحافة، ليس كرهًا لها، ولكن لقناعته بأنها سوف تعطله عن الأدب وسوف تغير نظام حياته الصارم المنضبط.
 
وإذا كان محفوظ قد ابتعد عن الصحافة ليتفرغ للأدب وقنع بأن يكون راتبه الوظيفي في الحكومة مع بعض إسناد من عمله في السينما ككاتب سيناريو، ومع إيراده لنماذج صحفية سلبية في قصصه ورواياته، فإنه كان وثيق الصلة بالصحفيين وله صداقات شهيرة مع العديد منهم. 
 
وبالفعل فإن صحفيين كثر هم من الأصدقاء المقربين من محفوظ مثل رجاء النقاش ومحمد عفيفي وصلاح جاهين ويوسف القعيد وجمال الغيطاني وإبراهيم عبدالعزيز وغيرهم.
 
لكن الفكرة الأساسية عند محفوظ هي جرأته الصادمة في تناول الشخصيات والنماذج التي يعرفها، لأنه يستقي منها شخصيات قصصه ورواياته، وكل من درج في حارته كان له نصيب في أدبه، كما أن كل من صادفهم في الوظيفة الحكومية وجدوا أنفسهم فيما بعد في أعماله، وأيضًا من الوسط الصحفي أخذ نماذج من الواقع الذي عاشه والشخصيات الصحفية التي صادفها. 
 
وقيمة محفوظ في أن شخصيات أعماله وهو ما حاول مؤلف "الصحفي في أدب نجيب محفوظ" إثباته خالدة في الحياة، مع شيء من تطور الزمن، وفي الواقع الذي نعيشه.
 
هذه نقطة، والثانية والتي يمكن أن نستنتجها من خلال قراءة موسوعة مصطفى بيومي أن وراء المصير المأساوي أو الحكم العنيف ضد زملاء المهنة هو الموقف السياسي لمحفوظ نفسه، فهو يرى الصحفي في كل قصصه ورواياته ضمن منظوره لقيمة وأهمية ثورة 1919 وحزب الوفد. 
 
وغالبًا ما يصف الصحفي والكاتب في بداياته بالمتحمس والواعد، أما إذا انحاز الصحفي إلى النظام الجديد الذي جاءت به ثورة يوليو 1952، فإن محفوظ يدمره في القصة أو في الرواية مثلما فعل مع شخصية صفوت مرجان في "الحب تحت المطر"، وسالم جبر وزهير كامل في "المرايا" وطاهر عبيد الأرملاوي في "قشتمر"، وإبراهيم خيرت في "السمان والخريف"،  ولأن محفوظ ضد التطرف عمومًا فإن نهاية أي صحفي ينتمي إلى الإخوان أو الشيوعية ستكون الهلاك بعينه أو الإهمال في زوايا النسيان.
 
 وربما لم يرحم سوى من استمروا مخلصين للوفد مثل عامر وجدي في "ميرامار"، أو قلة من الصحفيين لأسباب ذاتية مثل صاحب ورئيس تحرير مجلة "الإنسان الجديد" المفكر التقدمي عدلي كرم في "السكرية"؛ لأنه ببساطة هو نفسه سلامة موسى صاحب ورئيس تحرير مجلة "المجلة الجديدة" التي كتب فيها محفوظ مقالاته الفلسفية الأولى.
 
كما أنه أحيانًا ما يتعاطف مع النماذج الصحفية التي تعرضت للظلم من وجهة نظره في عهد عبدالناصر.
 
ونرى عند محفوظ نماذج صحفية عدة من الحالمين بالثراء والساعين إلى النفوذ مثل رؤوف علوان في "اللص والكلاب" وأنوار بدران في "قشتمر" وعزيز صفوت في "الباقي من الزمن ساعة" ومحمد بدران صاحب الموضوعات الدعائية التي يقبض ثمنها من الشركات وعلي السيد في "ثرثرة فوق النيل"، حتى سمارة بهجت في "ثرثرة فوق النيل" متواطئة وتقع في غرام زير النساء الممثل رجب القاضي، وتهرب من جريمة الدهس برغم كل ما تتفوه به من مبادئ ومواقف.
 
 وهؤلاء في الحقيقة يمكن أن نصادفهم الآن بأشكال وأسماء جديدة، وفي تصور الدكتور إسماعيل فإن نماذج شخصية الصحفي التي أبدعها محفوظ لا سيما بعد رواية "أولاد حارتنا" ما زالت تعيش بيننا وتؤثر في صنع حاضرنا ومستقبلنا، ولذا اتخذ واعتمد في دراسته على تحليل صفات وأدوار الصحفيين وتطور ذلك عبر مراحل أدبه المختلفة، زمنيًا وتقنيا.
 
 وربما يكون الوسط الصحفي في الزمن المحفوظي أكثر نضجًا ليتقبل نماذج الكاتب الكبير من دون ضجيج، أو اعتراض ظاهر، أو أن الكتاب الكبار في الصحافة - وهم الآن من الأساطير - أقروا محفوظ على اختياراته، واعترفوا بها، إيمانًا بحرية الأدب والفن، وأنهم ربما يعرفون من هذه النماذج أكثر من محفوظ نفسه.

اقرأ ايضا:
محمد الشاذلي يكتب: "..وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ"

كم كان قرارا متشنجا وعصبيا بتجميد مقعد سوريا في مجلس جامعة الدول العربية، بينما استمرت سوريا تشغل مقعدها في الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة.

محمد الشاذلي يكتب: نجيب محفوظ والصحافة (4 - 4)

وقَّعَ الأستاذ نجيب محفوظ في شهر فبراير 1973 في مكتب الأستاذ توفيق الحكيم في الأهرام على بيان الكتاب والمثقفين الذي يطالب بإنهاء حالة اللاحرب واللاسلم،

محمد الشاذلي يكتب: نجيب محفوظ والصحافة (3 - 4)

احتفل الأهرام بعيد الميلاد الخمسين للأستاذ نجيب محفوظ، وكان صاحب الفكرة أحد أفراد شلة الحرافيش وهو الرسام والشاعر صلاح جاهين، لمعرفته بولع الأستاذ محمد

محمد الشاذلي يكتب: نجيب محفوظ والصحافة (1 - 4)

اقترب الأستاذ نجيب محفوظ والذي تحل ذكرى رحيله الخامسة عشرة اليوم الإثنين من الصحافة كثيرًا، وذلك من خلال كتاباته الأولى، واللقاءات والحوارات التي أجرتها

محمد الشاذلي يكتب: حادث فجر الثلاثاء على طريق دهشور

حولت الحكومة طريق دهشور المهترئ إلى طريق جميل بكل المقاييس بعد أن كان السير فيه مخاطرة كبرى، وزادت إضاءته ونظافته وجودة الأسفلت، ثم المحال التجارية من

محمد الشاذلي يكتب: انتصار للحياة..

بدا جليًا مدى الانتصار لإرادة الحياة في أولمبياد طوكيو 2020 خصوصًا مع الأيام الأخيرة في الدورة والتي تجلت فيها ألعاب القوى والسباحة والجري بمسافاته المتنوعة، وآخرها سباق الماراثون بطول 42 كم.

متحف عم مكرم لفن السينما

يملك هذا الرجل متحفًا فريدًا للسينما المصرية، يقع ويستحوذ على كل شقته في سيدي بشر بالإسكندرية، وبعد أن ضاق بمن لا يحفل به، أو يسعى لحفظه، وهو في سن الشيوخ

تونس والعون المصري

بدأت تونس في تلقي مساعدات مصرية وعربية لمواجهة تفش قاتل لوباء كورونا لم تتمكن المنظومة الطبية في البلاد من مواجهته، كما تذهب إليها مساعدات دولية وإفريقية لكن بشكل متقطع.

سد النهضة .. واجبات مجلس الأمن!

على الرغم من التصريح الصادم لرئيس مجلس الأمن السفير الفرنسي نيكولا دو ريفيير، من أن المجلس ليس لديه الكثير الذي يمكنه القيام به في أزمة سد النهضة الإثيوبي،

سد النهضة .. أسئلة جديدة

... تكلفة التعاون أرخص من تكلفة الحرب .. هكذا لخص وزير الري والموارد المائية محمد عبدالعاطي، موقف القاهرة من أزمة سد النهضة مع أديس أبابا.. وعشية مغادرته

فضيلة الإمام .. ليحتفل الأزهر بمرور ستين عامًا على تطويره

يعود الجدل مجددًا إلى قضية تطوير الأزهر، والذي بدأ مع قرار التطوير قبل ستين عامًا (القانون رقم 103 لسنة 1961م) ويريد البعض الآن عودة الأزهر إلى الدراسات

العودة إلى غزة

لم يكن تخصيص الرئيس السيسي 500 مليون دولار لإعادة تعمير غزة سوي مقاربة جديدة للدولة المصرية في هذا الملف الشائك، فقد عاد الصراع إلى غزة على خلفية أزمة

الاكثر قراءة
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة