ثقافة وفنون

د. محمد فايز فرحات يضع شروطا لنجاح المشروع: «مبادرة الحزام والطريق» إعادة هيكلة للنظام العالمى

31-8-2021 | 23:52
د.محمد فايز فرحات
Advertisements
عزمى عبد الوهاب

طريق الحرير التاريخى تحول إلى جسر للتفاعل الثقافى والاجتماعى بين المجتمعات والحضارات

هناك مؤشرات عديدة على وجود إدراك سلبى للمبادرة من جانب عدد من القوى العالمية والإقليمية

يصطدم المشروع بمناطق نفوذ تقليدية: روسيا وأمريكا والهند

ضرورة تطوير دور صينى حقيقى فى مجالين: الأول هو الحرب على الإرهاب والثانى إعادة بناء الدول المنهارة

فى السابع من سبتمبر عام 2013، أعلن الرئيس الصينى “شى جين بينغ” فى إحدى الجامعات بكازخستان عن مشروع إنشاء “الحزام الاقتصادى لطريق الحرير”، لكن الفكرة لم تلق الاهتمام المطلوب، إلا عندما أعاد الرئيس الصينى طرحها أمام البرلمان الإندونيسى فى الشهر التالي، تحت عنوان “طريق الحرير البحرى للقرن الحادى والعشرين” بدءا من السواحل الشرقية للصين وانتهاء بالسواحل الأوروبية، ومرورا ببحر الصين الجنوبى، والمحيط الهندى، والبحرين الأحمر، والمتوسط.

بعد عامين أصدرت الخارجية الصينية وثيقة مشتركة مع التجارة الصينية، بعنوان “رؤية وخطط البناء المشترك للحزام الاقتصادى لطريق الحرير وطريق الحرير البحرى للقرن الحادى والعشرين” لتمثل أول وثيقة رسمية للحكومة الصينية حول ما عرف  إعلاميا بمبادرة “الحزام والطريق”.

و”الحزام والطريق المباراة الكبرى فى القرن الحادى والعشرين”، هو عنوان الكتاب الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، للدكتور محمد فايز فرحات، الذى يعود فى مفتتح الكتاب إلى لمحة تاريخية بخصوص “طريق الحرير التاريخي”، الذى ارتبط باكتشاف الصينيين صناعة الحرير سنة 3000 قبل الميلاد، الذى تحول بعدها إلى سلعة مهمة للتجارة مع باقى الأقاليم الآسيوية وشمال إفريقيا ووسط أوروبا، واتخذت هذه التجارة مسارات محددة، عرفت لاحقا باسم “طريق الحرير” نسبة إلى هيمنة هذه السلعة على العلاقات التجارية بين الصين وهذه الأقاليم، ومن ثم لم يكن طريق الحرير طريقا واحدا، بقدر ما كان على شبكة طرق.

وكما يوضح د. محمد فايز فرحات – مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية - فإن طريق الحرير لم يقتصر على كونه طريقا تجاريا، لكنه تحول إلى جسر للتفاعل الثقافى والاجتماعى بين المجتمعات والحضارات، التى وقعت على مسار الطريق، فانتقلت عبره الأديان، وانتقل عبره الورق، ما أدى إلى حدوث طفرة كبيرة فى الطباعة، وانتقلت عبره كذلك العديد من التقاليد الاقتصادية، مثل انتقال وانتشار نظام الرى والحرف اليدوية، فضلا عن انتشار اللغات المختلفة، التى اضطر التجار إلى تعلمها، لتسهيل تجارتهم.

يشير د. فايز فرحات إلى أن التجارة البحرية اكتسبت أهمية بالغة، داخل طريق الحرير، وتنامت لاحقا على حساب الطرق البرية، خصوصاً مع انتشار الحروب، فى قلب آسيا، ما أدى فى النهاية إلى انهيار طريق الحرير البري، ونظرا لاشتهار الطرق البحرية بتجارة التوابل، فقد عرفت أيضا باسم “طريق التوابل”.

يرى الكاتب أن فكرة المبادرة ترجع إلى بعض الأفكار الكبرى، التى طرحت من جانب بعض المفكرين الاقتصاديين الصينيين، عقب وقوع الأزمة المالية العالمية، التى ضربت الاقتصاد الأمريكى خلال عامى 2008 و2009 وسرعان ما انتقلت إلى الاقتصادات الأوروبية، وكان لها تأثيرها البالغ على حالة الاقتصاد العالمي، وذلك بهدف الخروج من هذه الأزمة.

أسئلة كثيرة تثيرها “مبادرة الحزام والطريق” بدءا من طبيعة المبادرة ذاتها والمداخل الأنسب لفهمها، فهل هى جزء من معالجة صينية للمشكلات التنموية الداخلية، وإعادة هيكلة ضرورية لمصادر لنمو الاقتصادى، أم أنها جزء من إستراتيجية لإدارة تحول الصين إلى قوة عالمية؟ وهل هى مجرد مبادرة بالمعنى الدقيق أم أنها عملية صينية مخططة، لإعادة هيكلة النظام العالمي؟ وما الأصول الفكرية للمبادرة؟ كما تظل التداعيات الإستراتيجية للمبادرة سؤالا مفتوحا فى حاجة إلى إجابات علمية، تستند إلى أدوات منهجية وأطر نظرية متكاملة.

يوضح د. فايز فرحات أن أكثر من سبع سنوات، مرت على طرح المبادرة بمكونيها البرى والبحري، لكنها لا تزال جزءا من عملية تفاعلية، ومن ثم فإن مستقبل المبادرة وتداعياتها الإستراتيجية سيظلان مرهونين – برغم النجاحات المتحققة حتى الآن – بالبيئات الإستراتيجية الدولية والإقليمية والمحلية فى الدول المرتبطة بها، وأنماط التفاعل معها من جانب الفاعلين الدوليين والمجتمعات المحلية، وهى أنماط لا تزال محكومة بإدراكات متباينة للصين، ولطبيعة المبادرة ولحسابات العوائد والتكاليف المترتبة عليها.

لكن ما العقبات التى تواجه مثل هذا المشروع؟ يرى الكاتب أن هناك مناطق نفوذ تقليدية، يصطدم بها المشروع أو المبادرة، فرغم التأكيدات الصينية المتكررة على الطابع الانفتاحى للمبادرة، وأنها ليست  إطارا لإدارة أية مواجهات أو صراعات دولية، أو أنها جزء من هذه الصراعات، وعدم سعيها إلى الصدام مع النظام الدولى القائم، فإن الأمر لا يعتمد على هذا الطرح أو الخطاب الصيني، بقدر ما يعتمد على إدراك الأطراف الدولية للمبادرة، وتداعياتها الإستراتيجية المحتملة، على التوازن الدولي.

يشير د. فايز فرحات إلى أن هناك مؤشرات عديدة على وجود إدراك سلبى للمبادرة، من جانب عدد من القوى العالمية والإقليمية، وبشكل عام تثير المبادرة احتمالات الصدام مع عدد من القوى العالمية، بسبب تقاطع المبادرة مع مناطق النفوذ التقليدية لهذه القوى، تحديدا هناك ثلاث قوى أساسية تثير المبادرة بالنسبة لهم تحديات مهمة، على خلفية ما تنطوى عليه من توسيع وتعميق لحجم النفوذ الصيني، داخل مناطق النفوذ التقليدية لهذه القوى.

القوة الأولى: هى روسيا وذلك على خلفية الوضع الخاص الذى توليه المبادرة لإقليم آسيا الوسطى، وربطها بالاقتصاد الصيني، وهى منطقة نفوذ تقليدى لروسيا، وتزداد أهمية هذه النقطة على خلفية العلاقات الملتبسة، التى يمكن أن تنشأ بين مبادرة الحزام والطريق من ناحية، ومنظمة شنغهاى للتعاون من ناحية أخرى، بخاصة أن الأخيرة تضم فى عضويتها – بالإضافة إلى روسيا والصين – عددا من دول وسط وجنوب آسيا، وبالتالى فإن عدم تحول مبادرة الحزام والطريق إلى موضوع للصدام بين الصين وروسيا، يمثل أحد الشروط المهمة لنجاح المبادرة.
القوة الثانية تتمثل فى الولايات المتحدة، وذلك على خلفية ما تنطوى عليه المبادرة من توسيع وتعميق النفوذ الصينى فى الاقتصاد العالمى والأقاليم الواقعة على مسار المبادرة، التى مثل بعضها ساحة رئيسية للنفوذ الأمريكى بخاصة منطقة آسيا – المحيط الهادي، وفى هذا الإطار رفضت الولايات المتحدة إنشاء البنك الآسيوى للاستثمار فى البنية التحتية، وحاولت فى هذا السياق إقناع حلفائها، بخاصة الأوروبيين، بعدم الانضمام إلى البنك، لكنها لم تنجح فى ذلك.

القوة الثالثة هى الهند، فرغم التنافس القائم بين الهند والصين، ووجود عدد من القضايا الخلافية بين البلدين (التنافس البحري، الدور الهندى فى إطار الإستراتيجية الأمريكية لاحتواء الصين، العلاقات المتنامية بين الصين وباكستان، فضلا عن المشكلات الحدودية) كانت الصين حريصة على دمج الهند ضمن مشروعات المبادرة سواء فى مكونها البرى (الممر الاقتصادى بنجلاديش – الصين – الهند – ميانمار) أم مكونها البحرى، لكن هذا لم يحل دون تنامى القلق الهندى من المبادرة، ولم تخف الحكومة  الهندية تحفظها على بعض مكونات المبادرة وممراتها.
وبرغم ما يجرى فى أفغانستان من أحداث، تؤدى إلى سيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات، فإن ربطها بالمبادرة كان يحظى بدعم كبير من جانب النخبة الأفغانية، حيث تطمح هذه النخبة للاستفادة من المبادرة الصينية، لتحقيق أهداف رئيسية، منها الهدف الأول: وهو استغلال الموقع الجغرافى لأفغانستان، لتحويلها من دولة حبيسة، ومسرح تاريخى للصراع إلى ساحة للتعاون الإقليمي، ومنطقة عبور بين إقليمين مهمين، أحدهما يتسم بوفرة مصادر الطاقة (وسط آسيا) بينما يعانى الآخر عجزا فى الطاقة (جنوب آسيا) وذلك من خلال الاندماج فى مشروعات الطاقة الإقليمية المطروحة للربط بين الإقليمين عبر أفغانستان، وتشمل هذه المشروعات مشروع نقل الغاز من تركمانستان إلى باكستان والهند عبر أفغانستان.

ومن ضمن الأهداف تحويل أفغانستان إلى منطقة عبور للتجارة الإقليمية وعبر الإقليمية، من خلال الارتباط بخطوط السكك الحديدية وطرق التجارة الدولية، فبالإضافة إلى التحاق أفغانستان بشبكة خطوط السكك الحديدية بين الصين ووسط آسيا فى إطار مبادرة الحزام والطريق، حرصت أفغانستان على الالتحاق بمشروعات اقتصادية أخرى.

ومن ضمن الأهداف أيضا تسريع عملية التنمية الاقتصادية، والاستغلال الاقتصادى الأمثل للاحتياطيات المتاحة من الموارد المعدنية، وهو طموح لن يتحقق بدون تنمية البنية التحتية الداخلية، بخاصة الربط بين المدن الرئيسية الأفغانية، وربط أفغانستان بالطرق الدولية، وهو ما يفسر حرص أفغانستان على الاندماج فى مشروعات طرق التجارة عبر الإقليمية، وقد سعت النخبة الأفغانية للترويج لقطاع التعدين، فى مختلف المؤتمرات الدولية والإقليمية، باعتباره أحد القطاعات الأساسية المرشحة، لجر عملية التنمية والنمو الاقتصادى فى أفغانستان.

يطرح د. محمد فايز فرحات فى خاتمة كتابه مجموعة من الشروط التى يراها ضرورية للتعامل مع التحديات التى تواجه المبادرة، لضمان عدم تحولها إلى موضوع للصراعات الدولية والإقليمية، من ناحية، ولضمان ارتباطها بتوزيع عادل للمكاسب والتكاليف من ناحية ثانية: الشرط الأول يتعلق بضرورة نشر قناعة قوية وواضحة لدى حكومات وشعوب الدول المعنية بالمبادرة فى مختلف الأقاليم بأنها لن تنتهى عمليا إلى الهيمنة الصينية على اقتصادات هذه الدول.

يتعلق الشرط الثانى بضرورة تطوير فهم مشترك حول طبيعة المبادرة ومشروعاتها وآليات تنفيذها والتكاليف والمكاسب المتوقعة من هذه المشروعات، وتأتى أهمية تطوير هذا الفهم، أنه يسهم فى تحويل المبادرة من كونها “مبادرة صينية” إلى “مشروع دولى عبر إقليمي” وهو شرط ربما يكون ضروريا لتفاعل أكبر عدد ممكن من الدول والأقاليم الواقعة على مسار المبادرة، والقضاء على أى إدراكات  سلبية للمبادرة والأهداف الصينية من ورائها.

يتعلق الشرط الثالث بضرورة تعزيز الملكية المشتركة للمبادرة، فقد شهدت السنوات السبع الماضية، والسنوات الأولى من إعلان المبادرة بشكل خاص، إصدار الحكومة الصينية عددا من الوثائق المهمة، لكن هذه الوثائق مع أهميتها، لا تزال تصدر بشكل صينى أحادى الجانب، ولا تعبر عن رؤية جماعية للمبادرة، بقدر ما تعبر عن وجهة نظر صينية، الأمر الذى يشير إلى أنه لا تزال هناك حاجة ماسة إلى تطوير وثيقة، تعبر عن رؤية جماعية للمبادرة، تقوم على مشاركة أكبر عدد ممكن من الدول الواقعة على مسارها، وتعبر عن أهداف المبادرة ومراحل وآليات تطبيقها.

يتعلق الشرط الرابع بضرورة تطوير دور صينى حقيقى فى مجالين مهمين، الأول هو الحرب على الإرهاب، والثانى هو مجال إعادة بناء الدول المأزومة والمنهارة، والدول الفاشلة والهشة الواقعة على مسار المبادرة، والشرط الخامس يتعلق بضرورة بدء حوار صريح بين الصين والدول المعنية بالمبادرة، حول عدد من القضايا المهمة تشمل التداعيات الإستراتيجية للمبادرة بشكل عام، وحجم وطبيعة هذه التداعيات بالنسبة لدول محددة، من المتوقع أن تتأثر سلبا بالمبادرة أكثر من غيرها.

 

نقلاً عن الأهرام العربي
اقرأ أيضًا:
Advertisements
الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة