راديو الاهرام

د. حاتم عبدالمنعم أحمد يكتب: الفن والمجتمع والطبقة الوسطى

29-8-2021 | 09:13

يحاول بعض الفنانين المعاصرين من وقت لآخر إثارة الرأي العام بقضية تجذب وتشد الانتباه لكي يتردد اسمه في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة وآخرها ادعاء حصول أحد الفنانين على الدكتوراه الفخرية من إحدى الجامعات الخارجية، وقبلها التصوير مع أحد الفنانين لدولة معادية، وفي كل مرة كان ذلك سببًا لتركيز انتباه مختلف وسائل الإعلام على هذا الشخص وعلى تصرفاته.

وأعتقد أنه نجح بامتياز في جذب الانتباه حوله وأصبح موضوعًا أساسيًا في مختلف وسائل الإعلام حتى لو كان التناول في معظمه بشكل سلبي، وبغض النظر عن مدى صحة حصوله على شهادة الدكتوراه الفخرية من عدمه فإن القضية أكبر من هذا؛ لأن الفن في النهاية هو مرآة لواقع المجتمع يعكس الواقع الموجود في الحياة؛ فالفن نتيجة وليس سببًا لأن الفنان إنسان حساس يشعر بمن حوله، ثم يقوم بنقل ذلك للمجتمع فكل مجتمع يصنع فنه وتراثه.
 
ومن هنا إذا كان البعض يشعر بتراجع الفن وهبوطه فالمشكلة جذورها في المجتمع نفسه وليس في الفنان؛ لأن الفنان مجرد مرايا نقلت واقع المجتمع، ومن ثم فتوجيه اللوم أو إلقاء مسئولية هبوط أو تراجع المستوى الفني على الفنان تعني التركيز على النتيجة وليس السبب، فهي ليست مسئولية الفنان بالدرجة الأولى؛ بل هي مسئولية المجتمع في المقام الأول قبل الفنان.
 
وبالطبع هناك في بعض الأحيان قلة من الفنانين تسعى لقيادة المجتمع وتنويره من خلال الفن، ولكن هؤلاء للأسف قلة، ونجاحهم ووجودهم يرتبط بنهضة اجتماعية وثقافية في مجتمعهم، وتقدم المجتمع ونهوضه يعتمد بشكل أساسي على أوضاع الطبقة الوسطى بشكل أساسي؛ لأنها أساس قوة المجتمع وقوة الدولة بوجه عام؛ وهي تتكون بوجه عام من كل خريجي الجامعات؛ كليات الطب والهندسة والعلوم والتربية والتجارة والآداب والشرطة والكليات العسكرية وغيرها، بجانب صغار التجار، وهذه الطبقة هي التي تقوم بنهضة المجتمع وتقدمه أو العكس، وهي الطبقة المفروض أنها الأكبر حجمًا واتساعًا في المجتمع وهي التي تشكل وجدان وثقافة المجتمع وقيمه في الغالب؛ مما ينعكس على الفن والفنانين؛ لأنها مفترض أنها الجمهور الرئيسي للفنان الذي يفترض أنه يسعى لكسب رضاها.
 
ولكن مع تراجع الطبقة الوسطى التي هي على درجة من التعليم والثقافة، والي كان يفترض أن تكون على مستوى مادي متوسط يسمح لها بالترفيه ومتابعة الفن والأعمال الفنية المختلفة؛ ولذلك يعمل من أجلها معظم الفنانين ويعبرون عنها، ولكن للأسف فإن الطبقة الوسطى في العقود الخمسة الأخيرة تتعرض لمزيد من الضغوط المادية؛ مما جعلها تتراجع بشدة بجانب أنها تتحمل العبء الأكبر من عمليات الإصلاح الاقتصادي، وأصبحت مهمومة ومحاصرة بمشاكلها الاقتصادية، ومشكلات تعليم الأبناء.. وغيرها من ضغوط الحياة، فتراجع اهتمامها بالفن وقضاياه، وهمشت إلى حد كبير؛ مما انعكس على الأعمال الفنية بوجه عام.

في الوقت نفسه صعدت مجموعات أخرى من المجتمع تملك المال ولا تملك العلم والثقافة، ومثلت هذه الفئة قطاعًا كبيرًا نسبيا من متابعي الفن والفنانين.
 
ومن هنا تدهور الفن وهو إنذار مهم بتردي أوضاع الطبقة الوسطى؛ لأن تراجع وانهيار الطبقة الوسطى يعنى تراجع مستوى الطبيب والمهندس والمحاسب والمحامي ورجل الأمن وخلافه؛ بل إن تراجعهم وزيادة مشاكلهم وأعبائهم المادية يساعد على انتشار الفساد والدروس الخصوصية والرشاوى وخلافه؛ مما يهدد بتراجع المجتمع بأكمله في كافة أو معظم القطاعات.
 
ومن هنا تأتي أهمية سرعة دراسة أوضاع ومشكلات الطبقة الوسطى للعمل على وضع إستراتيجية قومية للمواجهة، وهذا قد يستدعي مؤتمرًا قوميًا للخبراء لمناقشة مشكلات وتحديات الطبقة الوسطى في الحاضر والمستقبل؛ لأنها الركن الأساسي لأي نهضة أو تنمية مستدامة متواصلة، بإذن الله.. والله الموفق..

كلمات البحث
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة