راديو الاهرام

د. آيات الحداد تكتب: المهنة مسئولية وليست منصبًا

5-9-2021 | 17:04

تتعدد المهام والمسئوليات بدءًا من حاكم الدولة حتى أصغر مسئول فيها، فليس لفظ مسئول يطلق على من يشغل وظيفة عُليا بل كل منّا مسئول في عمله حتى وإن ظن عكس ذلك، وكل ما في الأمر أن هناك حِملا لمسئول يفوق حِمل مسئول آخر! فمسئولية حاكم الدولة حِمل يفوق أي مسئول آخر، وأشفق على كل من يعلو حِمل مسئوليته عن الآخر، ولو علم كل منا ذلك لأشفق على حمل المسئولية وهي الأمانة التي تحدث عنها الله سبحانه وتعالى في مُحكم كتابه: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" صدق الله العظيم.

فكل منا يحمل الأمانة أي تلك المسئولية الملقاة على عاتقه أشفق على من يحملها وهو جاهل لا يعلم بنتائج تلك المسئولية وأحسد من يحملها إذا كان يُراعي الله ورسوله في حملها، وكان الصحابة رضي الله عنهم يعلمون ذلك جيدًا؛ لذا كانوا يرفضون تولي منصب يتعلق بمصالح الناس وأرواحهم وأموالهم كمنصب القضاء، فليت الجميع يعلم أن ما يدعيه البعض من منصب شخصي له هو في الحقيقة حِمل مُلقى على عاتقه فليستخدمه لنصرة المظلوم وجلب حق الضعيف ولا يخشى إلا الله، وليعلم كل مواطن أن عليه واجبات بما تتفق مع حجم مسئوليته ودوره الفعال في الحياة إنما تمثل في الحقيقة حقوقًا للآخرين!

البعض منّا يعتقد أن المهنة تُقاس بمدى علوها أو دنوها! أي هناك منصب رفيع ومنصب آخر متدن! ولا يعلمون بأن المهنة أولًا وأخيرًا رسالة ومسئولية مُلقاة على عاتق صاحبها وليس منصبًا شرفيًا شخصيًا لصاحبه، فالمهنة تُقاس بما يقدمه الشخص من نفع للبشرية فقط! ويجب أن يستوعب البعض تلك الحقيقة ويعيّ مثل ذلك الدرس! فالله خلقنا لتعمير الأرض وخلقنا طبقات، فالعمل يُقاس بمدى تأثيره الإيجابي على الناس قبل صاحبه، فلا يوجد منصب رفيع ومنصب متدن كما يعتقد البعض بل على العكس قد يكون العمل الذي يصفه البعض بالمتدني أعظم عند الله وعلى البشرية من العمل الرفيع المستوى، فهناك حكمة تقول: "عندما يغيب المدير شهر لا نشعر بغيابه لكن لو غاب عامل النظافة يومين افتقدناه"، فقيمة الناس بما يقدمونه من خير للبشرية ولا يقاس بالمنصب ودرجته! ولا نذهب لبعيد فقد كان الرسول "صلى الله عليه وسلم" راعي غنم وفي شبابه عمل بالتجارة وهو خير خلق الله وعلم البشرية دروسا في العلم والأخلاق بل هو إنارة الله على الأرض، وكان نوح عليه السلام نجارًا وبنى سفينة نوح التي حملت البشرية، كما كان أبوبكر الصديق رضي الله عنه يعمل بالتجارة قبل توليه الخلافة، والزبير بن العوام كان خياطًا، وسلمان الفارسي حلاقًا، كما أن الله سبحانه وتعالى له حكمة في تقسيم البشرية لدرجات، ليختبر من يطيع الله ورسوله في عمله ومن يتقنه ومن حمل الأمانة كما ينبغي أن تُحمل، من استغل منصبه في نصرة المستضعفين وجلب حقوق الضعفاء، ومن استغله في نشر الفساد، فالكل سواء لا فرق بين شخص وآخر إلا بالتقوى والعمل الصالح، فالله منح كلًا منّا موهبة ليس لذاته بل لينفع بها البشر، فالله خلقنا طبقات ومنح كلًا منا موهبة لحكمة وليس عبثًا وإن لم يستغلها صاحبها في النفع العام نزعها الله منه، والنعمة التي يسيء الشخص استخدامها تنقلب لنقمة، فما يفرق عمل شخص عن آخر التقوى، أن يتقي الله في عمله، ويراعي ضميره.

 فلا تستهين بعملك أيا كانت مكانتك ومنزلتك فيقاس عملك بقدر تأثيره الإيجابي على الأمة فلا تدري لعل عملك الذي تراه صغيرًا فهو عند الله كبير ولا تدري لعل عملك الذي تراه متدنيا يرفع البشرية بأجمعها، فلا تستهن بعملك طالما يخفف العبء على إنسان آخر، ولا تقلل من شأنك حتى ولو كان عملك إدخال السرور على قلب إنسان،  فما تراه عديم النفع قد ينقذك في يوم ما ويكون طوق النجاة للبعض، فلوح الخشب في حد ذاته ليس له أهمية ولكن قد ينقذ شخصا على وشك الغرق في البحر!

 

نقلاً عن الأهرام المسائي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة