راديو الاهرام

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: فنلندا .. الطريق إلى السعادة

5-9-2021 | 17:04

تدور أحداث مسرحية السلطان الحائر لتوفيق الحكيم في عصر المماليك، يكتشف الشعب أن السلطان ما زال عبدًا، وبالتالي لا يحق له تولي السلطنة إلا بعد عتقه، ورغم استنكاره في بادئ الأمر لقرار القاضي ومحاولات الوزير الالتفاف على القانون، يختار السلطان طريق القانون ويقف في السوق معروضًا للبيع فتشتريه غانية، مؤكدًا أن تمام حريته كسلطان في تمام خضوعه للقانون، ثم تتعاقب الأحداث ويعتق ويلتف حوله الشعب.

بالنسبة لشخص كديفيد كاميرون، ولد لأسرة بريطانية ثرية واعتاد أن يحصل من كل شيء على الأعلى جودة؛ مسكن، تعليم، عمل حزبي، لم يكن غريبًا عليه اقتناء ماكينة قهوة باهظة الثمن عندما تولى منصب رئيس الوزراء. وكذلك، ليس بغريب على شعب يتمتع بقدر غير محدود من الديمقراطية أن يسأله، من دفع الثمن، نحن أم أنت؟.

تولى كاميرون منصبه (2010 - 2016) في ظل أجواء مضطربة بين الدعوة للخروج من الاتحاد الأوربي، وهو ما عرف بالبريكست، إلى جانب دعوات الحكومة الإسكتلندية لاستفتاء شعبي عام 2014 على الاستقلال عن بريطانيا، وفي حين رفض أكثر من 55% من الناخبين الإسكتلنديين الاستقلال، صوت حوالي 52% من البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوربي في استفتاء عام 2016، مما دعا كاميرون، المؤيد للبقاء في الاتحاد- لتقديم استقالته من رئاسة الوزراء وحزب المحافظين، لتخلفه تريزا ماي في المنصبين.

سؤال المواطنين البريطانيين لكاميرون عمَّن دفع ثمن ماكينة القهوة كان للتحقق إلي أين تذهب حصيلة الضرائب، رغم معرفتهم بتخصيص جزء منها للإنفاق على متطلبات مجلس الوزراء. في بلد كإنجلترا، لا يبدو الأمر غريبًا، لا هو استنكر السؤال، ولا المواطنون تجاهلوا الأمر، ومن ثم انتهى الموضوع بمجرد إشهاره إيصال سداد الثمن، 160 جنيهًا إسترلينيًا (حوالي 220 دولارا أمريكيا)، من ماله الخاص وليس ضرائب المواطنين.

بعد نحو خمس سنوات من تلك الواقعة، وجهت السلطة الرابعة (الصحافة) والمعارضون، سيلاً من الأسئلة والاستفسارات لرئيس الوزراء الحالي، بوريس جونسون، عمن تحمل تكاليف تجديد محل إقامته الملحق بمبنى رئاسة الوزراء.

جونسون الذي حقق رغبة الأغلبية بالانفصال عن الاتحاد الأوربي، ويراه البريطانيون مكافئًا لونستون تشرشل، قاد بريطانيا للنصر في الحرب العالمية الثانية، مطالب بتوضيح مصادر إنفاقه. هل تجاوز البند المخصص في الميزانية، هل دفعها أحد الأشخاص نيابة عنه، مما قد يحمل شبهة فساد. ولم يهدأ السجال إلا بعد ما أكدت وزيرة التجارة أن رئيس الوزراء دفع من جيبه الخاص تكاليف التجديد الإضافية (ما زاد عن 30 ألف جنيه إسترليني تخصصها الحكومة سنويًا للإنفاق على الشقة).

جونسون الذي سبق له الزواج مرتين استمر الأول ست سنوات، والثاني سبع وعشرين عامًا، وله ستة أبناء، ارتدت زوجته الثالثة -كاري سيموندس- في مايو الماضي فستان عُرس مستأجرًا من أحد محال الأزياء مقابل ستين جنيهًا إسترلينيًا، ومع هذا لم يسلم من النقد كونه عقد قرانه في كاتدرائية كاثوليكية لا تسمح قوانينها للمطلقين بالزواج في الكنيسة إذا كانت زوجاتهم السابقات على قيد الحياة. إنه القانون.

في مايو الماضي قدمت رئيسة وزراء فنلندا، سانا مارين، اعتذارًا عن تجاوز قيمة بدل وجبة الإفطار المبلغ المخصص لها من الحكومة، 300 يورو شهريًا، وتعهدت بدفع الفارق منذ توليها منصبها في ديسمبر 2019. مارين التي وصفت بأصغر رئيسة وزراء في العالم، 34 سنة، تحتل بلدها المركز الأول في تقرير السعادة الصادر عن الأمم المتحدة، ولتؤكد من جانبها أن تمام الخضوع للقانون هو نفسه الطريق إلى السعادة.

نقلاً عن الأهرام المسائي
كلمات البحث
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة