آراء

مهدي مصطفى يكتب: اليوم التالي لخروج أمريكا من كابول

24-8-2021 | 14:58
Advertisements

تنتهى الآن حقبة طويلة استمرت 76 عاما. تنتهى مع الخروج الأمريكى من أرض الأفغان يوم 15 أغسطس 2021، وتتغير معها قواعد رقعة الشطرنج الدولية، وتموت معها أفكار ونظريات الأمريكيين الأربعة الكبار: دويت أيزنهاور وهنرى كيسنجر، وزبجنيو بريجنسكي، وريتشارد نيكسون، وما تلاهم من المقلدين: رونالد ريجان، وجورج بوش الأب والابن، وباراك أوباما، وجو بايدن.

تنتهى حقبة الحرب العالمية الثانية بعد 76 عامًا، وقد بدأت فى الأول من سبتمبر عام 1939، وحسب التأريخ التقليدى تتوقف عند الثانى من سبتمبر عام 1945، بينما الواقع الموثق يؤكد أن التاريخ الحقيقي ينتهي فعليا يوم الخامس عشر من أغسطس 2021 على جميع الجبهات، فإذا كانت حرب الدول والأمم استمرت ست سنوات بهزيمة ألمانيا وإيطاليا واليابان، فإن تداعياتها استمرت 70 عاما، حتى إعلان خروج أمريكا وحلف الناتو من أفغانستان.

حرب السنوات الست وضعت أوزارها بانتصار واضح ومعلن لدول الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وعضوية بريطانيا وفرنسا، والاتحاد السوفيتي، وهزيمة علنية لدول الحلفاء بقيادة ألمانيا النازية، وعضوية إيطاليا واليابان، والمنتصر يفرض الشروط بالطبع.

الولايات المتحدة الأمريكية كانت المنتصر الواضح الوحيد، بغض النظر عن انتصار حلفائها الروس والبريطانيين والفرنسيين، فقد خرجوا مصابين، اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا، من المعارك الضارية، وتركوا مستعمراتهم العتيدة، باستثناء الروس، وقد تحولوا إلى قوة عظمى مفاجئة، ولذا كانوا كالمكمل الغذائى للحالة الأمريكية، فلم تمر فترة طويلة حتى سارعت إلى اتخاذهم عدوا، على نحو ما جرى فيما عرف بالحرب الباردة الثقافية، وقد انتهت تلك الحرب بفوز الأمريكيين عليهم فوزا ساحقا، وتفكيك إمبراطوريتهم مع بداية تسعينيات القرن الماضي.

 إذن، كانت أمريكا هى المنتصر الواضح، وبالتالى كان لها السيطرة على المناخ السياسى العالمي، فدعت إلى إنشاء المنظمات الدولية المختلفة، وعلى رأسها الأمم المتحدة وتوابعها، ثم قامت باستضافتها على أراضيها، مبنى وموظفين، واختيار أمينها العام، ثم أنشأت وترأست حلف الناتو، وقامت بإعادة إعمار أوروبا عبر مشروع جورج مارشال، ثم أنشأت دولا لم تكن موجودة، وعملت على تشريع قوانين وتوقيع اتفاقيات تناسب مخططاتها الإستراتيجية، ثم أغراها الانتصار العالمى بخوض حروب طويلة: حرب الكوريتين، وفيتنام، وأفغانستان، والعراق، وزاد الإغراء إلى صناعة واختلاق ثورات، ونشر اضطرابات، ونزع سلطات وتمكين أخرى مناسبة، وصولا إلى إشعال وإطفاء حرائق سياسية على مستوى الكرة الأرضية.

 هذا الإغراء ينتهى الآن

شخصيا، كتبت مئات المقالات عن حتمية هذه النهاية الطبيعة، نهاية فكرة الإمبراطورية، تلك الفكرة التى تمكنت من عقول وقلوب سياسيين أمريكيين، وتمكنت من توابعهم، فصاروا الأكثر إخلاصًا من الأمريكيين أنفسهم، فتجدهم يلطمون الخدود ويشقون الجيوب، ويذرفون الدموع.

 الشعب الأمريكى العادى لا يعرف مثل هذه النظريات الداعية إلى إقامة إمبراطورية رومانية جديدة، فحين اكتشف المهاجرون الأوائل الأراضى الجديدة، حاولوا أن يعزلوا أنفسهم عن العالم القديم وراء المحيطين، ولم يكونوا راغبين فى الخروج فيما وراء البحار، وإذا خرجوا فإلى الفناء الخلفى، حيث قارة أمريكا اللاتينية، حسب مبدأ مونرو وكثيرًا ما استدعاه دونالد ترامب أثناء فترته الرئاسية، وكثيرًا ما كان يسخر من ترامب كبار الكتاب والمحللين فى صحافة واشنطن.

ويحدث الآن، يعود الأمريكيون إلى الديار، هذه المرة ليس كالعودة من اليابان، أو فرنسا، وإنجلترا، أو كوريا، أو فيتنام، إنما عودة، تنتهى معها نتائج الحرب العالمية الثانية.

علينا أن نفكر عميقا، فى اليوم التالى لهذا الخروج الأمريكى كيف سيكون؟ وهل يمكن أن تندلع حروب صغيرة مرتبة؟ فى عدم وجود” حكم دولي” كان يملك البطاقات الحمراء والصفراء، ويرفعها وقتما شاء فى وجه اللاعبين على المسرح الدولي؟ وكيف نمنع وقوع مثل هذه الحروب، فى ظل تفكير يدعو إلى انتشار مصانع الأسلحة الصغيرة عوضًا عن الأسلحة العملاقة؟

عودة الأمريكيين إلى الديار فرصة نادرة لإعادة ترتيب الذات، وفرصة سانحة لبناء قوة القلوب والعقول، وضرورة للحذر من ترتيب يتطاير فى الهواء، عن إشاعة فوضى ضارية أخطر مما يسمى بالربيع العربي.

نقلاً عن الأهرام العربي
اقرأ أيضًا:
Advertisements
محطة أخيرة للقرون الستة

قدر الإقليم العربي أن يكون جارًا للإقليم الأوروبي، وشريكًا في المتوسط، الشاهد على الصراعات الدموية، وقيام وانهيار الإمبراطوريات العظمى، وقدر الإقليم العربي

مهدي مصطفى يكتب: بغدادُ والشعراءُ والصورُ

كتبها الشاعر اللبنانى سعيد عقل أم الأخوان رحبانى، لا يوجد من يملك اليقين، بينما كان اليقين الوحيد هو أن فيروز صدحت بها فى ساحة الخلد ببغداد عام 1976، صارت حنجرة جارة القمر حناجر كل العراقيين.

مهدي مصطفى يكتب: كتاب وصف العالم الجديد

عصر النهضة الأوروبى أثر بعد عين، عصر ألمانيا فوق الجميع دخل الكهف، عصر أمريكا، القوة الغازية، والأمة الفريدة فى سبيلها للسكون التام، عصر المستعمرات كتابات

مهدي مصطفى يكتب: عصابة عالمية ناطقة بالإنجليزية

فرنسا غاضبة، ثائرة، نائحة، تشعر بمؤامرة عميقة من حلفاء الأمس فى قصة الغواصات الأسترالية، وحلفاء الأمس: أمريكا وبريطانيا فى حرب الوجود، الحرب الكونية الثانية، باتوا أعداء اليوم.

مهدي مصطفى يكتب: لا يوجد مفتاح فى مكان آخر

مصر مفتاح الإقليم، لا يوجد أى مفتاح فى مكان آخر، هكذا سجل التاريخ وشاءت الجغرافيا، ولتسم الإقليم ما شئت: العربى وجواره الموروث بلا حيلة، أو الشرق الأوسط الواسع أو الموسع، أو الكبير، وحواشيه، أنت حر.

مهدي مصطفى يكتب: رقصة تشرشل

كان جورج دبليو بوش، رئيس عصر 11 سبتمبر، ينتمى للتيار الانعزالى، لا يرغب فى الخروج إلى ما وراء المحيط، لا يريد الذهاب بعيدا فى العولمة، والتجارة الحرة،

مهدي مصطفى يكتب: أمريكا استراحة طويلة

لا تخلو صحيفة عالمية من جلد أمريكا على انسحابها من أفغانستان، ولا يوجد كاتب عمود أو محلل سياسى إلا ويشق الجيوب ويلطم الخدود، ويهاجم الرئيس الأمريكى جو

مهدي مصطفى يكتب: شاهدوا الفيلم.. لا تذهبوا بعيدا

وسائل الإعلام العالمية غارقة فى تفاصيل أفغانستان، صحفيو الأخبار يبحثون عن انفراد، كاتبو الأعمدة يفتشون عن معلومة غامضة، محللو مراكز الدراسات يتنبأون

مهدي مصطفى يكتب: اليوم التالي لخروج أمريكا من كابول

تنتهى الآن حقبة طويلة استمرت 76 عامًا. تنتهى مع الخروج الأمريكى من أرض الأفغان يوم 15 أغسطس 2021، وتتغير معها قواعد رقعة الشطرنج الدولية، وتموت معها أفكار

مهدي مصطفى يكتب: سينجو من يرى في الظلام

أفغانستان مستنقع القوى العظمى في كل عصر من عصور القوى العظمى: بريطانيا العظمى، والاتحاد السوفيتي السابق، وأخيرًا الولايات المتحدة الأمريكية.

ولا عزاء للمرزوقي وكرمان

الشعب التونسى يحتفل فى الشوارع بقرارات الرئيس قيس سعيد: حل البرلمان، وإقالة الحكومة، وبعض الرموز السياسية من العيار الثقيل.

النصر أو النصر

قبل عام تقريبا، وفى نفس الشهر يوليو، ذلك الشهر الذى حدثت فيه تغيرات كبرى منذ 69 عاما، ولا تزال، كتبت مقالا فى الأهرام العربى تحت عنوان تخلصوا من ثقافة

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة