راديو الاهرام

د. خالد قنديل يكتب: أنجيلا ميركل .. السياسة والإنسانية في ظاهرة

23-8-2021 | 00:05

بعد 16 عامًا في الحكومة، كمستشارة لألمانيا توشك أنجيلا ميركل على التقاعد، بعد الانتخابات البرلمانية المقررة سبتمبر المقبل، لتودع المرأة السياسية المحنكة حياة السياسة إلى براح الهدوء الإنساني والتأمل والقراءة وغيرها من متطلبات الراحة الإنسانية بعد مسيرة مفعمة بالعمل السياسي المرهق وزيارات في أنحاء العالم.
 
إن أعظم مكافأةٍ يمكن أن يتلقاها مسئول كبير هي محبة واحترام وتقدير الشعب لشخصه مسئولا جادًا، وإنسانًا راقيًا معًا، وقد ترجم الشعب الألماني مكنون مشاعره من الحب والتقدير والإعجاب تجاه المستشارة أنجيلا ميركل السيدة القوية الجادة والإنسانة من الطراز الرفيع، التي رافقها الشعب ذات يوم بست دقائق كاملة من التصفيق المتواصل حين ودعت الحزب الديمقراطي بألمانيا الذي كانت ترأسه.
 
وفي الزيارات الأخيرة التي يمكن تسميتها بالوداع الأخير فى بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، أكدت ميركل في إجابة عما تنوي القيام به في أول يوم لها بعيدًا عن مسئولية قيادة البلاد كمستشارة، أنها بحاجة إلى الراحة والاستمتاع باستراحة للتفكير فى الأمور التى قد تثير اهتمامها خلال الفترة المقبلة، مشيرة إلى أنه طوال الـ 16 عامًا الماضية لم يكن لديها الوقت الكافي للتفكير فى ذلك، ولعلنا نتفق معها تمامًا هنا، حيث الصولات والجولات التي قطعتها حفاظًا على سلام بلادها، وربما سلام العالم ومحاولة التقريب بين وجهات النظر بين المتناحرين على هذه الكرة الملتهبة.
 
ووفقًا لنتائج آخر استطلاع أجراه معهد INSA المتخصص في استطلاعات للرأي، فإن أنجيلا ميركل أكثر الساسة شعبية في بلادها، حيث أبرزت نتائج الدراسة التي تم إجراؤها في الفترة خلال شهر واحد، وشارك بها 2075 شخصًا، أن ميركل الأكثر شعبية، وقد أعلنت في وقت سابق بأنها لا تخطط للترشح لولاية جديدة في الانتخابات التي ستشهدها ألمانيا مستقبلًا.
 
فمن هي هذه السيدة التي أحبها الشعب الألماني ونالت كل هذا التقدير من شعوب العالم، وما سر هذه الحفاوة والمحبة الكبيرين؟ 
 
أنجيلا ميركل التي ولدت عام 1954 وتدرجت في الحياة إلى أن شغلت منصب مستشارة دولة كبرى بحجم ألمانيا، وزعيمة للحزب الديمقراطي المسيحي، وقبل ذلك كانت ميركل عالمة أبحاث نالت شهادة الدكتوراه في الكيمياء الفيزيائية، ثم دخلت إلى عالم السياسة وصارت نائبة للمتحدث باسم أول حكومة منتخبة ديمقراطيًا في ألمانيا الشرقية، كما عُينت بمنصب وزيرة المرأة والشباب في الحكومة الاتحادية، وبعدها أصبحت وزيرة البيئة، وانتخبت لمنصب الأمين العام لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي قبل أن تصبح أول زعيمة للحزب، وقد سميت ميركل مرتين ثاني أقوى شخص في العالم عبر مجلة فوربس، كأعلى تصنيف حققته امرأة.
 
وفي ظل هذا التاريخ المهم من المسئولية استطاعت أنجيلا ميركل أن توازن بين شخصيتها كمسئول عن ملفات سياسية مهمة داخليًا وخارجيًا، وبين شخصها الإنسان الذي يقدر الناس ويحترم الحياة الاجتماعية، فتراها الزعيم الذي يوجه خطابًا ملهمًا لشعبه، وتراها الزوجة التي تضطلع بواجباتها الأسرية، ونستطيع أن نلمس خصوصية هذه الظاهرة الإنسانية والسياسية عبر عديد من المواقف والخطابات، منها ما وجهته منذ وقت قريب للشعب من خطاب جاد ومتفهم في ظل أزمة كورونا، حيث وجهت الشكر إلى العديد من العمال في بلادها على أداء واجبهم في ظل هذه الظروف الصعبة، قائلة أوجه الشكر بالتحديد إلى هذه المهن التي لم تحظ بهذا القدر من الاهتمام، والتي أبقت على حالة الحركة في البلاد، وأنه بدون العاملين في محلات السوبر ماركت وبدون سائقي الشاحنات، ما كان لنا أن نطمئن إلى توافر الإمدادات المعتادة من المواد الغذائية، كما وجهت الشكر بمناسبة عيد العمال لمجالس العاملين والنقابات للجهود المبذولة من أجل توفير ظروف عمل جيدة وأجور عادلة.
 
ولن ينسى التاريخ موقف ميركل المشرف من اللاجئين الذين لفظتهم الحروب خارج بلادهم، حيث قررت في عام 2015، أن تفتح الباب أمام طالبي اللجوء، حتى قوبلت "المرأة الحديدية" بانتقادات شديدة، لدرجة أن أدت سياسة ترحيبها بالفارين من نيران الحروب والاضطرابات إلى انتقادات صادرة عن قوى اليمين المتطرف، لكنها راهنت على الإنسانية والحق في الحياة واستطاعت نسبة ليست قليلة ممن دخلوا البلاد أن يشقوا مسارًا ناجحًا لهم في ألمانيا، فتعلموا اللغة الألمانية وواصلوا دراساتهم وأصبح منهم من يعملون ويدفعون الضرائب للدولة.
 
إنها سيدة المواقف الإنسانية المؤثرة، وصاحبة القرارات السياسية الحكيمة ذات الابتسامة الحنونة، التي غادرت منصبها بكل فخر بما قدمته طيلة ثمانية عشر عامًا من خدمة بلادها بكل تفانٍ، ودون افتعال لحروب أو المشاركة  فيها، لتكون ظاهرة إنسانية وسياسية سيذكرها التاريخ كلما امتدت الحياة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة