راديو الاهرام

عبدالسلام فاروق يكتب: أنا والتنين

4-9-2021 | 08:08

 زرت الصين فيما زرت من بلدان ولم يعجبني المقام فيها، بعكس مقامى فى أمريكا.. لم تكن الصين وحدها بل الهند وماليزيا وتايلاند في آسيا، وفرنسا وإيطاليا فى أوروبا، وأعجبتنى بلاد كثيرة فى قارتنا السمراء، ربما حدثتكم عما صادفته بها يوما ما..
 
تمنيت لو عدت للصين اليوم لأرى مدى سرعة الوتيرة التي تتطور بها الحياة هناك. وأظن أن الدهشة والانبهار والإعجاب ستكون بضائع قديمة لابد من تجاوزها إلى مشاعر ود ومحبة لم أنلها سابقا.. فهل سأقع يوما ما فى حب الصين؟
 
سر التنين..
 
أغلب بلدان العالم لها رمز أو أكثر ينتمى لعالم الحيوان.. فالدب الروسي والكوبرا الهندي والفيل الإفريقي والحصان العربي رموز معروفة، وربما كان طائر العقاب هو الأشهر استخداما فى الأعلام..
 
وبرغم ما تحظى به الصين من تنوع هائل فى مملكتها الحيوانية مترامية الأطراف وامتلاكها لطائفة من الحيوانات النادرة كالباندا وطائر الكركى إلا أنها آثرت التنين كرمز أول وأشهر رغم كونه حيوانا أسطورياً خيالياً لا وجود له.. فلماذا؟
 
ليست الصين هى الوحيدة فى استخدامها لرموز أسطورية فهناك طائر الفينيق في اليونان ولبنان وحصان كوليما فى كوريا الشمالية وأسد مسمك فى سنغافورة والتنين الأوروبى فى أرمينيا والحصان وحيد القرن فى المملكة المتحدة.
 
والتنين الصيني يرمز للسلطة والقوة والحظ الوفير، وهو بشير المطر والنماء، واعتاد أباطرة الصين استخدامه كرمز للسلطة بالغة القوة والعنفوان. وكان التنين خماسي المخالب رمزا للامبراطور بينما التنين رباعى المخالب للأمراء والنبلاء. 
 
وظهر التنين فى عهد سلالة تشينغ على أول علم صينى وطنى.. وبينما يمثل التنين اليوم للصينيين رمزا روحيا وثقافيا يدل على الرخاء والحظ، لكنه فى أوروبا مخلوق عدوانى فظ ينفث النار وينذر بالهلاك والدمار.
 
غير أن هناك دلالات أخرى نستشفها من رمزية التنين الصينى الأسطوري، كالتمدد والطول، فى سور الصين العظيم وطريق الحرير القديم، كأن كل شيء بها متضخم ومتسع وكبير، ثم هناك عنصر الخيال المرتبط بالأسطورة وهو عنصر مهم يوحى بالتطلع لنيل القوة الهائلة من مكامنها الخفية الدفينة وحوز المهابة في قلوب الأعداء من خلال الأثر النفسي لمظاهر القوة.
 
لقد جاء فى التاريخ أن الإسكندر المقدونى دخل إلى الصين وأكرم الإمبراطور الصيني وفادته وتواضع له، لكن قبلها استعرض الإمبراطور قوته العسكرية المهولة أمام الغازى الغاشم، ووصلت الرسالة كاملة إلى الإسكندر فغادر الصين دون أن يمسها بسوء، فرغم أن الجيش الصينى كان قادرا على سحق عدوه لكنه آثر حقن الدماء واكتفى برسالة رمزية خفية عن السلام المبطن بالحراشف القاسية والمزود بالمخالب والأنياب.
 
اليوم نشهد يقظة التنين بكل ما تحمله تلك اليقظة من ملامح القوة والإبهار.
 
الصين قادمة
 
الغرب لم يشأ أن يصدق هذه الحقيقة.. رغم أنها موجودة في توقعات باحثيهم ومفكريهم..
قالوا: إن الصين منطلقة وسوف تسبق الجميع ولم يصدقهم أحد، وأن معدلات النمو بها تشي بقرب وصولها وزعماء الغرب فى صمم، وأن تجارتها باتت تنافس جميع البضائع كمّا وكيفا وهنا فقط انتبه الغرب وأعلن حرباً تجارية ضد الصين. وكأنها اللغة الوحيدة التي يجيدها الغرب، لغة العنف والتدمير.
 
لماذا تأخر رد الفعل الغربي والأوروبي نحو التمدد الصيني اقتصادياً وتكنولوجيا وحتى عسكريا؟ بل لماذا يحاول الغرب أصلاً عرقلة هذا التمدد إذا كان يعرف زهد الصين وانعدام رغبتها فى قيادة العالَم، وأن هذا المفهوم السادى ليس من أهدافها ولم يكن هدفا لها على مدار التاريخ؟
 
فلتأتِ الصين وتنطلق ببضائعها شرقاً وغرباً، ما المانع؟
المانع الحقيقي للتمدد الصينى هو أن جوهر الفكر الرأسمالى هو الاحتكار وسحق المنافس، فلا يمكن القبول بقوة اقتصادية عملاقة تهز عرش الدولار واليورو.
 
أوروبا أصابها هلع جديد من حقيقة دامغة فرضت نفسها أثناء جائحة كورونا عندما كانت أوروبا غارقة لأذنيها فى مقاومة وباء حصد من الأرواح ما حصد وهدم من اقتصاديات الدول ما هدم. 
 
تلك الحقيقة هي أن خط الإمداد الوحيد الذى ظل يعمل أثناء الجائحة هو الخط الصيني!! وأن أوروبا فى لحظات الغرق والهلاك مضطرة حتماً لالتماس يد الصين تنتشلها من الغرق لا يد أمريكا! فالصين لديها أكبر قوة بشرية عاملة يدويا وآليا، ولديها القدرة على تصنيع وتوصيل أكبر قدر من البضائع لأية دولة فى أسرع وقت، وأن الشبكة التجارية العنكبوتية التي صاغتها الصين هي الوحيدة الفعالة فى أوقات الأزمة، بينما أوروبا وأمريكا انكفأ كلاهما على نفسه يداوي جراحه وآلامه!
 
إن أى قارئ لمستقبل السياسة العالمية لابد أنه سيرى حتمية النتيجة المتوقعة بين منافس تقليدي اعتاد أن يكسب جولاته بسحق أعدائه وإهلاكهم، ومنافس جديد لم يشغل نفسه بالتدمير بقدر ما صرف همه للبناء والتطوير.
 
لا ريب أن الصين قادمة بقوة، وقدومها بشير بتغيير عظيم فى مبادئ المنظومة الدولية.
 
التنين الآلى
 
أمريكا تخشى أمراً آخر وتحاربه بكل قوة: أن تسبقها الصين تكنولوجياً.. خاصة بعد فضيحة اكتشاف الاختراق السيبراني الواسع الذي تعرضت له أمريكا فى نهايات العام الماضي، واتضح أنه بفعل مجموعة تنتمي لجهاز المخابرات الصينى؛ وهو ما يعنى أن لدى الصين قدرات فنية وتقنية فاقت التكنولوجيا الأمريكية وتعدتها، بدليل عدم اكتشاف هذا الاختراق سوى بعد أشهر من حدوثه على نطاق واسع شمل عدة أجهزة أمنية ومالية راقية.
 
الرئيس بايدن ذاته فزع من نتائج التحقيقات التى ظهرت مؤخراً حول الحادثة، لدرجة أنه هدد الصين بحرب حقيقية لردعها وتحجيم تقدمها المخيف.
 
الصين اليوم لديها ناتج محلي يتجاوز 5 تريليونات دولار، وتصل تعاملات سوق الأسهم بها إلى 3 تريليونات دولار، ويزورها سنوياً نحو 50 مليون سائح، وهناك 4 من أصل 10 شركات عالمية الأكبر في العالم تنتمي للصين، والأهم من كل هذا أن معدل النمو بها يفوق أى دولة فى العالم حتى أمريكا نفسها، بما يعنى أنها ستصل يوماً إلى ما لم تصل إليه أية دولة أخرى خاصةً بعد اكتمال مشروعها الأكبر والأهم: طريق وحزام الحرير.
 
التنين إلى أين؟
 
قرأت خبرا بالأمس القريب أن الصين قررت هدم 15 برجاً اكتشفت عيوباً إنشائية بها. العجيب فى الخبر أن زمن الهدم لتلك الأبراج جميعها لم يتجاوز نصف دقيقة!!
 
إننى مهما حاولت القفز بخيالى عن حال الصين بعد 50 عاماً من الآن فلن أتجاوز ما تفعله الصين اليوم من أفاعيل أقرب للمعجزات: قطارات فائقة السرعة تخترق الجبال، أجيال متعاقبة من التطور السيبراني والتكنولوجى والفضائى تكاد تتحدى فى سرعتها وتفوقها أى منطق، ثم قدرتها المدهشة على احتواء وباء كورونا خلال شهور قليلة رغم أنها بلد المنشأ.. 
 
وما نلحظه اليوم من تسابق الدول وبخاصة دول وسط آسيا نحو تعميق العلاقات مع الصين فى شتى المجالات يعكس مدى ما صارت تتمتع به الصين من ثقل اقتصادى أدى لتنامى ثقة المستثمرين بها، فى الوقت الذى كفر فيه هؤلاء المستثمرون بطريقة الكاوبوى فى الاستثمار الذي يسطو ويسيطر ويدمر.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة