آراء

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (2-3)

6-9-2021 | 23:47

نظرة (8):

قلت في الجملة الأخيرة من النظرة السابقة، إنني حاولت - أثناء استسلامي للطبيب اللبيب وهو يحاور ألمي في العيون التي في طرفها نزيف - أن أحقق معادلا موضوعيا مع  لكمات الألم الليزري عنفا ولطفا، تارة مع الشعراء.. وتارة أخرى مع الأمثال الشعبية العالمية.. وتارة أعظم مع الصوفية والسباحة في بحور الحب عندهم ومنظورهم إلى العين الثالثة.. . أنتم الناس أيها الشعراء.. 

ولأنكم أنتم الناس أيها الشعراء.. فقد شكلتم وسادة غير خالية، لعل وعسى، أتكئ عليها.. في مواجهة  تنشينات  الليزر، فمن الممكن أن تكون عيونه الإلكترونية في طرفها (حوَل.. لا حوَر).. على أني لست من  الغاوين الذين يتبعون الشعراء، بل أنا واحد منهم بالمعنى الإيجابي وليس السلبي، إذ أتعاطى الشعر منذ نعومة أظفاري، واستقطرت ذلك في ديواني  عبَّاد يتحرر من الشمس  وبالمناسبة الشعراء في التزيل الحكيم ليس المقصود بهم الذين يقرضون الشعر، بل المعنى مفتوح، حتى أنه ليكسر أفق التوقع، فكلمة (الشعراء) لم تذكر إلا في سورة الشعراء، وبالتحديد في نهاية السورة  وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ{(الشعراء: 224 - 226). 

أخبروني أيها الملأ عن شاعر اتبعه الناس؟!.

يبدو لي أن المقصود بهم عبر التاريخ وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، هؤلاء الذين يتلاعبون بمشاعر الناس وحيواتهم وأفكارهم، والمقاتلين بالميكروفونات والذين يخدعون الناس ويخادعون الجماهير والمتاجرين بالدين، والمتكسبين من أوجاع البسطاء.. و..و.. هلم جرا..!!.

نظرة (9):
لعل من أشهر الأبيات التي صارت مضرب المثل، وباتت في حكم المثل السائر، بيت الشاعر جرير قبل حوالي ألف وخمسمائة عام :
 إِنَّ العُيونَ الَّتي في طَرفِها حَوَرٌ
 قَتَلنَنا ثُمَّ لَم يُحيِينَ قَتلانا
ان هذا الشاعر زعيم الذين يقاتلون في ميادين الوغي وساحات الحرب والدماء ويصرعون أعداءهم، لكنهم يسقطون ضحايا فتنة العيون الفاتنة:
وأكاد أضحك، من المفارقة بين فتن هؤلاء الشعراء، وما يفعله بي الطبيب عبر لكمات الليزر ووخزاته، أقول أكاد أضحك فنحن في زمن تعز فيه الابتسامة إلا قليلا- تأملوا قول الشاعر سليمان المستعين الأندلسي:
عجبا يهاب الليث حد سناني
وأهاب لحظ فواتر الأجفان

ويتشارك معهم أبو فراس الحمداني (صاحب رائعة أم كلثوم: أراك عصي الدمع) : 
إذا كان موتي بقتل الجفون
فقتل السيوف إذا أروح
لكن للعيون دلالة أكبر من السائد، وغواية فكرية وفلسفية أبعد عن المألوف، انظر إلي المتنبي وهو يقول:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
تأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها
وتصغر في عين العظيم العظائم
وعبد الله بن معاوية صاحب البيت الذي ذاع صيته ولا يزال:
فعين الرضا عن كل عيب كليلة
ولكن عين السخط تبدي المساويا
ومن منا لا يذكر رائعة الإمام الشافعي: 
دع المقادير تجري في أعنتها
 ولا تبين إلا خالي البال
ما بين طرفة عين وانتباهتها
يغير الله من حال إلى حال
وتنساب الحكمة من قلب الإمام علي بن أبي طالب:
فالعين تخبر عن عيني محدثها
إن كان من حزبها أو من أعاديها

وبين ضفتي هاتين الطائفتين يحال «مجنون ليلى» أن يبكينا، وكأن العملية الحياتية ناقصة بكاء ووقوفا على الأطلال 
وليس الذي يجري من العين ماؤها
ولكن نفس تذوب فتقطر

ومنه الى كوليت الخوري : قصتي معك أحلى قصيدة أكتبها.. لكنها قصيدة لا تكتب.. فاللقطات الإنسانية تفيض بها العين فقط .
وها هو ميخائيل نعيمة :
 دموع العين قد جمدت
 وريح الفكر قد خمدت
 فلم ياقلب فيك النار في لهب 
وكنت أظنها قد خمدت؟ 

وتتحول العيون عند الشاعر بدر شاكر السياب إلى غابة:  
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقص الأضواء كالأقمار في نهر بدر

لتصبح عند نزار قباني قوة من الغواية والاستدراج الأنيق:
الموج الأزرق في عينيك
 يجرجرني نحو الأعمق
وأنا ما عندي تجربةٌ
في الحب ولا عندي زورق
 إن كنت قويا أخرجني من هذا اليم 
فأنا لا أعرف فن العوم

نظرة (10)::
في الذاكرة كلمات هي رحيق التجارب العيونية.. وفيها مقولات إنسانية، كل مقولة هي قنينة فكر. لنفتحها ونبصر شذاها، ونستمع إلى عبيرها : 
يجب أن تتعلم العين أن تستمع قبل أن تبدو.. البعيد عن العين بعيد عن القلب، مقولة أشبعتني ضحكا حد البكاء وما الذي أرهق قلوبنا شوقا غير ذلك البعيد.. ليست المشكلة هي مشكلة العيون الفارغة لأن العيون ستبقى فارغة  وآخر شيء يقفله الإنسان عند الموت عيناه فهو فارغ العين إلى الموت..

في اللحظة التي تتحقق فيها البصيرة ليست العين هي التي تُبصر.. قبل أن ترى القشة في عين الآخرين، انظر إلى الخشبة في عينك.. العين تبدي قوة الروح.. على الأرض تُطرح أسرار إلهية لا حصر لها لمن له عين وبصيرة.. لا شيء أثمن من العين لفك الأسرار، لاشيء سوى العين من يستطيع حفظ التفاصيل بألوانها ونبضها وحياتها الأولى.. العين مرآة الأسرار.. الحرب في العيون..

فرق كبير بين العين التي تنظر وبين العين التي ترى.. أصدق حزن ابتسامة في عين دامعة.

نظرة (11):
وللشعوب أمثالها عن العيون، وهي خلاصة مكثفة لتجاربها :
غالبا ما تأتي الدموع من العين بدلا من القلب .. ترى العين كل شيء إلا ذاتها.. الدمعة في العين جرح في القلب.. أصدق حزن ابتسامة في عين دامعة.. الشرف كالعين لا يلعب به.. حسن في كل عين ما تود.. عندما يتم القدر، تغشى عين الحكمة.. وقت القدر يعمى البصر.. العين شاهد أفضل من الأذنين.. القرد في عين أمه غزال.. البوم في عين أمه صقر.. الغراب لا يقلع عين الغراب.. من فقد عينا عرف قيمة العين التي بقيت له.. الأذن عفيفة لكن العين جريئة.

نظرة (12):
و.. من العين الجريئة والغامضة.. الطيبة والماكرة.. الخيرة والشريرة.. النارية والنورانية.. الصادقة والمخادعة.. الداهية والوادعة.. الساحرة والحاسدة.. الفاتنة والحاقدة .. الصفراء والحمراء..
إلى.. (العين الثالثة) !!.

اقرأ ايضا:
د.مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (1 - 3)

قال لي صاحبي وهو يحاورني، وكان له ثمر من مجموعة جروبات في الواتس والميديا، يتكسب منها بصورة أو بأخرى، ويتخيل أنه أيضًا أكثر مني مالًا وأعز نفرًا، فهو يستثمر،

د. مجدي العفيفي يكتب: حتى لا تضيع التغريدة المصرية...!

عنوان هذه الكتلة السردية الإعلامية، التي ستقرأها بعد سطور، صاغه أستاذ حقيقي للإعلام، صناعة وصياغة، ورؤية ورؤيا، وتنظيرا وممارسة، وبذلك تضيق الهوة بين التصورات

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم ( 2-2)

جاء العبارة الأخيرة في مقال الأسبوع الماضي تحمل جينات هذا المقال وأفيق من اللحظة الراهنة التي استغرقتني وامتدت سنوات وسنوات من العذاب والعذوبة.. لأجد

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم (1-2)

ليس فقط، لأنها تدثر نفسها وحسها وحدسها باسم النهر الخالد في سياق المنظومة النيلية الإعلامية، التي تنساب كصفحة النيل الجميل منذ العام 1994.. وليس فقط،لأنها

إن العيون التي في طرفها «جراحة» (3-3)

ما إن أذن الله تعالى بإزالة الغشاوة التي حالت دون الرؤية إلا قليلا، حتى تضرع القلب إلى المنعم العظيم أن لا يُحرم أحدٌ سواء من المحبين والمحبوبين أم من

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (1-3)

العين.. وما أدراك ما العين.. سبحان الذي أحسن كل شيء خلقه صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.. بلى.. حسب العين أنها آية من آيات الله.. إذن فلا

ومضة نور في طريق مـظلم

الساعة تدق الثالثة صباحًا.. الشوارع خالية.. إلا قليلًا.. طائر الفكر يسري على جناح الليل، والليل صديق..

أقوى من المعرفة والمال والحب والحظ

تكررت الكلمة في حواريتي مع محدثي أكثر من مرة، حتى إنها لفتت انتباهي واستقطبت اهتمامي.. وهي نفس الكلمة التي تتخذ منها الطرق الصوفية سبلًا قويمة ومرجعيات

منصة لإطلاق الجمال

آه لو عرف الشباب.. وآه لو قدر المشيب.. هيمنت على وجداني هذه الفكرة، وأنا أحدق في تلك الساعة التي كانت بطلتها هذه السيدة الأنيقة والأناقة سلوك ..الجميلة جمالا ارستقراطيا، والجمال منحة أكثر منه محنة.. .

الحرام .. رؤية أكثر اتساعًا

لحظة تتجلى فيها منظومة من القيم، العابرة للإنسان والزمان والمكان، إذ هي إنسانية الجوهر، كونية المعنى، عالمية النزعة، تلك اللحظة، في بعدها الماضوي الأثري

رجل .. رجلان .. ثلاثة رجال

ثلاثة مشاهد مثيرة فعلا، تتغشاها كتلة سردية من الشوك البشري إلى الشوق الإنساني.. الأول يثير الغيظ.. والثاني يثير الشفقة.. والثالث يثير الهمة الإنسانية المفقودة، ورب همة أيقظت أمة.

..واسألوا هذا الصقر...!

يعيش الصقر 70 عامًا، ولكن حتى يصل إلى هذا العمر، يجب عليه اتخاذ قرار صعب جدًا، ليكمل حياته.. فماذا يفعل؟ عندما يصل إلى سن الأربعين تفقد أظافره مرونتها،

الاكثر قراءة
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة