آراء

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (1-3)

29-8-2021 | 07:24
Advertisements

نظرة (1):

العين.. وما أدراك ما العين.. سبحان الذي أحسن كل شيء خلقه صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.. بلى.. حسب العين أنها آية من آيات الله.. إذن فلا أقسم بالعين، بإبصارها وأسرارها.. بسذاجتها ودهائها.. بطيبتها ومكرها.. بخيرها وشرها.. بنورها ونارها.. بنظرتها الأولى التي هي لك، والثانية التي هي عليك، وما أكثر ما علينا من جراء الأخيرة..!..

ولا أقسم أيضًا بدموعها الصادقة الصادرة من لغة الأعماق البعيدة، ودموعها التي تغالب دموع التماسيح تمثيلا ومخادعة.. بإحورارها الساحر.. واحمرارها الفاتن.. واصفرارها الحاسد.. وشررها الحاقد.. وأقسم بكمية المفارقات والمتناقضات.. وبنوعية الثنائيات والزوجيات... في تلك العيون التي فيها ولها وعليها..!. 

انسالت علىّ الخطرات، المعقول منها واللامعقول، المشهود منها والغيبي، البدائي منها والعصري، الرؤية منها والرؤيا.. وأنا أسلم عينيّ إلى الطبيب، كيف أسلمت لك عينيّ وفي طرفها: صحافة وسياسة.. وفكر وثقافة.. وإعلام حقيقي - صار الآن «أضغاث إعلام» إلا قليلا - وفي طرفها أيضًا قلم وألم وأمل.. وعذاب وعذوبة تتغشاني منذ ستة عقود أو يزيد - وكل عقد عشته مضاعف - وفيها أوجاع محتلة أكبر مساحة من العمر، وأوضاع مختلة في عالم تبدو متغيراته أكثر من ثوابته، وشره يغتال خيره أو يحاول ولا يمل..

ولقد رأت عيناي الكثير والمثير، المرعب والمفرح، المؤنس والموحش، والمخبوء أكثر من المكشوف، وما وراء الأقنعة أخطر من الأقنعة، ومن كثرة الاتصاق كم تتفتت وجوه أصحابها.. وهم يعلمون ويزعمون أنهم لا يشعرون..!. 

نظرة (2):
الله معك أيها الطبيب.. عسى أن يلهمك أن توقف هذا النزيف الذي تفجر من أوعية العين الدموية بعد طول مجاهدة في الكتمان، ولم تعد تحتمل، إذ لابد للمكبوت من فيضان.. رغم تقدم الطب وتطور العلم وقدرته على النفاذ لمصدر الألم، إلا أن ما وراء سطح العين من مخزون فكري يحتاج عمليات تنقيب أكثر من التنقيب عن النفط في صحراء متوحشة... ففي القاع كتل سردية من العذاب والعذوبة، وإشكاليات أكثر منها مشاكل، فالأولى معقدة جدًا والثانية قد يسهل حلها..

أعانك الله أيها الطبيب وأنت تسلك طريقك في مدينة العيون بدروبها وسواحلها وبحورها وحورها.. فأنت المعالج، لكن الشافي هو الله، ولعل من أجمل أدبيات خليل الله سيدنا إبراهيم، أنه أرجع كل خير إلى الله، لكنه نسب المرض إلى نفسه {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} (سورة الشعراء: 78،79، 81).. أرأيتم أدب الخليل مع ربه، ولنا القدوة الحسنة فيه، وفي أولى الناس به سيدنا محمد "صلى الله عليه وملائكته".

 نظرة (3):  
في سلام نسبي.. وفي استسلام على مضض تام.. أتلقى ضربات الليزر ولكماته.. وكأن الليزر مصارع متوحش، مع طرف لا حول له ولا قوة، مكتوف الأيدي، أين سوط لسان صاحبه الذي لا يتوقف.. وسوط الله لا صوت له..! نعم خلق الإنسان ضعيفا..    
أتلقى ضربات الليزر، ومع كل ضربة أتذكر نظرة.. وأستدعي وخزة..  وأستعيد نزغة.. وأسترجع مشاهدة.. وأرى ومضة... وأمارس بالفكر كل أفعال الرؤية: أرى.. أشاهد.. أنظر.. أحدق.. أرنو.. أرمق..! 

تخبرنا لغة العلم، طبقا لتأكيد الدكتور أحمد لبيب «أن الليزر أو تضخيم الضوء بالانبعاث المحفز للإشعاع (بالإنجليزية: Light Amplification by Stimulated Emission of Radiation اختصاراً LASER)‏ هو إشعاع كهرومغناطيسي تكون فوتوناته مساوية في التردد ومتطابقة الطور الموجي؛ حيث تتداخل تداخلًا بناءً بين موجاتها لتتحول إلى نبضة ضوئية ذات طاقة عالية وشديدة التماسك زمانيًا ومكانيًا ذات زاوية انفراج صغيرة جدًا، وهو ما لم يمكن تحقيقه باستخدام تقنيات أخرى غير تحفيز الإشعاع، بسبب طاقتها العالية وزاوية انفراجها الصغيرة جدًا، وتستخدم أشعة الليزر في عدة مجالات أهمها القياس كقياس المسافات الصغيرة جدًا أو الكبيرة جدًا بدقة متناهية، ويستخدم أيضًا في إنتاج الحرارة لعمليات القطع الصناعي، وفي العمليات الجراحية خاصة في العين، وفي الأجهزة الإلكترونية لتشغيل الأقراص الضوئية».

نظرة (4): 
يا إلهي. كل هذه اللكمات الليزرية أيها الطبيب، وتقول لي إن العين تفلق الحجر؟! بالله عليك أهذه عين تفلق الحجر؟.
 نعم، البعض يؤمن بأن العين حق، لكن أكثر من إيمانه بأن الله خير الحافظين، وهذا ما نبه إليه شيخنا العالم المستنير علي الطنطاوي منذ زمن بعيد. 

ثمة علاقة بين العين والحسد، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا الموضوع أكبر بكثير من الإحاطة به هنا، بل وأعظم من المفاهيم المسطحة التي يتم تداولها بسذاجة، فالحسد صفة تحمل صاحبها على القيام بعمل مؤذ، لقوله تعالى: {ومن شر حاسد إذا حسد} (الفلق: 5) وإن الشر عمل واع مقصود، لقوله تعالى: {ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره} (الزلزلة: 8) أما العين فلها تأثير واحد علمي وهو: إذا نظر مجموعة من الأشخاص وركزوا نظرهم إلى شخص معين وهو يمشي، فربما يؤدي إلى انزلاقه ووقوعه على الأرض لقوله تعالى: {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون} (القلم: 51).

وفي نور هذه الآية الكريمة، ينبئنا القرآن العظيم في أحد المشاهد الرائعة والمروعة التي تشي بمقدرة العين الحاقدة والحاسدة، ليزلقونك أي ليعينونك بأبصارهم بمعنى يحسدونك لبغضهم إياك لولا وقاية الله لك، إنهم من شدة تحديقهم ونظرهم إليك شزرًا بعيون العداوة والبغضاء، يكادون يزلون قدمك من قوله، إذ لم يجدوا في الذكر الذي يسمعونه مدخلا للطعن فيه، فانصرفوا إلى الطعن في صاحبه "صلى الله عليه وملائكته" بأنه مجنون؛ لينتقلوا من ذلك إلى أن الكلام الجاري على لسانه لا يوثق به؛ ليصرفوا دَهماءَهم عن سماعه، وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حقK كما وردت بذلك أحاديث مروية من طرق متعددة كثيرة. 

 نظرة (5):
 وردت في التنزيل الحكيم كلمة (البصر) ومشتقاتها وتصاريفها 148 مرة، وذكرت كلمة (السمع) ومشتقاتها وتصاريفها في القرآن الكريم 185 مرة، وحيثما وردت كلمة السمع في القرآن الكريم عنت دائمًا سماع الكلام والأصوات وإدراك ما تنقله من معلومات، بينما لم تعن كلمة البصر رؤية الضوء والأجسام والصور بالعينين إلا في 88 حالة فقط، إذ إنها دلت في باقي المرات على التبصير العقلي والفكري بظواهر الكون والحياة أو بما يتلقاه المرء ويسمعه من آيات وأقوال وقد ترافقت كلمتا (السمع) و (البصر) في 38 آية كريمة، ثمة تفاصيل كثير يسردها د. صادق الهلالي «الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في السمع والبصر والفؤاد»عن هذه الرؤية

 نظرة (6):
  حاولت أن أحقق معادلًا موضوعيًا مع «لكمات» الألم الليزري عنفًا ولطفًا، تارة مع الشعراء.. وتارة أخرى مع الأمثال الشعبية العالمية.. وتارة أعظم مع الصوفية والسباحة في بحور الحب عندهم ومنظورهم إلى العين الثالثة..!.

اقرأ أيضًا:
Advertisements
د.مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (1 - 3)

قال لي صاحبي وهو يحاورني، وكان له ثمر من مجموعة جروبات في الواتس والميديا، يتكسب منها بصورة أو بأخرى، ويتخيل أنه أيضًا أكثر مني مالًا وأعز نفرًا، فهو يستثمر،

د. مجدي العفيفي يكتب: حتى لا تضيع التغريدة المصرية...!

عنوان هذه الكتلة السردية الإعلامية، التي ستقرأها بعد سطور، صاغه أستاذ حقيقي للإعلام، صناعة وصياغة، ورؤية ورؤيا، وتنظيرا وممارسة، وبذلك تضيق الهوة بين التصورات

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم ( 2-2)

جاء العبارة الأخيرة في مقال الأسبوع الماضي تحمل جينات هذا المقال وأفيق من اللحظة الراهنة التي استغرقتني وامتدت سنوات وسنوات من العذاب والعذوبة.. لأجد

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم (1-2)

ليس فقط، لأنها تدثر نفسها وحسها وحدسها باسم النهر الخالد في سياق المنظومة النيلية الإعلامية، التي تنساب كصفحة النيل الجميل منذ العام 1994.. وليس فقط،لأنها

إن العيون التي في طرفها «جراحة» (3-3)

ما إن أذن الله تعالى بإزالة الغشاوة التي حالت دون الرؤية إلا قليلا، حتى تضرع القلب إلى المنعم العظيم أن لا يُحرم أحدٌ سواء من المحبين والمحبوبين أم من

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (2-3)

قلت في الجملة الأخيرة من النظرة السابقة، إنني حاولت - أثناء استسلامي للطبيب اللبيب وهو يحاور ألمي في العيون التي في طرفها نزيف - أن أحقق معادلا موضوعيا

ومضة نور في طريق مـظلم

الساعة تدق الثالثة صباحًا.. الشوارع خالية.. إلا قليلًا.. طائر الفكر يسري على جناح الليل، والليل صديق..

أقوى من المعرفة والمال والحب والحظ

تكررت الكلمة في حواريتي مع محدثي أكثر من مرة، حتى إنها لفتت انتباهي واستقطبت اهتمامي.. وهي نفس الكلمة التي تتخذ منها الطرق الصوفية سبلًا قويمة ومرجعيات

منصة لإطلاق الجمال

آه لو عرف الشباب.. وآه لو قدر المشيب.. هيمنت على وجداني هذه الفكرة، وأنا أحدق في تلك الساعة التي كانت بطلتها هذه السيدة الأنيقة والأناقة سلوك ..الجميلة جمالا ارستقراطيا، والجمال منحة أكثر منه محنة.. .

الحرام .. رؤية أكثر اتساعًا

لحظة تتجلى فيها منظومة من القيم، العابرة للإنسان والزمان والمكان، إذ هي إنسانية الجوهر، كونية المعنى، عالمية النزعة، تلك اللحظة، في بعدها الماضوي الأثري

رجل .. رجلان .. ثلاثة رجال

ثلاثة مشاهد مثيرة فعلا، تتغشاها كتلة سردية من الشوك البشري إلى الشوق الإنساني.. الأول يثير الغيظ.. والثاني يثير الشفقة.. والثالث يثير الهمة الإنسانية المفقودة، ورب همة أيقظت أمة.

..واسألوا هذا الصقر...!

يعيش الصقر 70 عامًا، ولكن حتى يصل إلى هذا العمر، يجب عليه اتخاذ قرار صعب جدًا، ليكمل حياته.. فماذا يفعل؟ عندما يصل إلى سن الأربعين تفقد أظافره مرونتها،

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة