راديو الاهرام

مهدي مصطفى يكتب: أمريكا استراحة طويلة

9-9-2021 | 01:45

لا تخلو صحيفة عالمية من جلد أمريكا على انسحابها من أفغانستان، ولا يوجد كاتب عمود أو محلل سياسى إلا ويشق الجيوب ويلطم الخدود، ويهاجم الرئيس الأمريكى جو بايدن، حتى هؤلاء الذين كانوا يدعون له، ويبشرون به.

بعضهم يتخوف عن حق من اندلاع حروب صغيرة مرتبة متفق عليها، وبعضهم يخشى من انتشار الإرهاب فى دورة قد تكون الأعنف فى التاريخ، وغالبية الذين يهاجمون أمريكا ينتمون إلى فلسفة بقاء أمريكا إمبراطورية مترامية الأطراف، تقوم بالغزو والاحتلال وصناعة الفوضى، كرؤية هم يعتنقونها كحالة فريدة فى التاريخ، وهؤلاء الناس لا يقيمون وزنا لدماء الضحايا، سواء من جنود الغزو المغرر بهم أم من سكان البلدان المحتلة، أم تلك التى تضربها الفوضى المجهزة.

لا أرى كما يرى هؤلاء المتباكون، فالأصل أن الناس خلقوا شعوبا وقبائل حرة، وأن الغابة من أشجار مختلفة، ولا يجوز أن يتم تنميط الناس كأنهم شرائح موبايل، أو إخضاعهم كالسلع للتوحيد القياسى.

خلال القرنين الماضيين تم رسم خرائط، ومعها غابت شعوب ودول، وقامت أخرى، وتغيرت الأفكار أكثر من مرة بقيادة غربية واحدة، أرادت فرض المثال على جميع أصناف البشر، وبرغم هذا التغيير الكبير، فإن فرض المثال فشل فشلا ذريعا، ولم يعد صالحا، ولا قادرا على التكيف أمام مقاومة إنسانية، لا تريد أن تعيش كأنها فى محيط وداخل مزرعة للعبيد، وأن فكرة فرض الحداثة بقوة السلاح، أصبحت من الماضى العتيق.

الانسحاب الأمريكى بملابساته كان محض لحظة، لكنها ستكون لحظة بمثابة عمر طويل من الزمن، كأنها حدثت منذ قرون، تغير كل شيء فى لمح البصر، خلف أرامل للحالة الأمريكية، ومهما يكن من غضب أو بكاء على اللبن الأمريكى المسكوب، فإن الحدث يسترعى الانتباه إلى ضرورة قيام أمم على قدم المساواة، ومعها تتلاشى فكرة رأس الحداثة وقاع التخلف.

لا تذهبوا بعيدا، وتلوموا أمريكا، فقد قررت العودة المؤقتة للديار، فهى أمة لم تكن قائمة على أصل التوسع، كانت تسمى أرض الأحلام، وجاء شياطين الإنس، وجماعة العائلة السرية المتحكمة، والمكر الأوروبي، ليشكلوا جميعا الحالة الأمريكية بغزواتها المستمرة على مدى 76 عاما، ثم صناعتها للفوضى فى أكثر من 70 بلدا فى العالم فيما بعد عام 1945.

فشلت فكرة التحديث بالقوة، ومعها فشلت مصانع الحكومات والأنظمة الجاهزة على النمط الغربي، فلا تستعيدوا كوابيس فكرة الصراع بين الشعوب والطوائف والمذاهب، أو ما أطلق عليه «صامويل هانتنجتون»: «صراع الحضارات».

قبل عشرين عاما كتبت عن المستنقع الأمريكى فى أفغانستان، سخر بعض المرجفين، المتماهين مع من يملك القوة العالمية، وقالوا إن أمريكا جاءت لتبقى، وعلينا أن نصلى فى محرابها، وتقبيل أياديها لننجو، بينما أمريكا نفسها لم تتوقف عن التفكير فيما جرى لحملات نابليون بونابرت التوسعية، ولا فى نهاية الاستعمار الأوروبي، ولا فى مصير روما القديمة، أقوى وأشرس إمبراطورية عبر التاريخ.

أمريكا الأصلية لا ترغب فى الالتحاق بهذه الإمبراطوريات، بل تحاول أن تأخذ استراحة محارب طويلة، ودائما ما حاول بعض عقلائها تفادى نفس مصير الإمبراطوريات الغاربة، ولذا يأتى انسحابها من أفغانستان ضمن سلسلة انسحابات ستقع قريبا جدا، ستكون أقرب من حبل الوريد، سواء نظرت لنفسها كأمة منتصرة أم أمة منسحبة تحت ساتر أهداف شرسة، فإن الفرصة نادرة لصعود أكثر من أمة مختلفة، لخلق توازن دولي، لا يقوده باب عال، ولا قوة تغزو وتقتل أينما تشاء.

ومصركأمة فريدة، وإقليم صلب القلب، تستطيع أن تستعيد استئناف رحلة، تم قطعها عمدا منذ أكثر من ألفى عام.

 

نقلاً عن الأهرام العربي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة