راديو الاهرام

د. حسام الإمام يكتب: خليك بعيد

26-8-2021 | 00:29

رغم صدق أحلام زينب معي دومًا، لكنني لم آخذها ولا مرة واحدة مأخذ اليقين، بل أسمعها وأقول خيرًا إن شاء الله، ولا أعيد صياغة خططي وخطواتي بناء على الحلم.. لكن زينب هذه المرة ألقت الكرة في ملعبي حين طلبتني وبكلمات قليلة تحدثت - كعادتها - قائلة: "خير إن شاء الله بالصلاة على سيدنا محمد، شفت حماتك في المنام بتوصيني أبلغك إنك ما تتدخلش في حاجة علشان هيقولوا إنك السبب لو حصل مشكلة.. ده اللى حصل والله أعلم".

وطالما أن الكرة في ملعبي قررت أن أتحدى زينب، وألا أتدخل في شيء يمكن أن يحقق لها حلمها هذه المرة.. لكنها زينب وما أدراك ما زينب!!

في أحد الأيام طلبني صديق عزيز على قلبي وتوسل إليَّ أن أتحدث إلى ابنه وأن أحاول إقناعه بالالتحاق بكلية الطب، وهو حلم  ظل يداعب والديه منذ صغره، وقالوا لي أن الولد لديه رغبة شديدة في ذلك، لكن بعض زملائه أثروا عليه للالتحاق بكلية أخرى معهم.

ومع إلحاح صديقي، نسيت فجأة وصية حماتي التي جاءتني على لسان زينب، وذهبت.. جلست مع الابن وبدأت الحديث معه بتهنئته بالنجاح الكبير وحصوله على هذا المجموع الذى يؤهله لأن يكون طبيبًا، ذلك الحلم الذى يتطلع إليه كثير من زملائه، ظل الابن يتفرس وجهي ويستمع إليَ بهدوء إلى أن انتهيت.. ثم قال لي بكل هدوء ورصانة: "تمام وبعدين؟ هما جايبينك علشان تقوللي الكلمتين دول.. ريح دماغك انت وهما".

لوح من الثلج سقط على رأسي، أسلوب الولد الفج غير المتوقع والمفاجئ شل لساني، الإحراج أصابني في مقتل بدأت أتعرق وأنظر حولي أبحث عن منقذ يخرجني من هذا البئر السحيق الذي قذفتني فيه كلمات الصبي بدون أي مقدمات وبلا رحمة.. إلى أن انبرى الأب من مكانه واقفًا، فكانت بارقة الأمل في النجاة الوشيكة، وصرخ فيه وعلى وجهه خليط من مشاعر الخجل والتردد، وقبل ذلك الخوف والرهبة: "عيب كده يا حبيبي ما يصحش تكلم عمو بالطريقة دي"!

نعم! عمو مين؟ مفيش قلمين سخنين على وشه، ولا خبطتين على كتفه، ولا حتى كلمتين يعرفوه حدوده عندما يتحدث إلى الكبار؟ مفيش أى حاجة؟ لكنني فهمت على الفور السبب عندما رد عليه الابن قائلًا: "بقولك إيه، إللى في دماغي هعمله يعني هعمله، ان شالله تجيب إبليس نفسه يقنعني"!!

غصب عنى قلت له "بكل هدوء": عيب يا ابنى تكلم والدك بالطريقة دي!! وكانت الصفعة الثانية عندما قال لي: "أنا إللي عيب، مش شايف بيعملوا إيه، وبعدين تقوللي أنا عيب، يعني يجننوا الواحد ولما يرد يبقى عيب"!! وغصب عنى أيضًا وجدتني أقول له: "يا بني أنا مش هاتكلم معاك خالص عن الكلية، اعمل إللى إنت عايزه طالما بتحبه وراضي عنه وحاسس إنك هتنجح فيه.. لكن أنا المهم عندى طريقة كلامك مع أبوك، ده غلط ولازم تعرف إنه خايف على مصلحتك، وحتى لو أسلوبه مش عاجبك لازم تتكلم معاه بشكل أفضل لأنك متأكد إنه عايز مصلحتك"!!

وأتصور أن كلماتي لم تستحق منه هذه المرة أن يكلف نفسه عناء الرد، فاكتفى بالنظر تجاهي نظرة من السهل لأي شخص أن يفهم مضمونها.. "أسكت يا عم الحاج، وفر نصايحك لنفسك"!!

ما حدش يستعجل، زينب جايه حالًا.. استأذنت الوالد وانصرفت، في اليوم التالي اتصلت به لأطمئن على حاله، فوجئت به يقول على استحياء أنا أسف والله إني تعبتك.. ولو إن لي عتاب عليك! قلت له: "أي عتاب ولماذا؟ قال: "كان نفسي تكلمه عن الكلية زي ما طلبت منك.. ده اتعصب قوي بعد ما انت مشيت وبهدلنا خالص، وبقيت أقول لنفسي ياريتك ما اتكلمت معاه".

وغصب عني "أقولها للمرة الأخيرة في هذا المقال".. قلت له: "مشكلة ابنك مش في الكلية اللى لازم يدخلها".. سألني: "أمال في إيه؟"، وفورًا وجدتني أمام أب قد لا يكون على علم حقيقي بمشكلة ابنه وهو ما اعتبره كارثة، أو أب يعلم تمامًا مشكلة ابنه لكنه يداريها ربما حياءً مني، وربما لانعدام الحيلة بين يديه.. لذلك أوقفت نفسي عن الحديث رفقًا به وقلت له: "ادعيله.. ادعي له ربنا يهديه، ربنا قادر على كل شيء".

كلمات البحث
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة