راديو الاهرام

د. شيرين الملواني تكتب: على عَتَبة نجع بريطانيا العُظمى!

29-8-2021 | 17:07

كثيرًا ما تساءلت كَونى أستاذة للأدب ومُترجِمة عن جدوى غزارة الإنتاج الأدبي، وخاصة الروائي في مصر وما هي معايير بقاء ذلك الإنتاج لسنوات قادمة؟ وتوصلت لكون البقاء للنُدْرةِ منه؛ أي لمن يحمل شيئًا مُختلفًا يُخاطب به المستقبل، وهذا ما لمسته في رواية (نجع بريطانيا العُظمى) للأديب المستشار (حسام العادلى)؛ لكونها  رواية (التيمة) أى -THÉME- بالفرنسية؛ بمعنى رواية يمكن استحضارها في كل زمان ومكان بشخوصها - حيث يُعَد كل بطل من أبطالها تيمة ورواية مُنفردة - وأحداثها التي يمكن تطبيقها على الحاضر وعلى المُستقبل البعيد دون النظر لتاريخ إصدارها؟! وهو ما تحقق سلفًا في (حرافيش) محفوظ وفي (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح وبالتأكيد في (بؤساء) فيكتور هوجو التي  تُخاطب الواقع في ٢٠٢١!.

يَكمُن إبداع تلك الرواية رغم صغر حجمها وتسارع أحداثها ما بين بدايات القرن الماضى وحتى تأميم قناة السويس عام ١٩٥٦ أنك لا تستطيع تصنيفها بالرواية التاريخية؛ حيث تخرج من إطار التصنيف الزمنى والمكانى، فنجد نموذج العُمدة الباطش (الحاضر ليومنا هذا) صاحب السُلطة على النجع بالجبْاية والسُخرة وفي نفس الوقت هو المُتلون الخانْع أمام رموز الاحتلال الإنجليزي من أجل نوال الرضا والمنفعة الخاصة، نجد أهل النجع يتمنون موته وعلى الرغم من ذلك يأتي مشهد موته صادمًا لهم؛ بل شيعوه لمثواه الأخير في حالة من الذهول والخوف من فقدان سطوة ربهم الأعلى رافضين زوال قاهرهم وهي مُتلازمة واقعية حاضرة!

ونأتي لنسله الذي لا يتساوى في قوته من بعده فنجد (حسانين) الذي ورث البطش من أبيه وساقه بطشه لارتكاب فعل إجرامي استلزم نزوحه هاربًا إلى القاهرة؛ حيث نأتي لأزمة الهوية والتي تتجسد حولنا ليومنا هذا من خلال هجرة الريف للحضر واستسلام الوافد لمُغريات العاصمة وتشبهه بأفنديتها مظهريًا من ملبس وداخليًا بتناسي عاداته وتقاليده؛ بل باستحلال ما يندرج تحت تصنيف الفُحش في نجعه، ويتبعه أبن أخيه (زين) الذي ازدانت المدينة له؛ حيث نجحت رفاهيتها في طمس كل خشْن لديه من تقاليد وموروثات صعيدية، ولا نجد في العمودية سوى شقيقه العمدة (حسن) الضعيف والذي صادف الحُقبة الأصعب ألا وهي ثورة 23 يوليو 1952؛ حيث مكنْت الثورة الفلاحين المحرومين من حقوقهم وعلت الأصوات لتنال من شخص العُمدة فيما أشبه بتبعات أى ثورة حين يجترئ الجميع على أي رمز ينتمي للعهد السابق، ولا تهدأ سريرة الثوار ومن اتبعوهم إلا بالتنكيل بكل ما سبق، وهو ما تجسد حيًا في مشهد الإتيان بعصا العمدة (السيد) وهى مُهشمة من الخرْارة! وتسليمها للعمدة (حسن) رمز العهد البائد الذي ينتظر زوال غُمْة الثورة في أحلامه كشأن أي نظام تم خلعه ينتظر تصدره للمشهد مع كل طلعة نهار!

ويظهر في الرواية الشيخ المُسيسْ (أبو الجود) موظفًا حُجته الدينية من أجل السيطرة على النجع بعدما فشل في مسيرته السياسية في القاهرة، وهو ما رأيناه في سنواتنا الأخيرة من ظهور الكثير من الشيوخ المُتلونين الذين اعتلوا المنابر من أجل طموحهم السياسي ولا يتورع الشيخ المُرائي منهم عن تغيير رأيه وفتواه ليتماشى مع الأهواء؛ بل إنه عندما عاد للنجع وفوجئ بجهل أهله بشخصه شحن  قوته لتصدر المشهد من مدخل الفتاوى لإزاحة العمدة (السيد) بغسل الأدمغة؛ مُتدثْرًا بعبائتهِ الأزهرية ونجح في كسب التعاطف في مشهدية مقتله فقط، على الرغم من  تنحيته حيًا جانبًا عند ظهور القُبة الخضراء ومقام (سيدنا الطشطوشي) صاحب الكرامات دون تحقق أهل النجع من هوية المدفون داخل المقام ولا ماضيه، فلا أحد يبحث ليومنا هذا عند السعي خلف الأضرحة المجهولة مع تمجيد الدجالين والمشعوذين والسعي إليهم بالقرابين وهو موروث شعبي رسخْت فكرته ضد تعاليم رجال الدين، فنجد النجع ليومنا هذا ينتفض لمحاولة هدم مقام أو نقله ولا ينتفض لجريمة أغتصاب أو زنا أو قتل تمت على أرضه؛ حيث التبْرك بالجهل وعزل الدين والعلم ولم يهب أهل النجع أعداء كانوا أو حلفاء سوى في وجه مياه الفيضان مُتضرعين للطشطوشي عدم تركهم ولم يتضرعوا للخالق! 

ويندرج هذا الفكر تحت نداء تجديد الخطاب الديني الذي أطلقته القيادة وتسعى المؤسسات المعنْية لتولي تغيير معتقدات وموروثات بائدة أخذت الكثير من الدين الحقْ.

ونأتي للنجع البريطاني العفْن! والذي بأرباب السوابق فيه؛ يمثلهم (الضابط المُحتَل هاريس) وزوجته الخائنة (ماري) بمعتقداتها الدينية والأخلاقية المختلفة عن كنيستها وابنته (كارمن) مجهولة النسب بحبها للضابط المصري (أنور صديق)؛ حيث تلاعب الهوى و الهوية به؛ بين حبه للإنجليزية وأصله الصعيدي وولائه لوطنه المُحتَل، فتأرجح ولم تتضح بوصلته حتى بعد قراره بالانفصال عنها بعد حرب 1948.

لا أتحيز إذا قلت إنها رواية كل العصور التي تُجسد البطش والتلون والثورة وتبعاتها في كل زمان ومكان، رواية الهوية وكيفية صمودها أمام مُغريات البيئة الجديدة، رواية كاشفة لمُحتَل مُتغطرس كُسرِت أنفه مرات بصدمة مواجهته بدياثته ونسب ابنة ليست من صلبه حتى أُقعَد واضطر أن يبيع ثروته لمن كانوا أشباه عبيد عنده، وهو ما يعبر عن تسلسل حال المُستعمِر بعنفوانه، ثم ضعفه وتلاشيه عند مُغادرته أي بلد مُحتَل، هي رواية لابد من ترجمتها للغات أوروبية لحياديتها في عرض تلك الحقبة التاريخية التي يتراشق فيها الجميع ليومنا هذا بين مُؤيد ومُعارض؛ فلم يقع الكاتب فى فخ التصنيف ولم يُحسَب على تيار، فأصداء هذه الرواية يعكُف الغرب المُثقف على أمثالها تحليلاً ودراسة ويُمجد سلاسة السرد واللغة فيها ويصفق لمشهديتها السينمائية دون مبالغة؛ حيث تلاعب الكاتب بالأجيال وبحضورهم الروائي دون تشتت للقارئ.

تحية لهذا القلم الذي احترم كل العقول في زمن الإسهاب بلا منفعة ولا مردود!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. شيرين الملواني تكتب: "نداء لصيادلة مصر"

بحت أصواتنا كصيادلة أصحاب ضمير؛ ننادي زملاء المهنة بعدم تشغيل دخلائها، وعدم الاعتماد عليهم في صرف الدواء والتحكم في جرعاته، وتنحيتهم تمامًا من مشهد مواجهة

د. شيرين الملواني تكتب: "نظرة على الانتخابات الفرنسية"

منافسة قوية ومواجهة ساخنة بين إيمانويل ماكرون ومنافسته في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية الفرنسية مارين لوبان ، اتخذت المواجهة طابعًا إعلاميًا قويًا

د. شيرين الملواني تكتب: بيع أم تمكين أم شراكة!

وصل لمسامعنا نوفمبر الماضي أطروحة شراكة القطاع الخاص مع القطاع العام؛ من خلال مجموعة من الآليات المُقترحة؛ لتمكين القطاع الخاص بالتوازي مع إعادة هيكلة

د. شيرين الملواني تكتب: "أقسى من جائحة كورونا"

بالأدلة والأرقام وصلت أزمة التضخم ذروتها عالميًا (الأسوأ منذ عام ٢٠٠٨) مسببة أضرارًا كبيرة على الأسر في جميع أنحاء العالم كنتيجة لاضطراب سلاسل الإمداد،

د. شيرين الملواني تكتب: "مدارس التكنولوجيا"

لن يتغير الموروث الفكري والمجتمعي البائد المُنصب على تبجيل المؤهلات العليا، والتهافت على كليات القمة وغيرها، حتى وإن لَفظت عاطلًا عالة على الوطن مُكبدًا الدولة خسائر اقتصادية

الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة