راديو الاهرام

عبد السلام فاروق يكتب: انهيار الرأسمالية .. قريب أم بعيد؟

28-8-2021 | 13:05

كنت أعلم ما سيحدث ويقال قبل حتى أن أقول الكلمة أو أجاهر بها.. طالما أن سائر الموجودين، وأنا منهم، يخشون اليوم الذي قد تنهار فيه الرأسمالية.
 
إن هذا معناه، فى نظرهم، اختفاء الماكدونالدز والبيبسي وهوليوود والفيديو جيم وهى أمور لا يمكن القبول باختفائها من حياتهم. والأخطر من هذا أن تنهار مصالحهم المرتبطة بالدولار رسول الرأسمالية.
 
لكن لا مناص من إعادة سرد الوقائع والأحداث ولو استنكرها الآخرون أو استنكرتها أنا نفسي.. أنا لا أكره أمريكا بل أحترمها كحضارة وثقافة، وأحترم الشعب الأمريكي الطريف المضياف؛ هذا ما لمسته منهم حقاً. لكن على الناحية الأخرى أرى ما رآه المفكرون والمنظرون على مدار خمسين عاماً..
 
نعم إن فكرة سقوط الرأسمالية والعولمة فكرة قديمة بدأت مع ظهور كتاب (بول كينيدى) الصادر فى أواخر السبعينيات بعنوان: (نشوء وسقوط القوى العظمى) وفى الكتاب نبوءات تحقق معظمها حول مصير الصين وآسيا والاتحاد السوفيتى وأمريكا. ولأول مرة يجرؤ كاتب أمريكي حينئذ على الحديث صراحةً عن احتمالية أفول أو اضمحلال الحضارة الأمريكية كنظام سياسي واقتصادى بينما كان يرى فرانسيس فوكوياما أن أمريكا باقية كقائد للعالم لمائة عام قادمة وهو ما تأكد لنا اليوم أنه لم يكن إلا أمنية لن تتحقق .. بل حتى فكرة "صراع الحضارات" لصامويل هنتنجتون لم تعد مطروحة اليوم، حيث إن سائر الاقتصاديات الصاعدة تتحدث عن تفاهم وتعاون الحضارات بدلا من التدمير الأعمى الذي انتهجته الإمبريالية الأمريكية.
انهيار الرأسمالية  نبوءة لم تكن لى يوماً وإنما هى فكرتهم هم أنفسهم..
لكن السؤال الجوهرى هنا ليس كيف ولا لماذا، وإنما متى؟ هل الانهيار وشيك أم لا؟..
 
هذا قولهم بأفواههم..
 
طائفة من المفكرين الأمريكيين كنعوم تشومسكي وبول كينيدى والصحفيين اللامعين كهنرى فاريل وإبراهام نيومان الصحفيين بمجلة فورين أفيرز وحتى رؤساء سابقين مثل جيمى كارتر دأبوا على تحذير الإدارات الأمريكية المتعاقبة من الإصرار على انتهاج الأسلوب اليوناني المتغطرس والذي قد يصل إلى حد التوحش وإثارة الحروب من أجل تعبيد الطريق أمام رأسمالية عالمية لا تعترف ولا تعبأ إلا بالأرباح والمكاسب وتكديس تلال الأموال ولو على جثث آلاف الضحايا من جراء نزاعات وصراعات مصطنعة لا تهدف إلا لتحقيق مصالح الدول الغنية وعلى رأسها أمريكا.
 
وبرغم التحذيرات المتعاقبة فإن الرأسمالية لا تزال ماضية فى طريقها المليء بالخطايا الكبري التى تعرقلت بسببها فى عدد من الأزمات المالية والاقتصادية المدمرة وآخرها أزمة كورونا.
 
الغريب أن يخرج علينا كاتب أمريكي منذ أيام متسائلاً فى مقال بعنوان: (هل يمثل انتصار طالبان بداية نهاية الإمبراطورية الغربية ؟) فكيف ولماذا ربط الكاتب بين حدث صغير كهذا وبين أمر هائل مثل تهاوى امبراطورية الغرب كلها؟ لا الرأسمالية وحدها كنظام اقتصادى فحسب، بل المنظومة ككل!
 
المقال يعود بنا إلى الوراء منذ بدايات دخول الجحافل الأمريكية لأفغانستان عام 2001 فى أعقاب الأحداث الشهيرة لسقوط البرجين؛ وكيف أن أمريكا أنفقت نحو 2 تريليون دولار فى هذه الحرب وحدها وخرجت خالية الوفاض بعد أن سيطرت طالبان على كابول فور انسحاب القوات الأمريكية. 
 
ناهيك عن آلاف الأرواح التي أزهقت وتجاوزت ربع مليون ضحية منهم نحو 3 آلاف جندي أمريكي وبريطاني. إنه مثال صارخ للصراعات التى تخوضها الرأسمالية بدعاوى ومبررات واهية، ثم تكتشف أن مكاسبها تضيع أمام خسائر أشد وطأة وأزمات مفاجئة مدمرة لم تكن بالحسبان. لكن ما زالت الرأسمالية الموغلة فى التوحش تصر على اتخاذ التدمير وسيلة سحرية للثراء الملطخ بالدم.
 
علكة فى الأفواه
 
منذ الثمانينيات باتت نغمة سقوط أمريكا الوشيك كأنها لقمة أو علكة تمضغها الأفواه وتلوكها الألسنة. وكلما قيل أنها ستنهار تعملقت وتضخمت أكثر وبدا أن توقعات المنجمين وتمنيات الكارهين لم يتحقق منها شيء.
 
غير أن أمريكا نفسها لها رأى آخر .. فقد شوهد الرئيس السابق أوباما يحمل فى يده كتابا عن سقوط الغرب وهو على سلم الطائرة ، إنه يخشى هذا اليوم . وتقارير البنتاجون المتعاقبة حذرت من أن كراهية الرأسمالية تزداد وأن أعداءها يتكاثرون وهو ما قد يؤدي لحصارها وانعزالها.
 
لم يقل أحد أن أفول الغرب سيحدث بين يوم وليلة ولا أن الرأسمالية ستنتحر أو تندثر فجأة بين عشية وضحاها. فالحضارات لا تتساقط هكذا. والأبحاث العلمية والكتب التي تناولت هذا الموضوع بحيادية وتجرد كان أكثرها لمحبين يخشون على أمريكا وينصحون قادتها لينتبهوا.
 
من هذه الأبحاث كتاب بعنوان (الرأسمالية في طريقها لتدمير نفسها) لباحثين فرنسيين هما: باتريك آرتو ومارى بول فيرار ، وكلاهما استفاض فى شرح العيوب القاتلة للرأسمالية كالتركيز على الأرباح قصيرة المدى وزعزعة استقرار البلدان والانحرافات المالية بما أدى لتناقص الطلب وضعف النمو الاقتصادي على المدى البعيد وقلة الاستعداد للهزات والأزمات الاقتصادية الطارئة. وهو ما دفع العملاء ليديروا ظهورهم للرأسمالية وينصرفوا إلى تعاملات تجارية أكثر أماناً مع شركاء موثوقين وأقل توحشاً وجشعاً.
 
كتاب آخر مهم تحت عنوان: (انهيار العولمة) من تأليف رضا عبد السلام الحائز على دكتوراه وجوائز فى الاقتصاد. ومن تقديم على لطفى رئيس الوزراء الأسبق، وأحمد جمال الدين موسي  وزير التعليم الأسبق. ويقول الأخير في تقديمه للكتاب: الواقع أن معارضة العولمة قد نشأت معاصرة لميلادها، فالفكرة ونقيضها صنوان.. فهو إذن يرى أن فيروس الرأسمالية الذى سيقضى عليها قد ولد معها ولازمها ولاريب أنه سيسقطها عاجلاً أو آجلا.
 
كتب أخرى كثيرة استفاضت في شرح الأسباب والعوامل الذاتية والخارجية التي ستعمل حتماً على تآكل النظام الرأسمالى عمَلَ الأرضة فى عصا سليمان. ولعل من أهمها (انهيار الرأسمالية) لمؤلفه أولريش شيفر وترجمة عدنان عباس، وكتاب: (ما بعد الرأسمالية المتهالكة) لسمير أمين.
 
كورونا وطالبان وما قبلهما
 
إذا مددنا أعناقنا عبر التاريخ سنكتشف أنه مليء بإخفاقات الرأسمالية .. 
فالإمبراطورية البريطانية اضمحلت. وألمانيا وأوروبا انكمشتا تحت وطأة حربين عالميتين استنزفتا الجميع وأثبتتا للعالم عدم جدوى الحروب. وجاءت أمريكا لتواصل نفس النهج وترتكب ذات الأخطاء.. فاحتلت فيتنام والعراق وأفغانستان وانسحبت من كل أرض احتلتها ونهبت خيراتها بخسائر ومخازٍ تفوق كل مكسب حققته. 
 
وكم من حكومة أسقطتها أمريكا فى إفريقيا وأمريكا اللاتينية ثم انبرت شعوبها لتدافع عن وجودها ضد التسلط والصلف وباتت الرأسمالية فى مرمى النيران.
 
ماذا فعلت أمريكا أمام فيروس مجهري صغير أكلها أكلاً؟
 
لقد بدت على مدار عام كامل من غزو الجائحة لربوعها عاجزة تكاد تتسول المعونة والمدد، والمساعدات تأتى لها من كل مكان.
 
والدرس الذى لم تتعلمه أمريكا أبداً أنها دائماً وأبداً تسقط فى متوالية أزمات من صنعها!
فالكساد العظيم وانهيار الوول ستريت وفضيحة التجسس السيبراني الأخيرة كلها سقطات حدثت على عينها وبسبب غطرستها وتعاميها عن أخطائها الجوهرية.
 
الأنانية لا تعيش طويلا
 
فيروس الرأسمالية المصاحب لها منذ نشأتها، فيروس الأنانية، يكاد يخنقها..
 
وأمريكا صنعت أعداءها الكثيرين صناعة، وأجادت صناعتهم.
 
التجارة العالمية اليوم يعاد توزيع أنصبتها بحيث لا تستأثر أمريكا بنصيب الأسد . بل ربما يأتى اليوم الذى تفر منه رؤوس الأموال من أمريكا أرض الأحلام إلى أراضٍ غيرها أكثر ربحية. وكلما اقترب الوقت الذي سيكتمل فيه طريق الحرير الصينى والطريق الروسي الشمالى دنت نهاية سيطرة أمريكا على أسواق العالم.
 
يا صاحبي دعني أتساءل: لماذا توصل العلم والبحث الطبي إلى ابتكار نحو عشرة لقاحات وعلاجات لفيروس كورونا خلال عام واحد فيما أخفق أمام الإيدز والسرطان والإيبولا والفيروس الكبدى الوبائى رغم  مرور عشرات السنين؟
 
السر كله فى جشع المنظومة الطبية العالمية والأرباح التى ستختفى  إذا اختفى المرض من العالم. إلى هذا الحد قد تصل أنانية الشركات الرأسمالية، وإلى هذا الحد يخشى معارضوها من قيام الشركات المنتجة للقاحات كورونا بتعمد إطالة أمد الوباء لأقصى مدى زمنى ممكن حتى تحقق أرباحا خيالية ولو على جثث الضحايا.
 
أغلب الظن أن انهيار الرأسمالية وشيك.. وانهيارها سيكون بطيئاً على شكل متوالية من أزمات وعراقيل لن تكون من صناعة أعدائها، بل بفعل فيروس النرجسية المولود بصحبتها.
 
[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة