عرب وعالم

سيطرة طالبان على الحكم تشجع تنظيمات «ما دون الدولة» للسعي للاستحواذ على مقدرات «الدول الرخوة»

30-8-2021 | 21:48
سيطرة طالبان على الحكم تشجع تنظيمات ;ما دون الدولة; للسعي للاستحواذ على مقدرات ;الدول الرخوة;طالبان - أرشيفية
Advertisements
د. أيمن سمير

أفغانستان.. نظرة إلى المجهول

الحرب الأهلية والصراع العرقى واحتضان الجماعات الإرهابية أبرز السيناريوهات

إذا كان الرئيس بايدن و17 جهاز مخابرات أمريكية، لم يتوقعوا سقوط أفغانستان فى يد طالبان خلال 11 يوماً فقط، فإن من الصعب على أحد التنبؤ بالسيناريو الذى ستكون عليه بلاد تورا بورا خلال الفترة المقبلة، لكن تحليل عناصر البيئة السياسية والأمنية فى أفغانستان يقود إلى سلسلة من السيناريوهات التى يمكن أن تشكل مستقبل أفغانستان.

تقوم هذه السيناريوهات على مجموعة من المشاهد وهى:

أولاً: «تنظيمات ما دون الدولة»، وهو ما يعنى أن سيطرة طالبان التى كانت فى أفضل الأحوال تضم 50 ألفا فى مقابل 300 ألف جندى أفغانى حصلوا على أعلى التدريب، وأفضل أنواع السلاح، يقول إن الحركات والتنظيمات والميليشيات «ما دون الدولة»، سوف تطمع خلال الفترة المقبلة فى السيطرة على مقدرات الدول، وأن طالبان نفسها قد تعانى من هذا السيناريو عندما تنشق قوة عرقية أو دينية أشد تطرفاً عن الحركة، وتحاول السيطرة على أفغانستان من حركة طالبان نفسها، لأن تلك التنظيمات سيكون لسان حالها، لماذا لا نقوم بما قامت به طالبان؟ خصوصا أنه يستحيل أن تحصل طالبان على دعم خارجى، كما حصلت الحكومات الأفغانية طوال العقدين الماضيين، وهذا السيناريو مفتوح أيضاً فى الدول التى تعانى «رخاوة أمنية» فى بعض مناطقها، مثل شمال شرق سوريا أو شمال غرب العراق أو منطقة الساحل والصحراء.

ثانياً: سيناريو الحرب الأهلية، ويعتمد هذا السيناريو على مجموعة من المرتكزات منها: أن هناك كميات هائلة من السلاح تعمدت الولايات المتحدة تركها للفصائل الأفغانية استعدادا للمعركة المقبلة، فالولايات المتحدة سحبت السلاح من أكراد سوريا بعد انتهاء داعش ومعركة الباغوز، ونقلت السلاح الثقيل والمتوسط لقواعدها فى العراق، لكن فى الحالة الأفغانية يتم إخراج المشهد وكأن الولايات المتحدة فى عجلة من أمرها، وبالتالى لا يوجد سحب للسلاح الذى أنفقت عليه واشنطن ما يقرب من تريليون دولار، والآن حسب البنتاجون الأمريكى هناك أكثر من 150 طائرة حربية، وأكثر من 750 مروحية عسكرية يطالب الخبراء العسكريون الأمريكيون بتدميرها، قبل أن تستخدمها طالبان.

 يزيد من فرص هذا السيناريو الخلافات العرقية بين المكونات الأفغانية والخوف من سيطرة البشتون الذين يمثلون 42% من السكان على مستقبل البلاد، وقد هيمنت هذه المجموعة التى تتحدث لغة البشتو على المؤسسات السياسية الأفغانية منذ القرن الـ 18، ويؤكد العديد من قادة البشتون على «الأحقية فى حكم» أفغانستان، مما أثار غضب المجموعات الإثنية الأخرى، وحركة طالبان التى سيطرت على أفغانستان للمرة الثانية بعد فترة حكمها الممتدة من عام 1996 إلى 2001، هى جماعة بشتونية بالكامل، حتى أن الرئيسين فى ظل الحكومات السابقة المدعومة أمريكًا وهما حامد كرزاى وأشرف غنى من البشتون، ولا تزال هيمنة البشتون المتمركزين جنوب البلاد وشرقها تثير استياء العرقيات الأخرى ، بينما يأتى الطاجيك فى المرتبة الثانية بحوالى 25%، ويستخدم الطاجيك لهجة من اللغة الفارسية يطلق عليها «دارى»، ويعيش الطاجيك بشكل رئيسى فى شمال وغرب البلاد،  ولديها معاقل فى وادى بنجشير ومدينة هرات وبعض الولايات الشمالية، ويشتهر وادى بنجشير بمقاومته الاحتلال السوفياتى فى الثمانينات، وأفرز الطاجيك عدداً من الزعماء فى مقدمتهم القائد الراحل أحمد شاه مسعود الذى يلقب بــ«أسد بنجشير» وحارب الجيش الأحمر السوفيتى و«طالبان»، بالإضافة إلى برهان الدين ربانى، وهو طاجيكى من ولاية بدخشان شمال البلاد، وتولى الرئاسة بين عامى 1992 و1996 قبل سقوط كابول فى أيدى «طالبان»، بالإضافة إلى الرئيس التنفيذى السابق ومفاوض السلام الرئيس عن النظام الأفغانى السابق عبدالله عبدالله فهو مختلط الإثنية، بشتونى - طاجيكى، لكن ينظر إليه على نطاق واسع على أنه طاجيكى، وتشكل أقلية الهزارة 10% من الشعب الأفغانى، ويتركز هؤلاء بشكل رئيسى فى وسط البلاد، ونفذت طالبان والقاعدة مذابح بحق الهزارة طوال السنوات الماضية، بينما يشكل الأوزبيك 10% أيضاً من السكان، ويتمركزون بشكل رئيسى شمال البلاد وقرب الحدود مع أوزبكستان، ومن بين أشهر الأوزبك الأفغان المشير عبدالرشيد دوستم الذى حارب مع السوفيت قبل أن يغير ولاءه ويؤسس معقله الخاص فى مدينة مزار شريف شمال البلاد، وكان شخصية بارزة فى التحالف الشمالى الذى ساعد فى إنهاء حكم «طالبان» بعد الغزو الأمريكى عام 2001، لينضم لاحقاً إلى الرئيس غنى كنائب أول للرئيس، لكنه خرج إلى أوزبكستان عندما سقطت مزار شريف فى يد «طالبان»، وهناك أقليات أخرى تتراوح ما بين 50 ألفا إلى 400 ألف بمن فيهم العرب، وكل هذه الفسيفساء تشكل بيئة حاضنة وجاهزة للحرب الأهلية، حيث اعترف الدستور الأفغانى عام 2004 بأكثر من 12 مجموعة إثنية إضافة إلى المجموعات الأربع الكبرى، وتم أيضاً إدراج شعوب إيماق البدوية والتركمان والبلوش، كما يوجد شعب النورستانيين شمال شرقى أفغانستان.

 المختلفون مع طالبان فكرياً، وهؤلاء عاشوا حياة مختلفة عن الحياة التى فرضتها طالبان فى الفترة من 1996 حتى 2001، وهؤلاء بكل ما يشكلونه من أفكار تقدمية وليبرالية ومؤيدة لحقوق النساء والمجتمع المدنى سيكون من الصعب على الجميع المغادرة أو التأقلم مع طالبان، ولهذا احتمال اصطفاف هؤلاء مع معارضى طالبان كبير للغاية.

ثالثاً: ملاذ آمن للإرهاب، ويقوم هذا السيناريو على أن طالبان سوف تخشى المغامرة والتخلى عن أفكارها، لأن التخلى عن أفكارها سيعطى الفرصة لتنظيم جديد أكثر تشدداً يسحب البساط من تحت أقدامها، ولهذا الاحتمال الأكبر أن تحافظ طالبان على أيديولوجيتها من أجل الحفاظ على قاعدتها الشعبية، وهنا ستكون أفغانستان ملجأ وملاذا آمنا لكل التنظيمات الإرهابية، وهو احتمال تحدث عنه بوضوح البنتاجون الأمريكى ومستشار الأمن القومى الأمريكى جيك سوليفان.

رابعاً: نهاية الغطاء الأمريكى، لأن ما حدث فى أفغانستان أوصل رسالة للبعض بأن الغطاء الأمريكى السياسى والأمنى غير كافٍ لحماية أى حكومة ضعيفة أو رخوة فى أى منطقة فى العالم، ولهذا تدور مثلاً معركة على وسائل التواصل الاجتماعى تقول إن الصين يمكن أن تهاجم وتجتاح «تايوان» وتسيطر عليها بالقوة، لأن الولايات المتحدة المنسحبة من أفغانستان، والمنكفئة على ذاتها، لن تدخل حرب ضد الصين من أجل الحفاظ على تايوان.

قد تحدث كل هذه السيناريوهات أو لا تحدث، وقد تحدث هى أو غيرها لأن بالفعل المشهد ضبابى، واتفاقيات الغرف المغلقة لم تخرج إلى النور بعد، وهو ما يؤكد أننا أمام مشهد متحرك وليس ثابتا، وأن الرمال الأفغانية المتحركة لم تستقر بعد.

نقلاً عن الأهرام العربي
اقرأ أيضًا:
Advertisements
الأكثر قراءة

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة