آراء

د. شيرين الملواني تكتب: ابني دكتور!

23-8-2021 | 18:41
Advertisements

فاجأتنا نتائج الثانوية العامة هذا العام؛ حيث انخفضت مجاميع الطلاب ولأول مرة منذ سنوات لم نر نسبة المئة بالمئة ولم يتجاوزها الطلاب كما اعتدنا سماعها من قبل، بل إن مؤشرات الحد الأدنى لكليات القمة في المرحلة الأولى حملت أرقامًا لم نشهدها منذ سنوات طوال؛ مما جعل توصيف التفوق ولأول مرة ذي مصداقية وفُعِّل معاييره الصحيحة بعدما كان افتراضيًا وبلا تقييم حقيقي لقدرات الطالب. 

 
وإذا كانت وزارة التربية والتعليم قد وصلت بعد جُهد جهيد لنظام تعليمي بأساليب جديدة سيصبح نقلة ملموسة في سنة تحديد المصير كما تُطلِق عليها الأسر المصرية، فإن العبء الأكبر يقع على تلك الأسر في تقبل فكرة اختيار مستقبل أبنائهم، إذ تخضع معايير فكر الأسرة إلى موروثات اجتماعية بائدة، تكمن في سعي الجميع والتفاني لنوال الأبن لقب دكتور أو مهندس، من باب الشرف المغلوط فهمًا، أو من باب التباري بين أبناء العائلة - مثل ابن عمه أو مثل ابنة خاله - وهو ماتسعى إليه الأسرة بتوفير كل الإمكانات المعنوية والمادية؛ فساهم هذا في توحش غول الدروس الخصوصية وقضى على قدسية المدرسة والحضور فيها.
 
ولا يتوقف استنزاف موارد الأسرة عند سنة الثانوية العامة؛ بل يمتدد الأمر إلى الكليات والكورسات المتداولة، وتنتهي سنوات الجامعة ويخرج الطالب للحياة العملية وتكون أولى الصدمات مع سوق العمل؛ وهو ما حدث مع خريجي كليات الصيدلة العامة والخاصة، وكان مردوده بالسلب والإحباط على المهنة وخريجيها؛ حيث كانت كلية الصيدلة مبغى كل متفوق في الثانوية العامة في السنوات السابقة؛ حتى تكدس سوق العمل بأعداد الصيادلة؛ وليس أدل على ذلك من تأخر تكليف الدفعات والتعيينات الجديدة لتشبع وزارة الصحة بهم، بل عُلقَت لافتات على بعض أماكن توزيع الصيادلة في وزارة الصحة كُتِب عليها (لا حاجة لنا بالصيادلة)! ووجد الخريج المتفوق نفسه بلا عمل خاصة مع خلجنة وسعودة الدول العربية للوظائف في أراضيها وبالتالي انسداد قنوات العمل في الخارج.
 
تكدس الطلبة في الكليات لا يقلل من جودة التعليم فقط؛ بل يُثقِل سوق العمل واقتصاد الدولة بخريجين لا يصلحون للعمل، ولا سيما أن مصر بحاجة إلى نقلة نوعية في مجال ريادة الأعمال مما يجعله وازعًا قويًا لتفادي خسارة سوق البطالة وانعدام الإنتاجية؛ حيث لا علاقة بين الدراسة بمناهجها وأعداد خريجيها وسوق العمل.
 
لذا نحتاج إلى تغيير في سياسة الدولة، وتغيير في سياسة الأسرة المصرية؛ أما من حيث الدولة فلا نستطيع إنكار الخطط قصيرة وطويلة الأمد والخطوات التي اتخذتها في نظام التحول الرقمي، ومنهج الذكاء الإصطناعي، وتفعيل التكنولوجيا كمواكبة للنظم العالمية؛ حيث يتم استبدال أغلب الوظائف بأخرى أساسها تكنولوجي؛ مما يفرض الحاجة لخريجين ذوي نوعية خاصة بقدرات عالية للتعامل بشكل جوهري مع الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي؛ بحيث نلحق بالركب العالمي.
 
حيث تقيس الدول المتقدمة مدى نجاحها في التعليم بتهافت الشركات الكبرى والمؤسسات الطبية على خريجيها، وتتفاخر بالأماكن والشركات التي عملوا بها على مستوى العالم؛ لذا لابد أن يكون لدينا القدرة على التحليل العلمي بشكل أفضل، وأن يتم مراجعة الاحتياجات والاختصاصات، كما أننا نطالب بضرورة النظر بجدية لنوعية التعليم العالي الجامعي ومناهجه والتي يجب تطويرها وتوظيفها في مجال ريادة الأعمال مع الأخذ في الاعتبار ضرورة العمل على نمو المتطلبات الفكرية والمهارية وتتساوى إعادة تطوير المناهج؛ بحيث تشمل الكليات مفرخة الخريجين مثل كلية التجارة مع كليات الطب والهندسة؛ حيث لا تتماشى مناهج تلك الجامعات المُفعلة منذ أكثر من ثلاثين عامًا مع التكنولوجيا العالمية.
 
وفيما يخص الأسرة المصرية بموروثاتها وثوابتها التي خرجت أجيالًا بلا عمل وساهمت في تواجد أطباء وصيادلة ومهندسين بلا إنتاج، وتم حسابهم على سوق البطالة، فإن إعادة عرض وطرح منظومة التعليم الصناعي بكونها الأجدر بسوق العمل وفرصها أكثر إتاحة، والطلب عليها يفوق خريجي الجامعات سيمهد الأمر إلى نجاح تغيير مفهوم ومنظور الأسرة المصرية لذلك النوع من التعليم؛ مما يتيح التوازن في تلك المعادلة التي لا تكتمل، مع توجيه خطاب إعلامي مباشر بزوال منطق دونية التعليم المتوسط والصناعي وتزيين مردوده وفوائده للعامة، مع نقل صورة واقعية من أولي الأمر والشخصيات العامة ذات المصداقية للأسرة المصرية وإظهار عدم ارتباط مهنة معينة بشرف اللقب؛ مما يسهم في القضاء على أسطورة الطب والهندسة كشرف للأسرة، فالدكتور لا نفع منه بدون ممارسة، وهكذا الصيدلى والمهندس. 
 
واقعية وعملية التفكير وبالتبعية التنفيذ يحتاج إلى القضاء على فكر الشهادات، ويحتاج إلى وأد مصطلح (كلية القمة)؛ فلا قمة بلا قيمة في سوق العمل، ولا جدوى من جملة التباهي الشهيرة (ابني دكتور)...عاطل!

اقرأ أيضًا:
Advertisements
د. شيرين الملواني تكتب: لكم لقاحكم ولنا لقاحنا!

بقوة لسانهِ المعهودة واجه فضيلة الأمام الأكبر شيخ الأزهر العالم بحقيقتهِ الظالمة فى المؤتمر السنوي لقمة الأديان المُنْعقِد فى روما مؤخرًا ؛ حين قال:(نحن

د. شيرين الملواني تكتب: جَرائم المُجتمع بين (الفودو) و(الشبو)!

المُخدرات ذلك الغول الذى يتلاعب بمُجتمعنا مُنذ سنواتٍ طوال؛تحت مُسمْيات وصور تَعاط مُختلفة باختلاف الزمان وظروفه السياسية والاجتماعية؛فشهدت بدايات الحرب

د. شيرين الملواني تكتب: في (حَانة السِت) .. قَامت "ثومة" من مَرْقدِها!

نعم؛ نفخ الإبداع الروح في جَسَد (الست أم كلثوم) فأحياها عام 2021 ، فالقلم الإبداعى بخيالهِ قادر على إحياء الموتى من رموز عاشت مُقدَّسة ومؤلَّهة ؛فلم يجرؤ

د. شيرين الملواني تكتب: الصيدلي ومِهنة المَتَاعب!

يحتفل العالم في الخامس والعشرين من سبتمبر كل عام بيوم الصيدلي العالمي؛ فالصيدلي هو صاحب تلك المهنة ذات العطاء اللا مُتناهى والداعم الدائم في أي منظومة

د. شيرين الملواني تكتب: المريض في فَخ الكُرْكُم ورِجل الأَسَد!

القضاء على تساقط الشعر من أول دهان من مُنتجنا الذى يحتوى على زيت الشطة والثوم وإليكم الكُركُومين(الكُرْكُم) فى عبوة ثمنها 360 جنيهًا فقط من أجل علاج الروماتيزم

د. شيرين الملواني تكتب: في حُجرات "شيرين سامي"..

تراءت لي العديد من التساؤلات عند قراءتي لذلك العمل الأدبى رواية (الحُجرات) للكاتبة شيرين سامي، هل المرأة بقلمها هي الأجدر بالتعبير عن أحاسيس مثيلاتها والأولى

د. شيرين الملواني تكتب: جسد المرأَة

بادئ ذي بدء لست من المُدافعين عن الدكتورة نوال السعداوى على طول الخطْ رغم احترامى لكفاحها بشأن قضايا حاربت لأجلها فى محياها علنًا كقضية الختْان وبالتأكيد

د. شيرين الملواني تكتب: على عَتَبة نجع بريطانيا العُظمى!

كثيرًا ما تساءلت كَونى أستاذة للأدب ومُترجِمة عن جدوى غزارة الإنتاج الأدبي، وخاصة الروائي في مصر وما هي معايير بقاء ذلك الإنتاج لسنوات قادمة؟ وتوصلت لكون

د. شيرين الملواني تكتب: ابني دكتور!

فاجأتنا نتائج الثانوية العامة هذا العام؛ حيث انخفضت مجاميع الطلاب ولأول مرة منذ سنوات لم نر نسبة المئة بالمئة ولم يتجاوزها الطلاب كما اعتدنا سماعها من

د. شيرين الملواني تكتب: من أشعل حرائق الجزائر؟

الغالبية العظمى من المصريين لا يعلم شيئًا عن الجزائر وشعبها وعن طبيعته الأمازيغية وعن مامر به عبر التاريخ، ولا تجد لدينا سوى معطيات ضئيلة تنصْب أغلبها

د. شيرين الملواني تكتب: ثاني أُكسيد الكربون وحقوق الإنسان

من فيضانات وأعاصير اجتاحت أوروبا وخاصة ألمانيا في هذا التوقيت من العام، إلى انهيارات جليدية عارمة، صرح العلماء بكونها كفيلة بإغراق ولاية فلوريدا إذا ما

جوائز أم جنائز للأدب؟

فى كل مرة يُعلَن فيها عن اسم كاتب أو روائي أو شاعر لفوزه بجائزة داخل مصر أو الوطن العربي يمشي بخجل نحو المنصة وبتواضع جم وتأثر ملحوظ يشكر لجنة التحكيم

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة