راديو الاهرام

د. ناجح إبراهيم يكتب: المفكر العظيم مصطفى محمود .. في ذكراه

5-9-2021 | 17:04

مرض والده بالشلل سبع سنوات توفي بعدها فأصر على دراسة الطب ليعرف أسرار الأمراض وعلاجها، وفي السنة الثالثة بالطب مرض مرضاً شديداً حار فيه الأطباء فمكث في المستشفى عامين، فلم يجد شيئاً يهون عليه مرضه ووحدته سوى عشرات الكتب الأدبية والتاريخية التي التهمها التهاماً،ووقتها تكونت لديه شخصية المفكر المتأمل وولد بداخله الكاتب والأديب الذي يحلم ويفكر ويطالع.

  • في الحالتين كان الألم هو الذي صقل أخلاقه وطهر نفسه وفجر الحس الديني داخله فتحول إلى داعية صارت رؤيته في أواخر حياته تذكر بالله وتحث علي الإيمان.
  • نشأ نشأة دينية في بيت من بيوت العلم والتصوف والزهد، لكنه أبى أن يقلد أباه أو يكون نمطياً كغيره، كان يبحث عن المجهول ويحلم أن يكون مخترعاً كبيراً أو عالماً مشهوراً مثل "كريستوفر وأديسون وماركوني وباستير".
  • دخل الجامعة فكانت أسوأ مراحل حياته كما قال عن نفسه، وجد معظم الطلبة شيوعيين وخاصة بكلية الطب، كان العالم العربي والإسلامي وقتها مسرحاً كبيراً للمذاهب والفلسفات الشاذة والإلحادية والماركسية، عاش فترة شك طويلة في شبابه قال عنها: "إنها لم تكن بسبب إنكار أو عناد أو كفر"، ولكنه بدأ قطار الفكر والدين من أوله عند الصفحة الأولى من مبدأ الفطرة دون موروثات.
  • أدار ظهره للماركسية والشيوعية ولكنه لم يتحول إلى نور الله وشريعته في صمت وسهولة كغيره، فقد واجه الماركسية بشراسة، وصار تحوله زلزالاً مدوياً هز الأوساط الثقافية، هدم وهزم الماركسية والشيوعية بالفكر والرأي والحجة، قال: "إن أسوأ ما في الماركسية أنها خلقت الإنسان الحاقد المخرب والرافض لكل شيء". كان يقول: "لا أعتقد أن الرجل يمكن أن يكون سوياً بدون امرأة يحبها ويتزوجها ويكون أسرة"، تزوج مرتين وفشل فيهما وانتهيا بالطلاق، بعد ذلك قرر أن يحيا وحيداً في المركز الإسلامي الملحق بمسجده بالقاهرة.
  • أغرق وحدته في العلم والعمل والكتابة أو إدارة الصرح الطبي الخيري أو إعداد حلقاته التليفزيونية التي كانت ينتظرها الملايين، كانت طلته تحبب الخلق في الخالق وتربط الأرض بالسماء بطريقة غير تقليدية وغير مباشرة، بلغة الفيلسوف الذي يربط الدنيا بالآخرة.
  • بعد طلاقه الأول طلب منه الرئيس السادات أن يكون وزيراً أو رئيساً لـمجلس إدارة دار المعارف ومجلة أكتوبر، لم يسل لعابه للسلطة كغيره، وأبى أن يقع في فخ الوظائف، فقد زهد في الدنيا ليبحث عن الله ويدل الناس عليه.
  • قال للسادات: أنا لا أصلح، أنا فشلت في إدارة زوجتي فهل أستطيع إدارة وزارة أو مؤسسة، قهقه السادات: "يا درش ومين فينا اللي يقدر يدير مراته"، وضحك صاحبنا مغلفًا اعتذاره بطريقة الأديب الظريف.
  • أراد أن تكون له بصمة خير ثابتة وصدقة جارية، ذهب لـ"محمد عبدالوهاب"، ليشجعه على إنشاء مؤسسة تخدم الفقراء، عاجله عبدالوهاب: "نحن نخدم الناس بالفن الذي نقدمه لهم"؟ قال: "هذا قد أخذنا عليه أجرًا، والله أعلم بمآله، نريد شيئًا خالصًا لله وحده لا شيء فيه لأنفسنا، وجد صاحبنا في محدثه ضنًا بماله عن الأقربين فما بالك بسواهم، عزم دون تردد على تخصيص كل الأرض التي ورثها لمسجد محمود تخليدًا لوالده، وأقام عليه مركزًا إسلاميًا ومستشفى خيريا ضخما.
  • أحزنه قبل موته بسنوات ظهور التطرف الإسلامي، صرخ فيهم: "لا تعطوا العالم رخصة لإدانة الإسلام بما ليس فيه"، آه لو رأى داعش والقاعدة والحشد الشعبي والحوثيين والنصرة لمات كمداً، صرخ أخرى: "الإسلام محبة ورحمة ومكارم الأخلاق ومن لا توجد فيه هذه الخصال فليبحث عن راية أخرى يدعو الناس إليها"
  • ويصرخ منهم أيضًا: "الدعوة ليست شقشقة لسان من شاب حدث لا يعرف عن دينه سوى آية يسعى بها ويلوي معانيها بهواه ليسوق الناس أمامه بالعصا كالدواب حيث يريد، الإسلام حضارة وحوار وإنقاذ ورحمة، والإنقاذ لا يأتي للناس رغم أنوفهم، الإسلام السياسي ليس انقلابًا ولا اغتصابًا للسلطة، ولكنه صناعة رأي عام مستنير يكون بمثابة علامات طريق للحكام".
  • وفي آخر حياته قال: "كل ما كتبت هو في نظري مسودة ناقصة، إني أتتلمذ كل يوم على يد كل من يقدم لي المشورة والنصيحة"، وكان يردد: "لقد اخترت بعد هذه الرحلة لا إله إلا الله رأيًا وعقيدة والإسلام دينًا والعلم والإيمان منهجًا".
  • مضى فيلسوف الإسلام الصوفي د. مصطفي محمود الذي حلت ذكراه هذه الأيام دون أن يذكره أحد.

 

نقلاً عن الأهرام المسائي
كلمات البحث
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة