راديو الاهرام

مهدي مصطفى يكتب: شاهدوا الفيلم.. لا تذهبوا بعيدا

31-8-2021 | 01:33

وسائل الإعلام العالمية غارقة فى تفاصيل أفغانستان،  صحفيو الأخبار يبحثون عن انفراد، كاتبو الأعمدة  يفتشون عن معلومة غامضة، محللو مراكز الدراسات يتنبأون  باليوم التالى، اسم أفغانستان الأول فى وكالات الأنباء، ومفردة طالبان تتردد ملايين المرات على الألسنة، منذ الخامس عشر من  أغسطس 2021، والجماهير تسبح فى التاريخ والجغرافيا الأفغانية، وهو المطلوب أن يحدث من فيلم الأب الروحى الجديد، الأعظم من ثلاثية مارلون براندو، وروبرت دى نيرو، وآل باتشينو.

«الأب الروحى» الفيلم استند إلى وقائع حقيقية جرت فى أوائل القرن العشرين، وقائع عصابات المافيا، والعائلات، التى تحكمت فى الشارع الأمريكى على مدى عقود، والأب الروحى الجديد فى أوائل القرن الحادى والعشرين يستند أيضا إلى وقائع حقيقية، الفرق بين الفيلمين أن الثانى يتم تمثيله  ومشاهدته على المكشوف، ولا ينتهى بهزيمة العصابات، كما فى الفيلم الأول، بل يقوم بتمثيل مشاهد يشارك فيها الجمهور دون أن يدرى، ويشكل مظلة هائلة كمظلة عش الغراب الذى تخلفه القنبلة الذرية.

سماء العالم الإعلامية والإعلانية تغطيها سحابة المشروم الأفغانية، تبدو غير قاتلة كسحابة القنبلة النووية، لكنها تقوم بفعل آخر، وهو عملية إلهاء كاملة، أو عملية خداع بصرى شامل، ينشغل الناس بما يجرى فى تلك البلاد التى تبدأ وتنتهى فيها لعبة الموت، فى ذلك الوقت يقوم الآباء الروحيون الجدد بترتيب أوضاعهم للانقضاض على ما لم يستطيعوا فعله فى المرات الماضية.
إذن، غيمة المشروم الأفغانية هى بعالم فيلم محامى الشيطان، ويا لها من مصادفة، فإن هذا الفيلم مثله باقتدار آل باتشينو، وفيه يقوم بأفعال رهيبة  ومميتة بعيدا عن المكان الذى يقف فيه، فلا يمكن اتهامه بارتكاب جريمة هو لا يكون حاضرا أثناء ارتكابها.

لنتأمل ما تنشره الصحافة العالمية، بخاصة البريطانية والأمريكية، فالأولى تشبه ما جرى من انسحاب قواتها على (عجل) بالنكسة، وتكتب إنها  نكسة بريطانية أفظع من نكسة السويس، تقصد انسحاب بريطانيا دون تحقيق أهدافها، وهزيمتها فى العدوان الثلاثى عام 56، وانتصار قرار مصر بتأميم قناة السويس كشركة مصرية خالصة، أما الثانية الأمريكية، وكانت قد حشدت سيوفها ضد دونالد ترامب لصالح جو بايدن، فإن كتابها ومحلليها وكاتبى أخبارها وتقاريرها، شمروا عن سواعدهم الفكرية، وهاجموا فكرة الانسحاب” المفاجئ”! كأنهم لم يشاهدوا أو يتابعوا حوار الدوحة ما بين الإدارة الأمريكية وحركة طالبان، وفيها أعضاء مطلوبون، وعلى لائحة الإرهاب الأمريكية، وهناك مكافأة لمن يدل أو يقبض عليهم، وبعضهم كان سجيناً فى جوانتانامو!

فيلم الأب الروحى الجديد، تأليف وإخراج عقول تفكر خارج الصندوق، عقول خطيرة تعمل على تجهيز عالم جديد، تسوده حروب صغيرة، تعمل على تقويض الأمم والشعوب، تمهيدا لوقت معلوم، تتداعى فيه جحافل الأب الروحى الجديد،  فى تجربة تتلافى أخطاء الماضى من وجهة نظرهم، وتقيم فى مستعمراتها القديمة إقامة، دائمة، كانت قد استعصت عليها خلال القرنين الماضيين، فرغم  نجاحها الواضح فى تعجيز هذه المستعمرات، اجتماعيا، وثقافيا، وفكريا، واقتصاديا، وسياسيا، فإنها عجزت عن إذابتها فى قالب، كانت قد جهزته سابقا، وترى الفرصة مواتية الآن، لعاصفة فوضى جديدة، لا تشارك فيها مباشرة، تخرج منها كل الأطراف خاسرة، فيتم تمهيد الطريق للإقامة المريحة تحت غيمة الفطر الأفغانية الشبيهة بغيمة القصف النووى.

يقال إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ويجب ألا نلدغ مرة أخرى.

 

نقلاً عن الأهرام العربي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة